wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الخميس, 01 مارس 2018 18:02

إيزابيل الليندي .. رواياتي تساعد جروحي على الالتئام

كتبه

حوار: أليسون بيرد 

ترجمة: أمنية أبو بكر

تخيلت إيزابيل أليندي روايتها الأولى "بيت الأشباح" كرسالة إلى جدها المحتضر. وبالرغم من أنها أضحت من أعلى الروايات مبيعًا حول العالم، فقد كتبت رواية ناجحة أخرى قبل أن تشعر بالثقة الكافية للاستقالة من عملها اليومي، حتى أصبح أرشيفها الكتابي الآن يتجاوز أكثر من العشرين عنوان، بما فيهم رواية العاشق الياباني الصادرة عام 2015.

 

 * تبدأين كتابة كل كتاب لك في نفس التاريخ الذي بدأتِ فيه كتابة روايتك بيت الأرواح. لماذا؟

- في البداية كان إيمانًا مني بخرافة الحظ الذي حالف كتابي الأول، أما الآن فهو مجرد التزام، فحياتي مشغولة جدًا، ولهذا أحتاج توفير بضعة أشهر كي أكون في معتزل. أحتاج إلى الوقت والهدوء وإلا فلن أتمكن من الكتابة أبدًا، ووجود تاريخ للبدء هو أمر جيد لي ولكل من هم حولي، فهم يعرفون أنني من اليوم الثامن من يناير لا أكون متفرغة لهم.

* هل تكون لديك فكرة دائمًا حول الكتاب الذي ستكتبينه؟

 - غالبًا، ولكن بشكل ضبابي. لا يكون لدي نص مسبق على الإطلاق.  قد يكون لدي زمان ومكان قمت بالبحث حولهما، فمثلًا، عند كتابتي لقصة عن ثورة عبد في هايتي منذ 200 عام، قمت بدراسة الحدث نفسه، لكن لم تكن هنالك شخصيات بعد، ولا قصة، ولا نهاية. وفي أحيانٍ أخرى، أجلس أمام حاسوبي وأترك جملتي الأولى تخرج مني من تلقاء نفسها، ويكون هذا هو مفتتح القصة، ولكني لا أكون قد عرفت عما تدور بعد.

* وكيف تتقدمين من عند هذه النقطة؟

- على مهل. أول بضعة أسابيع تكون مريعة، حيث لا أكون وجدت صوت الراوي أو النبرة أو الرتم. الأمر سخيف، إذ إني أعرف أن هذه الصفحات سينتهي أمرها ملقاة في سلة المهملات، ولكنها نوع من التمرين؛ فأنا أحتاج للدخول في حالة الكتابة. بعد أسابيع قليلة، تبدأ الشخصيات في الظهور لتخبرني بقصصها، وعندها أشعر أنني على الطريق الصحيح.

* وكيف تتصرفين عندما يتأخر بزوغ هذا الطريق؟

- أحيانًا أشعر أنه لا يفترض علي كتابة "هذه القصة"، لكني فقط أستمر في كتابتها، وعاجلًا أو آجلًا أجدها تأخذ مسارها. لقد تعلمت أن أثق في مهارتي، ولكن هذا أخذ مني وقتًا طويلًا. في البداية اعتقدت أن كل كتاب هو هدية سماوية لن تتكرر. لكن الآن؛ وبعد 35 سنة لي ككاتبة، أعرف أنني إن منحت نفسي المادة والوقت الكافي، فيمكنني الكتابة عن أي شيء تقريبًا. هذا أعطاني ثقةَ بالنفس ومكنني من الاسترخاء والاستمتاع بعملية الكتابة.

