wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الخميس, 07 يوليو 2016 13:07

جراند أوتيل .. عن المسافة الهامة للحلم

كتبه

أمل إدريس هارون

 أثار مسلسل "جراند أوتيل" الذي تم عرضه رمضان 2016 العديد من ردود الفعل ولفت الأنظار إليه منذ أول يوم من العرض، بداية من القصة المقتبسة عن مسلسل أسباني بنفس الاسم ، والتي خرج علينا الكاتب والسناريست تامر حبيب ليوضح لنا الأمر حول شراء حقوق الاقتباس والتمصير، ثم بمرور الأيام حصد المسلسل الإعجاب والتقدير لصموده في الماراثون السنوي لرمضان وبلغ الأمر حداً بلغ الافتنان بالحالة التي سببها المسلسل، وتفاعل الجمهور مع أبطاله وقلقوا عليهم أو حزنوا لألمهم وأعجبوا بجبروت بعضهم ، بل وتوعدوا الكاتب لو مس أحدهم شر ما.

غالباً ما يثار سؤال حول صمود مسلسل ما وتفوقه وسر خلطته للتقدم وسط سباق محموم ما بين مسلسلات تفصل حرفيا لأبطال بعينهم في محاولة لإبقاء "ديناصوارت الفن" في الصدارة  أو مسلسل مبذول به جهد واضح يبحث عن أبطاله الذين يجسدوه ويكسروا به الدنيا.

تأمل الدراما ونجاحها أو فشلها يعد مفتاحاً مهماً لفهم تطلعات الجمهور ونوعيته وما يمثل إحباطاته وقد يعبر عن حراك إجتماعي أوخلخلة أكبر في بنية المجتمع مثلما فعل مسلسل "الراية البيضا" في تسعينات القرن الماضي ولمعت الفنانة القديرة الارستقراطية تعريفاً سناء جميل في دور جسد طبقة "النوفو ريش" أو الأغنياء الجدد الذي صعدتهم بسرعة الصاروخ إلى قمة الهرم الاجتماعي سياسة الانفتاح الاقتصادي.

في ظني امتلك مسلسل (جراند أوتيل) مفتاحين مهمين لنجاحه وخلق حالة الافتنان به ، وذلك من بين مفاتيح فنية قوية تتعلق بالإخراج والتمثيل والديكور والصورة ، الأول هو المسافة والثاني هو التجاوز.

أما عن المسافة فكانت من واقع حالي متشابك ومعقد به شروخ اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة، يصاحبه إيقاع غير واضح للحياة ومآلاتها بأعين شبابها، المسافة من مركزية المدينة التي لا مفر منها ، أي القاهرة القاهرة فعلاً، ومسافة من لغة متسارعة "مقطوشة" على الدوام ، سريعة ومحملة بتبطينات وتلميحات مبهمة ومغلقة وغير مريحة ولا أعر ف إن كانت تؤدي إلى التواصل كما هي وظيفة اللغة أو بالعكس إلى نفيها ، مسافة مما نقابل بالشوارع كل يوم ونعود به للبيت ، هذا الفراغ والقبح والجدارن.

أخدنا المسلسل إلى مدينة أخرى وجعلها مستأنسة ورائقة ، معروفة الاتجاهات وفي خلفيتها النيل، بلا ضوضاء ، مدينة طيبة لها إيقاع هادئ نلتقط فيه الأنفاس ، يمشي بها الجميع على مهل ، صحوة ، صافية ، مستقرة . مسافة جغرافية مهمة من المدينة المركز مع تواجد كل وسائل رفاهيتها.

أخذنا المسلسل إلى حقبة أخرى 1950 ولا دلالة لهذا التاريخ سوى المسافة من 2016، لإبعادنا عن الاشتباك الحالي ، الذي له إيقاع متسارع ومسدود في نفس الوقت ، ماذا كانت عليه مصر عام 1950، ليس هذا الشيء المهم ، المهم هذه المسافة التي ستخلق فيها القصة بعيداً عن الانسحاق اليومي بعيدا عن مدى الذاكرة القريبة أو البعيدة لمعظم المشاهدين ، حالة خارج الزمن وخارج شبكة العلاقات المتورطين فيها وبها.

