wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

أحمد عبد المنعم

أحمد عبد المنعم

روائي مصري

صدر له:

رائحة مولانا ـ رواية

في مواجهة شون كونري ـ قصص

بائع الأحلام

-1-

  جررت قدمى بصندلها الملون ببطء وتعثر, جررتها نحوه, اصطدمت بحجر صغير, كادت ركبتى أن تنجرح تحت حدود (شورتى) الصيفى الأسود. كانت الشمس تتهادى نحو مغيبها بنفس بطء خطواتى, بينما ظل الرجل العجوز الأشيب جالسا القرفصاء على ناصية الشارع مرتديا جلبابه الأبيض المحافظ على لمعانه رغم اتساخ الرصيف القذر, كذلك تزين صدره ورقبته مجموعة من الجواهر التى فقدت بريقها, وسلاسل أثرية متربة.

  توقفت ساقى عن الحركة على بعد خطوتين من جسده الهزيل وأبت أن تتقدم إلى الأمام, شاركت حنجرتى بالعصيان فامتنعت عن إصدار أية كلمة أو صوت, انتبه إلىّ ومد بصره نحوى وقال بصوت متحشرج عميق : ماذا تريد ؟

-2-

  اشتريت منه حلمى الأول. بعد أن عكفت طيلة أسابيع طويلة ماضية على دس مصروفى اليومى بحصالتى الصفراء ذات الباب البنى الضيق, ذهبت إليه وطلبت منه حلما بطوليا يناسب عمرى, وأضفت بعد أن تلجلجت أننى أريد أن تكون (ميس دينا) بالحلم, أريدها أن تعجب بىّ, ثم سكت قليلا وقلت أننى أحب الألوان الزاهية. أعطانى الحلم فأدرت له ظهرى ووقفت للحظة مترددا ثم التفت إليه مجددا وسألته عن حلم أكون به إحدى سلاحف النينجا, ابتسم دون أن تتحرك شفتاه! فتشجعت وطلبت منه أن أكون بدور ليوناردو ذى القناع الأزرق والسيف الحاد. أخذت حلمى وعدوت نحو منزلنا, قفزت من فوق الحجر الذى كاد أن يصيب ركبتى منذ قليل. فتحت لى أمى الباب وسألتنى عن الآيس كريم الذى ادعيت أننى ذاهب لشرائه, أجبت دون أن أنظر إلى عينيها أننى لم أجد نوعى المفضل, ربتت على كتفى وقالت أنها ستجلبه لى وهى عائدة من عملها غدا. هززت رأسى ودلفت إلى حجرتى, دسست حلمى داخل عينىّ, اغلقتهما بحرص واتقان كما أمرنى الرجل العجوز, زررت عينىّ ثم نمت على ظهرى خوفا من وقوع الحلم خارجهما.

  حلمت حلمى الأول, طاردت لصا وخطفت الحقيبة من بين يديه, ضربته حتى خر على الأرض أمامى وعدت بخطوات واثقة لأعطى الحقيبة لميس دينا, التى وقفت أمامى مبتسمة ابتسامتها الساحرة إياها, انحنت قليلا, ضمت وجهى بين يديها الحانيتين وقبلتنى على خدى, فصحوت شاعرا بأثر قبلتها الرقيقة وبملمس شفتيها الرطب, قفزت من السرير وتوجهت نحو المرآة, نظرت إلى خدودى جيدا باحثا عن أثر روجها الأحمر الداكن على جلدى الأبيض الناعم.