* لقد قلت أنكِ حكاءة بالفطرة، فأي من الموهبة والتمرين أكثر أهمية؟

- لقد قمت بتعليم الكتابة الإبداعية في بضعة كليات، ويمكنني أن أعلم الطلاب كتابة القصة، لكن لن أتمكن من أعلمهم كيف يحكونها. فالحكي يشبه الأذن الموسيقية، إما أن تملُكها أو لا. تلك الملكة التي تخبر عن ما الذي يجب قوله وما يجب كبحه، كيف تخلق التشويق وتطور شخصيات مجسمة، وتُطوّع اللغة -أظن أنه أمر يولد المرء به. وأنا أمتلك جين الحكي الذي لا يمتلكه الجميع، ولكني لم أمتلك الكتابة. كنت أستطيع أن أحكي حكاية شفهيًا، ولكن لم أستطع كتابتها. ومع مرور الوقت، والتمرين والاجتهاد، اكتسبت المهارة، ولم يحدث أن شعرت بامتلاكها إلا مؤخرًا.

* لقد اشتغلتِ بالصحافة وكمضيفة تلفيزيونية ومديرة مدرسة قبل أن تصبحي كاتبة بعمر التاسعة والثلاثين، هل تودين الحديث حول عملية إعادة اكتشافك لذاتك؟

- لا أظنني أخذت قرارًا، فأنا لم أقل "سأصبح كاتبة". لقد حدث الأمر عندما كنت أعيش في فنزويلا كلاجئة سياسية بعد الانقلاب العسكري في تشيلي، ولم أجد وظيفة في الصحافة. وكنت أعمل في مدرسة وشعرت أن بداخلي الكثير من القصص لأرويها، ولكن لم يكن هنالك لهم مخرجٌ. وفي الثامن من يناير عام 1981 تلقينا مكالمة هاتفية تخبرنا باحتضار جدي في تشيلي، ولم يكن بإمكاني الذهاب لوداعه؛ فبدأت بكتابة رسالة له. أخبرته فيها أنني لا زلت أذكر كل شيء قد قاله لي، وقد كان هو الآخر حكاءً بارعاً. وتوفي -ولم تصله رسالتي أبدًا، ولكني استمريت في الكتابة كل ليلة في المطبخ، كل مساء بعد رجوعي من العمل، وفي خلال عام، أتممت 500 صفحة من شيء لم يكن رسالة بكل تأكيد، وأصبح رواية "بيت الأرواح". نُشر الكتاب وحصد ناجحًا باهرًا، كما مهد الطريق لكتبي الأخرى، ولكنني لم أستقل من عملي اليومي في حينها، لأنني لم أشعر أن ذلك كان عملًا، وبدا لي مثل معجزة حدثت بالصدفة.

 * وكيف حققت الشعور بالأمان في مهنتك الجديدة ككاتبة؟

- عندما كنت أحصل على تحقيقات المبيعات، وجدت كُتبي قد تُرجمت إلى 35 لغة، وتباع بسرعة مثل الكعك الطازج، فأدركت أني لو واصلت الكتابة، سأتمكن من إعالة أسرتي

* هل سبق وأن شعرتِ بأن أكثر كتبك شهرةَ حتم عليكِ حدًا أدنى من النجاح الذي تحاولين بلوغه؟

- عندما حصلت كارمن بالسييز -وكيلة أعمالي والأم الروحية لكتاباتي- على نص رواية بيت الأرواح بينما هي في إسبانيا، هاتفتني في فنزويلا، وقالت، "يمكن للجميع أن يبدع في كتابة كتابه الأول حيث يصب فيه كل ما لديه من ماضٍ وذكريات وتوقعات. أما الكاتب فيُثبت نفسه في كتابه الثاني". لذلك؛ بدأت في الثامن من يناير التالي لهذه المكالمة بكتابي الثاني؛ لأثبت لها أنه بإمكاني أن أصبح كاتبة. وبالتزامن مع إدراكي لما حصدته روايتي بيت الأشباح من نجاحٍ مدوٍ في أوروبا، كنت قد انتهيت من كتابي الثاني فعلًا. وأيضًا كل كتابٍ هو تحدٍ مستقل، له طريقة سرد مختلفة عن سواه، فقد كتبت المذكرات، والروايات التاريخية والخيالية وروايات المراهقين، حتى أنني كتبت رواية جريمة. لذلك فأنا لا أقارن أعمالي ببعضها البعض أو أقول "هل هذا العمل أفضل من بيت الأرواح أم لا؟". فكل كتاب هو طرحٌ أضعه على الطاولة ثم أرى من سيتقبله.

