wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

نهاد زكي

نهاد زكي

كاتبة مصرية

فلسفة الأزرق عند عبد اللطيف كشيش في blue is the warmest color

 يقول حسين البرغوثي في روايته الضوء الأزرق: "يقولون في بوذية التبت: إن الأزرق هو لون أول كائن فاض عن طبيعتنا الأولى، التي لا لون ولا هيئة لها. الأزرق لون طاقة الخلق فينا."

و اللون فيزيائياً هو شكل من أشكال الضوء، واللون الأزرق يعتبر من الألوان الثلاثة الأساسية، التي يمكنك بخلطها أن تصنع جميع الألوان.

وهنا إستوقفني عبد اللطيف كشيش، وJulie Maroh بكتابها المقتبس عنه الفيلم، فاللون الأزرق المعروف بين الألوان أنه أبرد ألوان قوس قزح، كيف إستطاعوا أن يستخدموه، ليحولوه إلى لون حميمي، بل ويصرحوا بوضوح أنه أدفأ الألوان، وكأنهم يريدون للون أن يعبر عن تضاده، وكأنهم يريدون أن يحرروه من المعنى الملصوق به.
فالمتعارف عليه أن اللون الأحمر هو اللون الحميمي الأول فهو يرمز للجسد، بينما الأزرق يرمز للعقل!
إلا إنه أيضاً لون الروح الفضفاضة، لون البراح، فالأزرق عبر عنه كريستوف كيسلوفيسكي في ثلاثيته العظيمة عن الألوان بلون الحرية والتحرر!
فهل هذا ما كان يقصده عبد اللطيف كشيش، في فيلمه
Blue is the warmest color رحلة آديل، إلى التحرر من قيود النفس!
فقد رأيتها أكثر رحلة للبحث عن الذات، فهي عين مُراقِبة، تتفتح أمامها العوالم دون أن تتورط فيها.

هكذا كانت آديل، كطفل يستكشف العالم، تلك الفتاة ذات السابعة عشر ربيعاً، تتحسس بأطراف أصابعها بواطن الرغبة، الرغبة المجردة غير المقيدة في جنس محدد.

يبدأ الفيلم بمشهد دراسي عادي بالمدرسة الثانوية التي تدرس بها آديل، الأدب الفرنسي، يقرأون نصاً يتحدث عن الحب من النظرة الأولى، و عن الجزء المفقود من القلب، عندما نضيع فرصتنا مع هذا الحب، و كان هناك سؤالاً بسيطاً تم بعد عملية القراءة، ماهو هذا الجزء المفقود؟!
لكن عجز أغلبهم عن الإجابة، لأنهم لا يعرفون حقاً هذا الجزء المفقود، ولا هذا الجزء الزائد، او الشعور بالإمتلاء و الإشباع الذي يصاحب حالة الحب.

ويبدأ الفيلم بإشاراتٍ بسيطة ضوئية للون الأزرق، لكن دون أن يتورط فيه تورط كامل، فلن نرى اللون الأزرق طاغياً للمرة الأولى، إلا عند إقتحام "إيما" لحياة آديل لأول مرة، وهي تنتظرها أمام باب مدرستها، فستشعر حينها وكأنك سكبت نقطة زرقاء على لوحة ناصعة البياض، وكأنه جرس إنذار ببدء التجربة.