أخذنا المسلسل إلى لغة أخرى لا تقترب كثيراً من مصر بالخمسينيات إلا بقدر بسيط موزون وإلا كان التوحد مع الحالة مستحيلاً ، كان من المهم أن تكون اللغة صافية رائقة ولها تبطينات مبتكرة تسيل بلا عراقيل ، مثل قصيدة مكثفة تترك الأثر غامضاً وقوياً وسلساً داخل الروح وتفتح أفقاً على جمالِ ما بلا مبالغة، اللغة كانت الأقرب للروح باتخاذها المسافة من اللغة اليومية الفارغة السامة التي هي محض ضوضاء.

أما عن التجاوز فكان في ذلك الاشتباك المعقد داخل كل شخصية ، لا أحد طيب تماماً ولا أحد شرير تماماً، تعاطفنا مع قسمت ومراد كما أحبطتنا جريمتا علي وضحى ، صدقنا للحظة أن ورد ربما ترضى بوضعها مع أمين، الست سكينة تلك الحادة الصارمة كحرف الألف التي تتحول بنعومة لتلك الكسيرة المحبة لابنها ، حب أمين النادر ، دموعه وفرحه ، ضخامته ورقته ، هذا التجاوز في ثراء وتعقيد الشخصيات لم تتصدر له انفعالية لغوية ذات نبرة عالية ، بقدر ما ترجمت اللغة ذلك الثراء في مبارازات حوارية جمالية ، صافية وراقية ، ونافذة في قفلاتها ، تماماً مثل الشعر ، ليس الهدف منها تأسيس لمسار عقلاني للأحداث بقدر ما تؤسس لجمال خاطف.

التجاوز كان في تمسك كل طرف بموقفه وتبريره بشكل من الصعب عدم التعاطف معه وجعلنا بشكل مباشر طرفاً نفكر ونحكم ونحتكم إلى مجريات الأحداث ، من لا يتعاطف مع خذلان أدهم لقسمت رغم تبنيها لحلمه؟ من لا يتعاطف مع الحب غير المفهوم لمراد أو أمين نحو نازلي وورد عندما ننظر بعين مجربة للحياة ، الحقيقة أن هذه الشخصيات تقترب جداً من الواقعية لحياتنا الأنتيم، رغم الحالة الصورية  واللغوية المبهرة . من منا لا يقبض على قسمت وعلي وأمين معاً بداخله؟؟

في ظني لا يجب الحكم على الأحداث من منطلق علي الذي تزوج ابنة الباشوات بقدر ما يجب تأمل الحالة العامة الجمالية التي خلقها المسلسل ، فبرغم سخونة أحداثه وتشابك الخيوط بين الشخصيات ، إلا أن المسافة/المساحة كانت حاضرة بقوة ، مسافة/مساحة يتأنى فيه الجسد للتحرك وامتلاك الفراغ والكادر، الأجساد بمعناها الجمالي في حالة حركة تترجم معان إنسانية أعمق من فكرتنا المسطحة عن الجسد الذي يجب أن يمارس سلطة أو يكون محل انتهاك في مشهد يومي يختزل علاقتنا به، مسافة/مساحة للنظرة والإيماءة ، لوحات متتالية خلقت حالة جمالية ملفتة ومبهرة ، تناغم وسيولة في المجمل ، حبكة قوية ، صورة بصرية طاغية الجمال وساحقة للقبح الذي تخلفه فينا المدينة برمزيتها ومركزيتها.

تحية لعمل مختلف وجميل وممتع ومتأن ، هدفه الأسمى الجمال ، صاحب السطوة الحسنة على النفوس المتعبة ، الذي يتيح لها مساحة هامة للحلم بكل جنونه المشروع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 شاعرة وناقدة مصرية