-3-

   منذ أن وعيت على الدنيا – وكان هذا منذ زمن بعيد يصل إلى السبع سنين – وهذا الرجل العجوز يجلس على ناصية شارعنا بجلبابه الأبيض الناصع, لا يتسخ جلبابه أبدا ولا يتحرك هو من مكانه, يأتيه طلبة المدارس الأكبر منى سنا أثناء عودتهم من مدارسهم, يقفون معه بضع دقائق فتلمع عيونهم بالنشوة والابتهاج حتى يخرجوا من عنده والابتسامات تحتل وجوههم, كذلك طلبة الجامعات, اما الفتيات فكانت خدودهن تتورد ويسرعن ويهرولن فى طريقهن منه وإليه. قلما توقف عنده رجل عجوز ممن فى سن أبى, فقد أتم أبى الأربعين عاما منذ أسبوعين وأصبح عجوزا. كانت أمى دائما تحذرنى من الذهاب إلى هذا الرجل بائع الأحلام فإنه يذهب العقل, يخطف الروح, ويفسد الحياة والمستقبل, وتدعونى أن أحفظ جدول الضرب فهو أفيد لى وأقيم.

  قال لى جارنا الذى يكبرنى بعام واحد أن الرجل العجوز يسرق الأحلام من عيون العذراوات ويبيعهم لزبائنه, وأنه يقضى ليله فى العبث بعيونهن خاطفا أحلامهن بخفة ورقة, دون أن يشعرن. سألنى جارى أن نذهب إليه لنجرب متعة الأحلام, رنت كلمات أمى بأذنى, رفضت دعوته وعدت إلى المنزل. بعد ساعتين, ذهبت إلى الرجل العجوز متشوقا لمتعة الأحلام المسروقة.

-4-

  وقفت أمامه بثقة أكبر من ذى قبل, قامتى مفرودة, وشعرى يلمع من أثر (الجل), قلت له بصوت اكثر خشونة أننى أريد حلما يناسب سنى, لقد بلغت السادسة عشر ولم تعد أحلام ميس دينا وليوناردو تناسبنى, أريد حلما آخر, حلما ساخنا, تكون شريكتى فيه هند التى تجلس بالصف قبل الأخير بالفصل, أو .. لا .. لا.. فلتكن مى, مى, ألا تعرفها؟؟ تلك البيضاء المدملكة التى تصغرنى بعام, بالصف الثانى الثانوى, صاحبة أشهر نهدين بالمدرسة, ولكنى غيرت رأيي مرة أخرى, وطلبت منه أن يكون كل من هند ومى بالحلم, يتقاسمان الليلة على سريرى. لمحت صورة شارون ستون على غلاف مجلة لدى بائع الجرائد المجاور, لم أكن أعرف اسمها, أشرت إليها وطلبت منه أن يضيف تلك الشقراء على الحلم أو ليكن لها حلما منفصلا. دفعت الكثير مقابل ذلك الحلم, ولكننى ظللت أتذكره لأيام طويلة إلى أن لامست يدى نهدى مى الحقيقيين بعد درس الكيمياء, فوجدت لهما مذاقا مختلفا عن مذاق الحلم اللذيذ, امتعضت, تعجبت مى من رد فعلى, عدت للعجوز أطالبه بحلم آخر لمى, يكون لنهديها به المذاق القديم ذاته.

-5-

  قالت لي إحدى العذراوات أنها شعرت بيد الشيخ العجوز المرتعشة وهو يقطف الحلم من فوق جفنيها, واربت جفنا منهما ورأته, تركته يسرقها, شعرت بمتعة أن تمر أحلامها لعيون الآخرين, راقبت العذراء البائع من شرفتها باليوم التالى وتخيلت أن هذا الشاب الطويل الأسمر الذى وقف مع البائع هو من اشترى حلمها وزرعه بعيونه.ثم ذهبت إلى البائع واشترت منه حلما جديدا, دخلت حجرتها وألقته داخل عيونها السود, وعندما استيقظت من نومها, جلست بشرفتها وأخذت تفكر فى صاحب الحلم الذى رأته, يا ترى حلم من هذا, سكتت قليلا ثم قالت أنها متأكدة من أنه يسرق الأحلام من عيون الشباب أيضا, فرائحة رجل, كانت تفوح من حلمها الذى اشترته بالأمس.