ولن ترى تورطاً كاملاً للون الأزرق إلا في مشهد ممارستهم الحب للمرة الأولى، هذا المشهد الحميمي الطويل، الذي عزف به عبد اللطيف كشيش سيمفونية زرقاء جميلة، بجسدين ولونٍ واحد،  والذي إنتقده النقاد، لكن من وجهة نظري، فإن عبد اللطيف كشيش كان يريد بهذا المشهد أن يضع تفاصيل الحياة الحميمية بعاديتها بسلاستها على المشاع، ويلقيها على المُشاهد، يريد ان يحتفي بالجسد البشري، ليس فقط من خلال اللوحات والتماثيل التي ظهرت بالفيلم، بل من خلال الرسم بالأجساد البشرية، يريد أن يرينا تفاصيل الشبق كاملة والتي كانت مختفية تماماً في علاقة آديل الأولى بشاب من مدرستها،فقد ظهرت العلاقة باهتة، خالية من الألوان، ومن المشاعر.
و هنا يأتي دور القبلة التي طبعتها زميلتها بالمدرسة على شفتيها، و التي جعلت آديل تشعر برغبة، تلك الرغبة التي لم تستكشفها في تجربتها الجنسية السابقة..
لكن تلك الفتاة لم تكن تحمل من اللون الأزرق – رمز براح التجربة-  إلا القليل، ربما بعض نقاط بسيطة للون طلاء على أظافرها.
لكنها كانت كنقطة مضيئة جعلت آديل تعي لما هي مقدمة عليه بالتحديد، و لقدر إختلافها عن زميلاتها!
فهي إلى حد ما تميل إلى النساء أكثر، و لكن هذا لا يعني أنها لا تميل إلى الرجال، في الحقيقة هي لا تعرف، لا تعرف حتى أيهما تميل إليه بشكلٍ أقوى.
و هنا تبدأ آديل في مراقبة العالم التي شعرت انها ربما هي مقدمة عليه من بعيد، من خلال نظرتها المتفحصة التي نراها في مشهدي بار المثليين سواء النسائي أو الرجالى, تلك العين الفضولية التي تراقب الإرتياح الذي يبدو عليهم و عليهن و هما يعبران عن مشاعرهما بشكلٍ حسي أمام الجميع ،دون خجل او إنكار، ربما لأنهما حسما الأمر من قبل.

لكن هذا الفيلم الذي أمامنا ليس من طراز أفلام الدفاع عن حقوق المثليين، بل هو فيلم عن الحب الخالص، الحب المجرد من النوع.
وربما سيظهر لنا هذا في مشهد قبلة آديل وإيما، وهما يبتلعان الشمس في قبلة، إنه الحب يرسمه الضوء، لا الرغبة!

لكننا وفي النصف الثاني من الفيلم سنشاهد اللون الأزرق وهو ينتقل تدريجياً من إيما لآديل، ثم سنشاهده يختفي تماماً مع تداخل الخيانة، فاللقطات التي كانت تشعر فيها آديل بالوحدة عقب إنفصالها عن إيما، كانت خالية من الأزرق تماماً.
 لكنه يعود ليطغى مرة أخرى في النصف ساعة الاخيرة في لحظات لقاء آديل وإيما، وكأن اللون الأزرق كان ترمومتر لحميمية المشاعر.
 ولم يكن عبد اللطيف كشيش أول من عبر عن اللون الأزرق بشكل حميمي، فقد سبقه دايفيد لينش في فيلمه "
Blue Velvet" حيث إستخدم اللون الأزرق كرمز للغواية.
لكن عبد اللطيف كشيش لم يكن يبحث عن رمز للغواية، لكن من الممكن إنه كان يبحث عن رمز لبراح التجربة الإنسانية وإتساعها، وقد كان.

وسنلاحظ  في مشهد النهاية أن آديل كانت هي البقعة الزرقاء الوحيدة في الكادر، ربما لأنها كانت الوحيدة التي تحمل بداخلها بقايا مشاعر الأمس، أو لأنها أدركت للتو هذا الجزء المفقود من القلب، وربما لأنها كانت الشخص الوحيد الذي لم يتحقق تماماً.
فإيما كانت نموذج للشخص الذي تحقق، الشخص الواثق، الذي يعرف ما يريد وما لا يريد، في حين كانت آديل هي الشخص الذي لا يعرف وجهته القادمة، لكنه مولعاً بالتجربة.

والفيلم ينتهي  بمشهد لآديل تسير في الشارع الطويل وحيدة، لأن الرحلة مازالت مستمرة،  لأنها مازالت لا تعرف وجهتها القادمة وكأنه الطريق الذي يجب أن تسلكه كنقطة زرقاء وحيدة إلى النضج، إلى المعرفة!

فكما تعتقد الطائفة الصوفية "النقشبندية"، أن في الإنسان عدة أنفس، ولكل نفس هالة أو ضوء خاص بها، فكان لون "نفس" آديل هو الأزرق!

