wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

السبت, 15 يوليو 2017 18:27

مختارات شعرية من ناظم حكمت

كتبه

ترجمة: رشيد وحتي

1. سيرة ذاتية

ولدت في 1902. لم أعد قط لمسقط رأسي. لا أحب العودات. في سن الثالثة امتهنت، بحلب، أن أكون حفيدا لباشا؛ في التاسعة عشرة، طالبا في الجامعة الشيوعية لموسكو؛ في التاسعة والأربعين، بموسكو، ضيفا على اللجنة المركزية؛ ومنذ سنتي الرابعة عشرة، أمارس مهنة الشاعر.. ثمة أناس يعرفون كل أنواع النباتات؛ آخرون، أنواع الأسماك؛ أما أنا، فأنواع الفراقات.

ثمة أناس عد أسماء الأنجم عن ظهر قلب؛ أما أنا، فأسماء الحنين. نمت في معتقلات، وفي فنادق فخمة أيضا. عرفت الجوع، والإضراب عن الطعام أيضا؛ وليس ثمة مأكل لم أذقه. في سن الثلاثين، أرادوا شنقي. وفي الثامنة والأربعين، أرادوا منحي الجائزة العالمية للسلام، ومنحوني إياها. سنة بلوغي السادسة والثلاثين، قطعت في ستة أشهر أربعة أمتار مربعة من الخرسانة. في سنتي التاسعة والخمسين، حمت من پراغ إلى هاڤانا خلال ثماني عشرة ساعة. لم أصب، لحد الساعة، بأي سرطان، ولست مجبرا على أن أصاب به. لن أكون رئيس وزراء، ألخ. لا أطيق بتاتا مثل هذا العمل. لم أخض حربا، ولم أنزل أيضا، في عز الليل، إلى ملجأ، ولا وجدت نفسي على الطرقات تحت حوم طائرات تنزل شاقوليا. لكن، مع دنو سن الستين، وقعت في الحب.

كي أوجز، أي رفاقي، اليوم في برلين، رغم أن الحزن يعتصرني، بوسعي القول إني عشت كإنسان، لكن ما تبقى لي عيشه، وما قد يقع لي، من يدري؟

برلين الشرقية، 11.09.1961

 

2. أنا إنسان..

أنا إنسان. أنا حكمت، شاعر تركي أنا. جذوة، من إخمصي قدمي حتى قنة رأسي، أنا. كفاح، ولا شيء سوى الأمل، أنا.

 

3. پروميثيوس، غليوننا، الوردة، البلبل، ألخ.

ليس لنا، على قفا قلوبنا، شعر طويل متجعد يلمع بالدهون. لم يعد لنا من مكان في الحشا ليشمل الوردة، البلبل، الروح، ضوء القمر، ألخ. ولحد الساعة، نحن نهزأ بشؤون القلب. لك، بهناء، أن تودعنا زوجتك. نحشو في غليوننا، في ما يشبه تبغا قطع بشكل سيء، صرخات بروميثيوس. كتفا لكتف، مع برج الحريق، نبحث في الآفاق الضاربة للحمرة عن عيون تتقد نارا.

1929

 

4. العملاق ذو العينين الزرقاوين

كان عملاقا ذا عينين زرقاوين. أحب امرأة صغيرة كانت تحلم ببيت صغير بحديقة تحوي ياسمينا بريا لألاء.

كان العملاق يحبها على طريقة العمالقة. ولم تكن يداه المشكلة من أجل الأشغال الكبيرة لتشيد الجدران ولا لدق جرس البيت الذي كانت ستكون له حديقة تحوي ياسمينا بريا لألاء أبدا.

كان عملاقا ذا عينين زرقاوين. أحب امرأة صغيرة. ضجرت الحلوة سريعا. على درب العملاق الواسع تعطشت للرفاه. وداعا — قالت للعينين الزرقاوين — لتتأبط ذراع قزم غني أولجها بيتا بحديقة تحوي ياسمينا بريا لألاء.