-6-

أمر من أمامه يوميا دون أن أهتم بشراء أحلام جديدة, أحتاج النقود أكثر من الأحلام, الأولاد على أعتاب المدارس وزوجتى مريضة, لقد صدقت أمى إذن, الأحلام مفسدة للأخلاق ومضيعة للوقت والنقود.

-7-

  قررت اليوم أن أشترى حلما, لقد سئمت العمل, سئمت التفكير بالبيت والمدارس وزوجتى والأولاد, أريد حلما بأى ثمن, سأشترى حلما يضم كل أحلامى السابقة, حلما به مى وميس دينا وليوناردو وشارون ستون. لقد نضبت ليالىّ من الأحلام, ومن الكوابيس أيضا, الليل قاس جدا وهو حالك الظلام دون أنيس, والنهار لا يرحم كعهده... لابد من حلم يعيد إلىّ حيويتى ونشاطى. ذهبت إلى حيث يجلس العجوز, لم أجده, سألت عنه الباعة المجاورين, أخبرونى أنه اختفى منذ أيام, لم يظهر منذ الأسبوع الماضى.

  لم ألاحظ غيابه رغم مرورى بناصية الشارع يوميا.

  جلست على الأرض منتظرا عودته, افترشت الرصيف ومرت الساعات دون أن يظهر له أثر, ظن طفل صغير أننى أبيع الأحلام بدلا منه, اقترب منى حثيثا, تخبطت خطاه حتى وصل إلىّ مادا يده القصيرة بعملات كثيرة صغيرة, مد يده دون أن ينطق بكلمة ونظر إلى متخوفا, أخبرته أن بائع الأحلام لم يعد موجودا هنا, ابتأس الطفل وأطرق برأسه وقال وهو ينظر إلى أمواله دون أن ينظر إلىّ " لو الفلوس ليست كافية, فقد آتى بالمزيد غدا." سكت فرفع عينه إلىّ ببطء وأضاف "ولكن هذا كل ما بداخل حصالتى والله." ابتسمت وسألته أن يأتى غدا وسيكون حلمه جاهزا. انفرجت أساريره, شكرنى, ختم جملته بكلمة (يا عمو) واختفى عن نظرى.

  خرجت ليلا, تجولت بين حجرات نوم العذراوات, سرقت من عيونهن الأحلام, احتفظت بحلم تلك العذراء ذات الجسد الفائر بجيبى الخلفى من أجل ليلتى.

  جلست فى صباح اليوم التالى على ناصية الشارع, عاد الطفل الصغير وابتسامته تسبقه, كانت خطواته أسرع من الأمس, تقدم ومد يده بالأموال وهو يسدد نظراته المترقبة إلىّ, أعطيته حلما طازجا لفتاة جميلة شقراء.

 أخذ الحلم وجرى نحو المنزل, قفز من فوق الحجر الصغير, دلف إلى حجرته, دس الحلم تحت جفنيه وأغلقهما بحرص وإتقان كما أمرته أن يفعل, ثم نام على ظهره خوفا من وقوع الحلم خارج عينيه.

إقرأ المزيد...