 

 

 

 
يقول حسين البرغوثي في روايته الضوء الأزرق: "يقولون في بوذية التبت: إن الأزرق هو لون أول كائن فاض عن طبيعتنا الأولى، التي لا لون ولا هيئة لها. الأزرق لون طاقة الخلق فينا."
و اللون فيزيائياً هو شكل من أشكال الضوء، واللون الأزرق يعتبر من الألوان الثلاثة الأساسية، التي يمكنك بخلطها أن تصنع جميع الألوان.
وهنا إستوقفني عبد اللطيف كشيش، وJulie Maroh بكتابها المقتبس عنه الفيلم، فاللون الأزرق المعروف بين الألوان أنه أبرد ألوان قوس قزح، كيف إستطاعوا أن يستخدموه، ليحولوه إلى لون حميمي، بل ويصرحوا بوضوح أنه أدفأ الألوان، وكأنهم يريدون للون أن يعبر عن تضاده، وكأنهم يريدون أن يحرروه من المعنى الملصوق به.
فالمتعارف عليه أن اللون الأحمر هو اللون الحميمي الأول فهو يرمز للجسد، بينما الأزرق يرمز للعقل!
إلا إنه أيضاً لون الروح الفضفاضة، لون البراح، فالأزرق عبر عنه كريستوف كيسلوفيسكي في ثلاثيته العظيمة عن الألوان بلون الحرية والتحرر!
فهل هذا ما كان يقصده عبد اللطيف كشيش، في فيلمه Blue is the warmest color رحلة آديل، إلى التحرر من قيود النفس!
فقد رأيتها أكثر رحلة للبحث عن الذات، فهي عين مُراقِبة، تتفتح أمامها العوالم دون أن تتورط فيها.
هكذا كانت آديل، كطفل يستكشف العالم، تلك الفتاة ذات السابعة عشر ربيعاً، تتحسس بأطراف أصابعها بواطن الرغبة، الرغبة المجردة غير المقيدة في جنس محدد.
يبدأ الفيلم بمشهد دراسي عادي بالمدرسة الثانوية التي تدرس بها آديل، الأدب الفرنسي، يقرأون نصاً يتحدث عن الحب من النظرة الأولى، و عن الجزء المفقود من القلب، عندما نضيع فرصتنا مع هذا الحب، و كان هناك سؤالاً بسيطاً تم بعد عملية القراءة، ماهو هذا الجزء المفقود؟! 
لكن عجز أغلبهم عن الإجابة، لأنهم لا يعرفون حقاً هذا الجزء المفقود، ولا هذا الجزء الزائد، او الشعور بالإمتلاء و الإشباع الذي يصاحب حالة الحب.
ويبدأ الفيلم بإشاراتٍ بسيطة ضوئية للون الأزرق، لكن دون أن يتورط فيه تورط كامل، فلن نرى اللون الأزرق طاغياً للمرة الأولى، إلا عند إقتحام "إيما" لحياة آديل لأول مرة، وهي تنتظرها أمام باب مدرستها، فستشعر حينها وكأنك سكبت نقطة زرقاء على لوحة ناصعة البياض، وكأنه جرس إنذار ببدء التجربة.
ولن ترى تورطاً كاملاً للون الأزرق إلا في مشهد ممارستهم الحب للمرة الأولى، هذا المشهد الحميمي الطويل، الذي عزف به عبد اللطيف كشيش سيمفونية زرقاء جميلة، بجسدين ولونٍ واحد،  والذي إنتقده النقاد، لكن من وجهة نظري، فإن عبد اللطيف كشيش كان يريد بهذا المشهد أن يضع تفاصيل الحياة الحميمية بعاديتها بسلاستها على المشاع، ويلقيها على المُشاهد، يريد ان يحتفي بالجسد البشري، ليس فقط من خلال اللوحات والتماثيل التي ظهرت بالفيلم، بل من خلال الرسم بالأجساد البشرية، يريد أن يرينا تفاصيل الشبق كاملة والتي كانت مختفية تماماً في علاقة آديل الأولى بشاب من مدرستها،فقد ظهرت العلاقة باهتة، خالية من الألوان، ومن المشاعر.
و هنا يأتي دور القبلة التي طبعتها زميلتها بالمدرسة على شفتيها، و التي جعلت آديل تشعر برغبة، تلك الرغبة التي لم تستكشفها في تجربتها الجنسية السابقة.. 
لكن تلك الفتاة لم تكن تحمل من اللون الأزرق – رمز براح التجربة-  إلا القليل، ربما بعض نقاط بسيطة للون طلاء على أظافرها.
لكنها كانت كنقطة مضيئة جعلت آديل تعي لما هي مقدمة عليه بالتحديد، و لقدر إختلافها عن زميلاتها!
فهي إلى حد ما تميل إلى النساء أكثر، و لكن هذا لا يعني أنها لا تميل إلى الرجال، في الحقيقة هي لا تعرف، لا تعرف حتى أيهما تميل إليه بشكلٍ أقوى.
و هنا تبدأ آديل في مراقبة العالم التي شعرت انها ربما هي مقدمة عليه من بعيد، من خلال نظرتها المتفحصة التي نراها في مشهدي بار المثليين سواء النسائي أو الرجالى, تلك العين الفضولية التي تراقب الإرتياح الذي يبدو عليهم و عليهن و هما يعبران عن مشاعرهما بشكلٍ حسي أمام الجميع ،دون خجل او إنكار، ربما لأنهما حسما الأمر من قبل.
لكن هذا الفيلم الذي أمامنا ليس من طراز أفلام الدفاع عن حقوق المثليين، بل هو فيلم عن الحب الخالص، الحب المجرد من النوع.
وربما سيظهر لنا هذا في مشهد قبلة آديل وإيما، وهما يبتلعان الشمس في قبلة، إنه الحب يرسمه الضوء، لا الرغبة!
لكننا وفي النصف الثاني من الفيلم سنشاهد اللون الأزرق وهو ينتقل تدريجياً من إيما لآديل، ثم سنشاهده يختفي تماماً مع تداخل الخيانة، فاللقطات التي كانت تشعر فيها آديل بالوحدة عقب إنفصالها عن إيما، كانت خالية من الأزرق تماماً.
 لكنه يعود ليطغى مرة أخرى في النصف ساعة الاخيرة في لحظات لقاء آديل وإيما، وكأن اللون الأزرق كان ترمومتر لحميمية المشاعر. 
 ولم يكن عبد اللطيف كشيش أول من عبر عن اللون الأزرق بشكل حميمي، فقد سبقه دايفيد لينش في فيلمه "Blue Velvet" حيث إستخدم اللون الأزرق كرمز للغواية.
لكن عبد اللطيف كشيش لم يكن يبحث عن رمز للغواية، لكن من الممكن إنه كان يبحث عن رمز لبراح التجربة الإنسانية وإتساعها، وقد كان.
وسنلاحظ  في مشهد النهاية أن آديل كانت هي البقعة الزرقاء الوحيدة في الكادر، ربما لأنها كانت الوحيدة التي تحمل بداخلها بقايا مشاعر الأمس، أو لأنها أدركت للتو هذا الجزء المفقود من القلب، وربما لأنها كانت الشخص الوحيد الذي لم يتحقق تماماً.
فإيما كانت نموذج للشخص الذي تحقق، الشخص الواثق، الذي يعرف ما يريد وما لا يريد، في حين كانت آديل هي الشخص الذي لا يعرف وجهته القادمة، لكنه مولعاً بالتجربة.
والفيلم ينتهي  بمشهد لآديل تسير في الشارع الطويل وحيدة، لأن الرحلة مازالت مستمرة،  لأنها مازالت لا تعرف وجهتها القادمة وكأنه الطريق الذي يجب أن تسلكه كنقطة زرقاء وحيدة إلى النضج، إلى المعرفة!
 