وعى العملاق الآن أن حب العمالقة لا يمكن أبدا أن يدفن في البيت ذي الياسمين البري اللألاء.

1933

 

5. كما كرم

الهواء ثقيل كالرصاص. أصرخ وأصرخ وأصرخ. إلي أسرعوا، أتوسلكم أن أذيبوا الرصاص. يقول لي: ستصطلي بصوتك وستستحيل رمادا، كما كرم (1) ستحترق. يا لكثرة الرزايا وندرة الخلان. أذن القلوب صماء. الهواء ثقيل كالرصاص. وأنا أقول له: — فلأحترق، فلأستحل رمادا، كما كرم. إن لم أحترق، أنا؛ إن لم تحترق، أنت؛ إن لم نحترق، نحن؛ فكيف للعتمات أن تقودنا نحو الضياء.. الهواء ثقيل بالوعود، كما الأرض. الهواء ثقيل كالرصاص. أصرخ وأصرخ وأصرخ. إلي أسرعوا، أتوسلكم أن أذيبوا الرصاص.

...

أيار 1934

(1) آصلي وكرم أسطورة تركمانية تقول: إن كرم جاهد سنين طويلة حتى يلتقي بحبيبته آصلي. وأخيرا ينال بغيته. لكن والد الفتاة المخادع جهز ابنته بثوب سحري. وحين انفرد العاشقان في ليلة زفافهما بدأ كرم بفتح أزرار ثوب حبيبته، ولما انتهى إلى الزر الأخير عادت الأزرار ثانية إلى الانشداد مرة أخرى. وهكذا يستمر الحال حتى الصباح، حيث يحترق كرم من فرط عشقه.

 

6. إحساس غريب

«شجرة الخوخ الدمشقي مزهرة، — شجرة الـمشمش أول ما يزهر، الخوخ الدمشقي أخير —

أي حبيبتي، على العشب فلنضع ركبنا، وجها لوجه. الهواء صحو ولذيذ — لكن الحرارة ليست مفرطة بعد — لحاء شجرة اللوز الخضراء الكاسية زغبا لم يصر قاسيا بعد.. فرحان نحن لأننا ما زلنا على قيد الحياة. كنا متنا منذ زمن، لو كنت في لندن، وأنا في طبرق أو على متن سفينة شحن إنجليزية..

أي حبيبتي، ضعي يديك على ركبتيك — معصماك بضان، أبيضان — راحة اليد اليسرى مبسوطة: ألق الشمس في راحة يدك كمشمشة.. من بين قتلى الضربة الجوية أمس، مئة كانت لا تتجاوز أعمارهم السنين الخمس، وأربع وعشرون كانوا بعد رضعا..

أي حبيبتي، أحب لون حب الرمان — حب الرمان، حب الألق — من الشمام، أحب الضوع؛ من الخوخ، أحب الـمز..»

.. .. في يوم ماطر، بعيدا عن الثمار، بعيدا عنك — لا شجرة مزهرة، ولربما سيساقط الثلج — في سجن بورصة، فريسة لإحساس غريب وغضب رهيب، هاته الأبيات أكتبها مع وضد كل شيء، ازدراء لذاتي، ولـمن أحب.

7 شباط 1941

 

7. أنشودة الـمنتشين بشرب الشمس

إنها أنشودة، أنشودة الذين يشربون الشمس في أزاهيـر الأرض. إنها خصلة من الشعر، خصلة شعر ملتهبة، تتجعد وتحتـرق كشعلة حمراء دامية فوق الجباه السمراء لأبطال عراة نحاسيي الأقدام. لقد رأيت، أنا، هؤلاء الأبطال؛ واحتضنت كذلك تلك الخصلة. لقد عبرت معهم الجسر الذاهب إلى الشمس، وشربت كذلك من أزاهيـر الأرض، وغنيت تلك الأنشودة. لقد استمدت قلوبنا نبضها من الأرض. لقد نفضنا غبار الكسل ممزقين أفواه الأسود ذات الأعراف الذهبية، وثبنا وامتطينا الرياح البارقة. النسور تنطلق من صخرة لصخرة، تخفق في الضياء بأجنحتها المذهبة. الجنود بأياديهم الملتهبة يضربون بالسياط خيولهم الجامحة.