المباراة

   فتحت عينى بصعوبة بعد سهرتنا الطويلة الصاخبة بليلة الأمس, كنت أقف مشرئبا بمنتصف ملعب كرة قدم, على نقطة البداية, بمنتصف الدائرة المخطوطة بالأبيض ووجهى شطر المرمى مباشرة, أرتدى بدلتى الكاملة ورابطة عنقى الأنيقة القابضة على تفاحة آدم دافعة إياها لأعلى, كان الجاكت لامعا مناسبا لسهرة حافلة, والقميص مجسما لجسدى وحذائى الجلدى أملس لا تمسه الأتربة, اقترب منى الحكم وقطب جبينه وهو يشير إلى بسبابته أن أبدأ, ثم أشار لساعة يده موضحا أننا تأخرنا عن الموعد المحدد, أطلق نفيرا متكررا من صافرته المستقرة بين شفتيه, شعرت أننى يجب أن أجاريه وامتثل لطلبه, فقررت أن أبدأ, لم أجد كرة بين قدمىّ, اقتربت حثيثا من الحكم وقلت له " أين الكرة؟ أنا لا أجدها", انفعل الحكم ووقع نظرى على ركبتيه العاريتين فكتمت ضحكة داخلى بينما قذف الحكم بصافرته من فمه حتى طارت خلفى وصاح معنفا "ابحث عنها يا أخى." جريت على الأرض المعشوشبة ويبدو أن أحدهم قد رطب أرضية الملعب ببعض قطرات الماء فشعرت بأقدامى تنغرس قليلا بين الأعشاب, ظل الحكم يترقبنى ويركض بجوارى ولكنه أبقى على المسافة التى تفصل بيننا, تعثرت فى رجل افترش الأرض بجوار زوجته وأمامهما صينية بدت ساخنة من فرط الدخان المتصاعد من بين ضلوعها محملا برائحة ورق العنب, تجنبت الرجل والتفت إليه معتذرا فصدمت ولده وهو يلعب مع أخيه ويحفران بأرض الملعب... فككت رابطة عنقى وما لبثت أن طارت أثناء جريي بحثا عن الكرة الضائعة. استوقفنى صوت يصيح باسمى, فألتفت إلى يمينى, كان المدرب ينادى علىّ من خارج الملعب, قال بلهجة حماسية " تقدم.. تقدم", ولكننى توقفت لأتأمله, كان حليق الرأس تماما, ظننت لوهلة أنه من أولاد حسن, غيرت وجهتى وتقدمت نحو خط التماس مقتربا منه بابتسامة طفولية شاردة وغاصت يدى بجيب البنطلون بحثا عن الكاميرا لألتقط لى صورة مع نجم طفولتى, عبس الكابتن وعلا صوته المبحوح بالصراخ والشتائم, أشار إلى بوسطاه وقال مجددا" تقدم إلى الأمام .. تقدم". عدت لأتقدم باتجاه المرمى مرة أخرى, عبرت بين مجموعة من الفتيات الحلوات اللاتى اعترضن طريقى, اصطدمت بأجسادهن عمدا ودون قصد, عطلونى قليلا قبل أن أمد يدى وأضم إحداهن واخذها بطريقى, لم أتبين ملامحها جيدا إلا بعد أن جرينا بعض الأمتار. نظرت خلفى إلى الفتيات, لمحت سمراء نافرة النهدين, كدت أفلت يدى من بين يد فتاتى عائدا إلي السمراء, لكنها لوت ذراعى حتى كاد ينكسر بين قبضتها, دفعتنى إلى الأمام غصبا فأطعتها.

إقرأ المزيد...

عن رواية "باب الليل"

" لم يعد يعنيها أمره.. لكنها تحاول أن تطرد حكايتها بحكايته"

هكذا قال الراوى عن نعيمة فى استهلال رحلته عبر الحكايات المتتابعة والمتداخلة لشخصيات المقهى وبحثه خلف أبوابهم الموصدة وفتحها بابا تلو الآخر, فتحها ببطء وتأن كى لا تحدث (تزييقات) مزعجة. لا تبدو نعيمة وحيدة فى شعورها هذا, فالكل هنا يملك حكايات يود أن ينساها أو يطردها أو يخفيها فى ظل صخب المقهى أو بمخابئ عاهراته أو يدفنها على سرير العشق بآخر الليل أو فى لحظات النشوة والاصطياد المستمرة. الكل هنا يطرد حكاياته بحكايات غيره وينقلنا معه من قصة إلى أخرى ومن تونس إلى فلسطين إلى ليبيا إلى لبنان وسوريا وألمانيا.

إقرأ المزيد...