wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

حسام مصطفى إبراهيم

حسام مصطفى إبراهيم

كاتب وصحافي مصري

صدر له:

اللحاق بآخر عربة في القطار، قصص.

جرّ شكل، ساخر.

يوميات مدرس في الأرياف، ساخر.

نعيق الغراب، نصوص ونقد.

لولا وجود الحب، أدب رسائل.

من غلبي، ساخر.

قراءة في كف الحب، إنسانيات.

بتوقيت القاهرة ـ رواية 

لديَّ الكثير جدًا لأقوله لكِ ـ رسائل 

الدَرَقة

 

عندما رفضتُ في البداية مساواتي ببقية الموظَّفين، وتحجّجت بأن وضعي مختلف، أخبرني المدير أن هذا إجراءٌ روتينيٌ، وبالطبع لن أكون مثل غيري، نظرًا لأنني أحمل رتبة "سنيور"، ومِن ثمًّ فسوف يكون لونُ سُلحفاتي مختلفًا ومميزًا.

 

لم أُرِد أن أكون الشريك المخالف على طول الخط، كما أن الإصرار الذي لمحتُه في عينيه جعلني أرضخ في النهاية، مُمنّيا النفسَ أن يكون الأمر كله نزوةً جديدةً من نزواته، لن تلبث أن تنقشع مثل غيرها!

 

جاء المهندس وأخذ مقاساتي بعناية، ثم غاب بضع ساعات، وقبل نهاية اليوم ارتفعت دقّاته المُهذّبة على باب حجرتي، ودخل بصحبة رجلين من رجاله، وتعاون الجميع على إلباسي سلحفاتي الجديدة!

 

بدا الأمر مُضحكا للوهلة الأولى، وأنا أحمل فوق ظهري هذه الدَرَقة العملاقة وأُحدّق في مرآة الحمَّام، وفكرت أن السلحفاة مسكينة حقا، لاضطرارها للمكوث فيها طوال عمرها!

 

عندما خرجتُ من الحمَّام حاولتُ أن أظل فاردًا طولي، إلا أنني فُوجئتُ بجسدي يتهاوى أرضًا -رغمًا عني- مِن ثقل الدَرَقة وإصرارها على خذلان جسدي ودفعه للانحناء، لم يكن الوضع سيئًا كما تصوّرت، فقط كان يحتاج لبعض التعوّد والمران قبل أن يصبح شيئًا طبيعيًا.

 

فكّرت أنني بحاجة الآن لتركيب حذاء في يديّ أيضًا، حتى لا تتسخا من الاحتكاك المستمر بالأرض، ربما أحتاج كذلك لتدعيم ركبتيّ بقماش إضافي، كي لا يبلى البنطلون في هذه المنطقة وحدها، وأُضطر لتغييره كل فترة!

 

الجميل في الأمر أن الدَرَقة تُغطّي وسطي كله، هذا يعني أنني لست في حاجة لتغيير قميصي كل يوم، وربما أستغني كذلك عن رابطة العنق السخيفة، مما سيجعلني أتحرّر أخيرًا.

 

في الطُرقة قابلت مُديري، كانت دَرَقته لامعة وبراقة ومختلفة عن درقات بقية الموظفين، طبعا فهو مليونير ولن يبخل على نفسه بكل ما هو أنيق ولافت للنظر، ألقى عليّ التحية بمودّة زائدة، وسألني عن رأيي في سُلحفاتي الجديدة، وانطلق مسرعًا على أربع قبل أن يسمع إجابتي.

 

"نشوى" كانت تبدو مثيرة للغاية في دَرَقتها وهي تتهادى أمامي على أربع، وتتعمد هز جسدها –كعادتها- لجذب انتباهي، الحقيقة أنني شعرت اليوم أنه لا مانع لديَّ على الإطلاق من الاستجابة لها، فحككت دَرَقتي في درقتها بخفّة، وأنا أُوقّع لها ورقة الإجازة، على وعد بما هو أكثر في الأيام القادمة.

 

في الشارع، ابتعتُ سجائر ولبانا من السوبرماركت القريب، وجدتُ صعوبة في إخراج النقود، فمدّ البائع الملول يده في جيبي وأخذ عشرين جنيها، وضعها في الكاشير وأعاد لي ملاليم قليلة.