ثمة غزو، غزو للشمس. فلسوف نأخذ الشمس عنوة. لقد بات الاستيلاء على الشمس وشيكا. لقد ولدنا من التراب، من النار، من الماء ومن الحديد. ونساؤنا يرضعن أطفالنا الشمس. ولحانا النحاسية تفوح برائحة التراب. سعادتنا حارة، حارة كالدم، حارة بقدر تلك اللحظة التي تتوهج في أحلام الشباب. نحن نرتفع على رؤوس موتانا، أولئك الذين علقت أطراف سلالمهم بالنجوم، نرتفع صوب الشمس. إن موتانا الذين سقطوا قد دفنوا في الشمس. ولا وقت لدينا لنقيم لهم المأتم. فهناك غزو، غزو للشمس! ولسوف نأخذ الشمس عنوة. لقد بات الاستيلاء على الشمس وشيكا. والبساتين تتصاعد من عناقيد عنبها الأحمر أبخرة الدم. ويلتف الدخان متجمعا حول المداخن الحجرية الكثيفة. لقد صرخ هذا الصوت القائد الآمر. قوة هذا الصوت، هذه القوة هي التي تضرب ستارا على عيون الذئاب الجريحة الجائعة، هذه القوة .. هي التي توقفها حيث هي. فلتأمر، فلتأمر لنمت. نحن نشرب الشمس في صوتك، ويهدر. أنا أهدر. فالفرسان الذين تختـرق رماحهم ستر الدخان للآفاق المحترقة يركضون. فهناك غزو. ولسوف نأخذ الشمس عنوة. ولقد بات الاستيلاء على الشمس وشيكا. الأرض نحاس. والسماء نحاس. فلنصرخ! هيا حطم واصرخ بأنشودة الذين يشربون الشمس.

8. 20 نوڤمبر 1945

ولو أن بضع قرنفلات أزهرن في الأصص، فإن أراضي الخريف في السهول محروثة منذ أمد طويل. تبذر البزرات ويقطف الزيتون. من جهة نلج فصل الشتاء، ومن أخرى نعد الـمهاد لشتائل الربيع. وأنا، الـمترع بغيابك، محملا بلا اصطبار الأسفار الطويلة، أنتظر هنا بسجن بورصة كسفينة شحن أرخت مرساتها.

 

9. في خمسة أسطر

من التهويدات التي تنشدها الأمهات إلى الأخبار التي يقرأها الـمذيع، لنا أن نهزم البهتان أينما كان: في القلب، في الكتاب، في الشارع. يا للسعادة الخارقة في الإدراك. إدراك ما يمضي وما يأتي.

1946

 

10. حسود

أي حسود أنت، في هذا الوضع. كيف لك أن تغار من الطير لأنه يحوم مفردا جناحيه؟ أحقا تموت، أنت، من الحسد، ناهيك عن حلمك بأنك حر كالريح، لكن أن ترغب في أن تصير ماء رقراقا.. أي حسود أنت، في هذا الوضع. ألا يكفيك أن تكون شاعرا لتأسف على عدم كونك حبة قمح..

1947

 

11. حنين عظيم

السفر يتم على سفينة شحن للفحم، وهل من ميناء لم نتعارك فيه بعد؟ وهل من شجن لم ننشده بعد؟ والأفق الذي نرمقه كل صباح ألا يتم تجاوزه كل مساء؟ والنجوم الـملامسة للبحر ألم تأفل؟ وفي كل صباح مع الفجر، أليس بريق الحنين العظيم هو ما يتلألأ فوق سطح الـماء الجاري؟ ونحن ننطلق، رغم ذلك، نحوها؛ أليس كذلك، ننطلق نحوها.