*تعتبر رواية باولا مذكرات حول وفاة ابنتك، وبيت الأرواح كان رسالة إلى الجد المحتضر. هل كانت هذه التجارب تساعدك على تجاوز تلك الفجائع؟

- كانت تساعد جروحي على الالتئام.

 فمثلًا، بيت الأرواح كانت محاولة لاستعادة العالم الذي فقدته في المنفى -عائلتي، بلدتي، ماضيّ، وجدي-، وأعتقد أن تلك المحاولة نجحت بالفعل، وستبقى موثقة للأبد في هذا الكتاب. وابنتي فقد كانت في غيبوبة لمدة سنة، وكنت أعتني بها في البيت، وحين ماتت، أصبح كل شيء قاتمًا. انطفئت جميع الألوان، وأصبحت أيامي كلها متشابهة. وبعد مرور شهرٍ، أعادت لي أمي 180 رسالة كنت قد أرسلتهم لها خلال ذلك العام، وبدأت الكتابة. وقد كان الأمر مريرًا، ولكن مُبرئ في الوقت نفسه، إذ مكنت نفسي من احتواء الأحداث في صفحاتٍ مكنتني من رؤية ما حولي مرة أخرى. كان أحفادي يجيئون للحياة، وكان لدي زوج يحبني، والحياة كانت حولي في كل مكان.

* تبدين مرتاحة تمامًا لفكرة كشف حياتك الشخصية للناس.

- عندما كتبت "باولا" قالت لي أمي: "لقد كتبتِ الكثير عن حياتك الحميمة، إنكِ هشة للغاية" فقلت لها: "ماما، أنا لست ضعيفة لأنني أتشارك الحقيقة مع الناس، ولكن لما أخفيه من أسرار". كما أن حياتي ليست مختلفة عن حياة غيري، فأنا لم أقم بفعل مشين لا يمكنني الإفصاح عنه، وعندما أشارك الناس شيئًا، يشاركونني هم أيضًا، فالحياة عبارة عن حكايات ومشاعر متبادلة".

*على ذكر الترجمات العديدة لكتبك، في ظنك، لماذا يوجد صدىً لأعمالك في الثقافات المختلفة؟

- دائمًا ما ينصب تركيزنا على الاختلافات -كاختلاف لون البشرة، الثقافة، اللغة، الجنسية، أو غيرها- لكن البشر يتشابهون كثيرًا فيما بينهم. الجميع يخافون الأشياء ذاتها، ويريدون نفس الأشياء. لدينا جميعًا الأعضاء ذاتها في أحشائنا، الأدمغة ذاتها، والأحلام ذاتها. لذلك فالقصة التي تدور حول التقدم في السن في سان فرانسيسكو، لها صدى في تركيا أيضًا.

* لماذا قلتِ بأنك دائمة الارتباط بالعمل؟

 - لأنني أردت الاعتماد على نفسي. من الأشياء التي شكّلتني في الحياة كانت رؤيتي لأمي في موقف الضحية. فقد كانت شابة جميلة أساءت اختيار شريك حياتها، وأنجبت ثلاثة أطفال في أربعة أعوام، وبعدها تخلى عنها والدي، مما اضطرها للعيش في منزل جدي. ولم تكن أمي قد تحصلت على تعليم جيد ولم تكن لديها مهارة ما، فاعتمدت بالكامل على والدها. أنا أحب أمي جدًا، واعتدنا على أن نكون مقربتين جدًا طوال حياتي، لكني لم أحب أن أكون مثلها أبدًا. كما أني لست محبة للجلوس في المنزل. كنت أحتاج للخروج إلى العالم واستكشافه، ووثقت في تربية حماتي والجدة لطفلي الذين عشقتهما.