 

 استوقفت تاكسيًا، وصعدتُ للمقعد الخلفي في تؤدة، ورقدت على يديّ وركبتيّ مُقوّسا ظهري لأعلى، وهو ما أثار ضيق السائق لأنه منعه من استضافة راكب آخر إلى جواري ومضاعفة أُجرته، فأخذ يسابق السيارات في تهوّر أملاً في الانتهاء من مشواري سريعا لتعويض خسارته!

 

استجابتْ زوجتي لركلاتي العديدة على باب الشقة، بعد أن أصبح الجرس عاليًا للغاية ولا يمكنني استخدامه، نظرتْ نحوي لثوانٍ قبل أن تقول لي "الأكل على السفرة"، وتعاود وضع سماعات الموبايل في أذنيها وتختفي في أعماق الشقة.

 

عافتْ نفسي اللحم والخضار المطبوخ الذي وجدته على المائدة، وسعيتُ نحو الثلاجة، فانتقيتُ لنفسي بضع حبّات من الخيار والجزر والطماطم، لم أُطق صبرًا حتى أغسلها، فأكلتها في نهم كما هي، بينما أسير نحو غرفتي.

 

بعد محاولاتٍ عديدة واختبار عدة أوضاع، لم يُرحني الفِراش، فهبطتُ على الأرض، ورقدتُ على بطني، واستمتعتُ بفرد طولي لآخره، قبل أن أدرك أنه بإمكاني سحب رأسي وقدميّ ليكونا معي داخل الدَرَقة، كان شعورًا رائعًا وأنا أتكوّر بكاملي داخل الدَرَقة وأشعر بالاحتواء والدفء، فنمت نومًا عميقًا لم أجرّبه منذ سنوات!

 

بعد يومين أو ثلاثة لم أعد أشعر أنني أحمل شيئًا على ظهري، أصبح الأمر عاديًا لدرجة لا تكاد تُلحظ، وفي اليوم الذي صرخ فيه مديري في وجهي وجدتُ نفسي أسحب رأسي فجأة وأختفي به داخل الدَرَقة، مما جعل سُبَابه يتجاوزني مسرعا ويرتطم بالحائط خلفي فيسقط متكسِّرا على الأرض دون أن يطالني.

 

وفي المرة التي استوقفني فيها البلطجي عصبي المزاج، في عز النهار والبشر سادرون من حولي، وطالبني بإخراج ما معي، تكوَّرت فجأة بكاملي داخل الدَرَقة، وتركته واقفًا مثل الأهبل يتحايل عليّ حتى أخرج لكي يسرقني.

 

ومنذ يومين أخبرت زوجتي أنها لا بدَّ أن تُركِّب دَرَقة هي الأخرى، وصارحتها أنها لم تعد تُثيرني بمظهرها المشوَّه هذا، وأن العِشرة وحدها هي التي تفرض عليّ تنبيهها لعيوبها حتى تُصلحها، فلا أجد نفسي مُضطّرًا لهجرها، أو الارتباط بغيرها، خاصة –وهذا ما لم أقله لها- أن علاقتي بـ"نشوى" أصبحت أكثر حميمية هذه الأيام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

من مجموعة "أسود لامع بطريقة غادرة" يصدر عن دار دلتا ـ معرض الكتاب 2018

إقرأ المزيد...

المُرهَف

حسام مصطفى إبراهيم

التقيت محمد خير لأول مرة، في جريدة الدستور القديمة، أيام كنت أُحرّر صفحة "في الغميق"، بصحبة محمد هشام عبيه ونانسي حبيب وشادي عيسى ومحمد فوزي وعبد الله أحمد، رفاق الزمن الجميل، لم أكن قد قرأت له شيئًا بعد، وإن لاحظت هدوءه وابتسامته المريحة، وتواضعه الجمّ.

إقرأ المزيد...

ياسر عبد اللطيف.. ولا أحد سواه

حسام مصطفى إبراهيم

قرأتُ ياسر عبد اللطيف على "كَبر"، فلم أكن محظوظًا كفاية لأعرفه قبل مجيئي القاهرة، ولا بعد استقراري فيها مباشرة.

الحكاية بدأت برسالة من الناشرة الخلوق كرم يوسف، توكل إليّ مهمة التدقيق اللغوي لكتاب "في الإقامة والترحال" لياسر عبد اللطيف، بالطبع كنتُ أعرفه قبلها، وقرأتُ له مقتطفاتٍ عابرة، لكني لم أكن قد سمحتُ لنفسي بعد، بالإبحار في عوالمه السردية والإبداعية.

إقرأ المزيد...