1948

 

12. هُوَ ذَا

ها أنا في الْوَضَحِ الْيَتَقَدَّمُ. يداي مترعتان بالرغبة. العالم بَهِـيٌّ. عيناي لا تكلان من رؤية الأشجار. الأشجار الشديدة الخضرة، الأشجار المترعة بالأمل. مسلك يختـرق أشجار التوت. أنا عند نافذة غرفة التمريض. لا أشتم رائحة الأدوية. لعل أزهار القرنفل تفتحت في مكان ما. أن تكون أسيرا، ليست تلك المسألة. أن لا تستسلم، هي تلك المسألة.

1948

 

13. الجوزة

مشبع أنا بالبحر وفوق رأسي تزبد الغيمات. في حديقة كُـلهاني، ها أنا جوزة، جوزة عجوز مقلمة، والجسد متـرع بالندبات. لا أحد يعرف ذلك، لا أنت ولا حتـى الشرطة. في حديقة كُـلهاني، ها أنا جوزة. وكل أوراقي ترتعص كما الأسماك في أعماق الماء. وكما مناديل الحرير أوراقي تدعك رعشاتها. انتزعيها، أي حبيبتـي، لتكفكفي دمعك. بيد أن أوراقي، ما هي إلا أيدي، لي بالضبط مئة ألف يد. بمئة ألف يد ألامس وألامس إسطنبول. أما أوراقي فهي عيوني، حيث أرى منبهرا. بمئة ألف عين أتأملك وإسطنبول. فتخفق وتخفق أوراقي كمئة ألف فؤاد. في حديقة كُـلهاني، ها أنا جوزة. لا أحد يعرف ذلك، لا أنت ولا حتى الشرطة.

01.07.1957

 

14. أمطار صيف

كمتزوجة فتية ذات خصلات شعر شقراء، كخويطات فضة وقشات صغيرة، تتلألأ في الشمس الأمطار. هدأة القراميد البليلة تغشاني شيئا فشيئا: أنا أنتظر.

ڤرسوڤيا، 19.01.1958

 

15. بصدد قماشة لعابدين دينو: ”الـمسيرة الطويلة“

أولاء الناس، أي دينو، قطع ضوء في اليد، إلى أين هم ذاهبون في العتمة، أولاء الناس، أي دينو؟ وأنت أيضا، وأنا أيضا، أي دينو؛ نحن من بينهم. نحن أيضا، نحن أيضا، أي دينو، رأينا السماء الزرقاء.

1958

 

16. علي، كل أبوابها موصدة..

علي، كل أبوابها موصدة. كل ستائرها مرخاة. لا مربع أزرق، ولا كمشة نجوم. أ هنا ستفاجئنا الموت؟ ألن نخرج، أي وردتي، من هذه المدينة؟

03.08.1959

 

17. استيقاظ ڤيرا

الكراسي تنام واقفة، والمائدة أيضا. ألبساط الشرقي المنسوج مضطجع على ظهره طولا. لقد ثنى تطاريزه. المرآة تنام. أهداب النوافذ مطبقة بشدة. الشرفة تنام محرنبئة بساقيها في الفراغ. المداخن تنام على السطح المقابل. أشجار الأكاسيا على الطوار بدورها. الغيمة تنام صحبة نجمتها على الصدر. في البيت وخارجا ينام الألق. استيقظتي يا وردتي.

فاستيقظت الكراسي. تسارعت من ركن لآخر. المائدة بدورها. اعتدل البساط الشرقي المنسوج في وقفته، جلس؛ انفتحت تطاريزه واحدة بعد أخرى. استيقظت المرآة كما بركة في السحر. فرجت النوافذ عيونها الواسعة الزرقاء. استيقظت الشرفة. من الفراغ سحبت ساقيها. فوق السطح المقابل انهمكت المداخن في بعث الأبخرة. على الطوار زقزقت أشجار الأكاسيا. استيقظت الغيمة. ألقت بنجمتها في غرفتنا. في البيت وخارجا استيقظ الألق. تجمع في شعرك. احتضن قدك العاري وقدميك الأبيضين.

…...

موسكو، مايو 1960