فكما تعتقد الطائفة الصوفية "النقشبندية"، أن في الإنسان عدة أنفس، ولكل نفس هالة أو ضوء خاص بها، فكان لون "نفس" آديل هو الأزرق!
 
إقرأ المزيد...

رسائل البحر مرثية للإسكندرية

يقول قسطنطين كفافيس في قصيدته "الرب يتخلى عن أنطونيو":

ومثلما يليق بك، أنت الذي كنت تملك مدينة كهذه،

اقترب من النافذة، ثابت الجنان؛

ومتأثراً، لكن دون أن ترثي لحالك،

ودون أن ترتعد كالجبان،

انصت، يالها من غبطة سامية، إلى الألحان،

إلى الأصوات العذبة للفرقة الموسيقية اللامرئية.

وَوَدِّع الإسكندرية التي تفقدها.

إقرأ المزيد...

لارس فون ترير وبيلا تار يسيران على خطان متضادان لنهاية العالم

لم تمر أسطورة حضارة المايا عن نهاية العالم عام 2012 بسلام،فبدءاً من 2011 شاهدنا العديد من الأفلام التي صنعت خصيصاً من أجل الإستفادة من بروباجندا الحدث.

لكن من بين كل الاعمال التي قدمت في 2011 /2012 عن النهاية، هناك عملان استثنائيان، هما ملحمتان للنهاية،ويبدو أن الذي أثار لارس فون ترير في "ميلانخوليا"، او بيلا تار في "حصان تورين" لم تكون أسطورة المايا ذاتها، بل فلسفة الفناء، فغزل كل منهما تصوره الخاص جداً والمتفرد عنها !

إقرأ المزيد...