* قمتِ أنتِ وزوجك السابق بمحاولة كتابة رواية جريمة سويًا، كيف انتهى الأمر؟

- كانت هذه فكرة وكيلة أعمالي، وكان الأمر ضربًا من المحال! فهو يكتب بالإنجليزية، وأنا أكتب بالإسبانية. تركيزه لا يستمر لأكثر من 11 دقيقة، بينما يمكنني الكتابة لمدة 11 ساعة متواصلة، وأنا أقوم بالبحث، على عكسه. لذلك فالأمر انتهى بكتابتي لرواية "لعبة السفاح"، وكتابته لروايته الخامسة.

* هل عدم مشاركتك في العمل على الفيلم المقتبس عن روايتك "بيت الأرواح" كان أمرًا صعبًا؟ 

- أفضل عدم المشاركة بالأعمال السينمائية أو المسرحية أو الأوبرالية، فهذا الوسط يختلف عن الوسط الكتابي، ويخرج منتجًا مختلفًا تمامًا لا أعرف عنه شيئًا. وبالنسبة لي، فأنا لا أحب أن يراقبني أحد أثناء الكتابة، فلماذا إذًا أراقب عمل المخرج؟ فبعد بيع الحقوق بنقود ليست بالكثيرة، تتركهم يفعلون ما يحلو لهم. وأنا بعدما بعت حقوق بيت الأرواح، كتبت عقدًا بأنني أريد المخرج الدنماركي، بيل أوغست، أن يقوم بإخراج الفيلم، فقد شاهدت فيلمه "بيل الفاتح" وأحببته. وبالفعل، قام بإخراج الفيلم، لكن المنتجين كانوا ألمان، والممثلين من متحدثي الإنجليزية. لم يكن الفيلم يحتوي على تشيلي فعلًا لأنه صُور في أوروبا.، لكن بالرغم من ذلك، أظن أن الفيلم خرج بصورة جيدة.

* هل ما زلتِ تفكرين في قرار التقاعد كما أعلنت عام 2011؟

-لقد كانت فترة عصيبة؛ وكنت مرهقة بشدة. لقد قمت بالكثير من الأسفار، وجميع أصدقائي كانوا يتقاعدون في هذه الفترة ويحظون بحياة رائعة، فحدثتُ نفسي "لمَ لا أقوم بذلك أيضًا؟"، أما الآن، فأعرف أنه لا يمكنني التقاعد، لماذا أتقاعد وأنا أحب ما أفعله؟ ومهنتي لا تقتضي عمرًا صغيرًا أو هيئة ما. كل ما علي هو الحفاظ على عقلي جيدًا.

* هل ترين نفسك مثالًا أو قدوة لغيرك من النساء العاملات؟

-لا، لكن الناس، وخصوصًا الشابات، يقلن أن شخصياتي الروائية ألهمتهن؛ لأنهن نساء قويات ومستقلات تجاوزن مصاعبًا شديدة، ولديهن حياة خاصة.

* وهل لديك أنتِ أي قدوة؟

- النساء الرائعات اللاتي تدعمهن مؤسستنا. فمثلًا، هؤلاء النساء من الكونغو اللاتي تعرضن للاغتصاب وفقدن قدرتهن على المشي، ثم أصبحن شخصيات قيادية في مجتمعاتهن، والفتيات الصغيرات اللاتي تم بيعهن لبيوت الدعارة، وبطريقة ما استطعن الهرب. هؤلاء قدوتي.

* تمثل عائلتك في تشيلي مكانة سياسية بارزة، فهل فكرت في خوض تجربة العمل السياسي من قبل؟

-لا. قريبتي التي تحمل نفس اسمي "إيزابيل أليندي"  هي السياسية في عائلتنا، لست أنا. أنا لم أخلق لمثل هذه الأعمال، فأنا كاتبة. أحب أن أكون هادئة ومنعزلة، وأخلق قصصي في رأسي وقلبي. لا يمكنني أن أنخرط في التسويات السياسية والتعامل مع السياسيين. هل جننتِ؟ هذا مستحيل.

.......

*لقاء جريدة هارفارد بيزنس ريفيو مع الروائية التشيلية الكبيرة إيزابيل الليندي ـ 2016