wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الجمعة, 24 يونيو 2016 20:11

على إيقاع الأنتونوف ... أسئلة الذات والآخر

كتبه

أريج جمال

اختارت سينما زاوية بوسط البلد، أن تعرض فيلمين من برنامج "السينما العربية تدخل الحرب الأهلية"، الذي كان المعهد الفرنسي بالقاهرة، قد احتضن عروض أفلامه المُنتمية إلى الوثائقي قبل أيام، الفعالية كانت برنامج ضمن مشروع موقع ترسو الذي سيتم إطلاقه قريبًا، وسيكون متخصصًا في نشر دارسات عن الأفلام، ومواد دراسية عن السينما، ومدوّنة عن صناعة الفن السابع، البرنامج قدمه محمد فتحي كلفت.

الفيلمان الذي وقع الاختيار على عرضهما جماهيريًا من الفعالية، هُما "الوطن : العراق سنة صفر"، من إخراج عباس فاضل، ويستغرق زمن عرضه ما يقارب الست ساعات، والفيلم الثاني هو "على إيقاع الأنتونوف"، للمخرج السوداني حجوج كوكا، وهو فيلم قصير نسبيًا يستغرق زمن عرضه ساعة وخمس دقائق تقريبًا.

حين عُرض الفيلم أولًا في المعهد الفرنسي، كانت الصالة مُمتلئة، وقد مكث المتفرجون حتى بعد نهاية العرض في انتظار المناقشة مع المخرج الذي كان حاضرًا يراقب ردود الأفعال ويرّد على الأسئلة. ربما، من النظرة الأولى قد يبدو أن الفيلم يتناول حالة خاصّة عن حرب أهليّة تجري وقائعها في ولاية بعيدة ومجهولة من السودان اسمها "النيل الأزرق"، وهي التي تُسجِّل فيها الكاميرا مشاهدها، لكن الفيلم منذ الدقائق المبكرة جدًا فيه يُفجِّر أسئلة أخرى، تتجاوز المسألة السودانية كي تخرج إلى آفاق أرحب إنسانيًا.

أهل النيل الأزرق، يتعرضون يوميًا لضربات الأنتونوف وهو نوع من القذائف تُسقطه الطائرات بشكل عشوائي على أي شيء أو شخص حظه تعيس هكذا، ما يحكيه لنا كوكا بصورة صافية تمامًا وحركة هادئة للكاميرا رغم كل هرولة للهرب، كيف أن أهل هذه المدينة يجدون مساحة في الوسط للبحث عن هويتهم، إنهم يُغنون ويرقصون أثناء القصف، وبعده وقبله، وينطلقون في البحث عن أغنيات تُعبِر عن حالاتهم الخاصّة جدًا، الذي ربما لا يستطيع الغناء العربي أن يُعبِر عنها.

تقول الباحثة الموسيقية في الفيلم أن غناء مُطربة مثل وردة مُعترَف به أكثر هنا، على الصعيد الرسمي، لمجرد أنها عربية، في الوقت الذي يتم تجاهل حفظ الأغنيات البسيطة والمُختلفة التي تُرسلها الفتيات المحليات إلى الهواء كي يُسلين أنفسهن، أثناء القصف وخارجه. يفتح الفيلم قوسًا للبحث عن هذه الأغنيات، يجعل المُتلقي يستمع لها، مثلًا أغنية تطلب فيها البنت من الأم أن ترش البيت، لأن البعوض في كل مكان، آذاها في المرة الأخيرة، وهي لا تُريد لهذا أن يتكرر.

أغنيات خارجة من قلب البيئة مُباشرة، من الأسئلة الموغلة في عُمق هذا النوع من الحياة القريب من البدائية، أكثر رفاهية مُمكنة فيه تتحقق عبر طائرات إغاثة الأمم المتحدة التي ترمي على السكان، أكل وملابس وربما أشياء أخرى. وسط هذه الأجواء كانت رحلة البحث عن هوية لشعب النيل الأزرق من الأغنيات، صاحبة الإيقاع الخاصّ جدًا، تفتح الباب على سؤال آخر أكثر صعوبة؛ علاقة السودان بالمنطقة العربية.

الإشكالية كما يقول أحد الباحثين في الفيلم أن هناك داخل كل شخص سوداني شخص عربي يوجهه، هذه القطيعة بين سكان النيل الأزرق وبين الهوية العربية على تعدد تعريفاتها، هي أيضًا إجابة مريرة، ألقاها الفيلم بين صفوف مُشاهديه في القاهرة، الثقافة العربية كما يقول المثقف السوداني في الفيلم زرعت آلهة الاضطهاد في عقول الأشخاص سُمر البشرة، "كانوا يقدموننا كعبيد"، يقول الرجل، كان من الطبيعي وفقًا لهذا الاستعلاء، أن يرغب أهل النيل الأزرق في الاستقلال النفسي عن العالم العربي.

يقول آخر "أنا مُسلم لكني لستُ عربي"، ويحكي جندي بخفة ظلّ أمام الكاميرا نكتة تقول إن المؤذن كان يرفض أن يرفع الآذان بأي لغة أخرى غير عربيّة لأن الله لن يفهمها. لكن الإجابة بالقطيعة هذه لم تكن الإجابة الوحيدة، الأسوء أن حالة ازدراء الآخر، أصبحت جزءًا من الذات السودانية، الآن الأقل سُمرة يزدري الأكثر سُمرة، العُنصرية تُعيد إنتاج نفسها.

ربما كان هذا السؤال الأخير هو الأكثر إيلامًا في الفيلم، عقب العرض تحدث كوكا عن كل التعليقات السلبية التي يسمعها في القاهرة بسبب لون بشرته، العنصرية موجودة في شكلها الأوليّ أيضًا، هذا مؤسف أكثر، لأنه لم يجعل الحرب تنتهي حتى الآن. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 قاصة وناقدة مصرية