wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الثلاثاء, 17 ابريل 2018 17:57

تجليات الرؤيا في "هدوء القتلة" لـ طارق إمام

كتبه

سفيان صلاح هلال

أولا: بناء لغة البطل

اللغة ليست غاية المبدع ،لكنهاأداته الأولى/السديم الذي يكون به نجم العمل الذي يبدعه ليشع من روحه على المتلقي... وحين يكون الروائي مبدعا، والبطل شاعرًا يروي قصته بنصل الشاعرية؛ فمن الطبيعي أن تنحرف اللغة، وتسقط الفواصل بين النثر والشعر.

وليس مستغربا أن يرى الأشياء بعين تختلف...كما أن الشاعر لايأخذ بظواهر الأفعال والشخصيات، خاصة إذا كان أبطاله هم روح قصائده... إنه يحاول أن يستبطن ويقرأ التاريخ العميق في جدران الخلايا، وبالتالي فقد تتداخل لغتا الرؤية والرؤيا في ذات الفقرة ... وهكذا بني طارق إمام لغة البطل الراوي لروايته (هدوء القتلة ) بحرفية شديدة ، تليق بمبدع موهوب يعرف ماذا يفعل، وبني بقيّة الشخصيات لتكُون جديرةً بلفت نظر الشاعر/البطل ليتوحد معها في التجربة ، وجديرة بقصائده.الرواية صدرت طبعتها الأولي والتي كانت مرجعي في هذه الدراسة عن دار ميريت بالقاهرة2008.

إن من أهم مفاتيح عمل طارق إمام (هدوء القتلة) هو إدراك المتلقي أن البطل شاعر يكتب قصته ... ولكننا حين نتحدث عن شاعر قاتل فإننا نتحدث عن تلاقي المتضادات، وهذا في حد ذاته كفيل بأن نخرج -كما قيل- " عن المعني التواصلي لنبحث عن الدلالي.. وربما المعني الثالث الجدير بالبحث عنه" ، فالشاعرية والقتل لا يلتقيان ،أو قد يلتقيا من أبواب أخر : كقولهم "من عرف سرك قتلك" (- لا أعرف على وجه الدقة ولا أريد أن أعرف.. ولكنني على يقين أنك لا بُد أن تُقتَل كي أُخلِّص قطعةً جديدةً من رُوحي.. قطعة تمتلكها أنت، تحيا بين يديك هاتين. لأنك تعرف جانبًا من السِّر) أو من باب"قُتِل بحثا" ( كأنك لا تعرف أنها خارطة تجاعيد ضخمة لا تُطلعك على جانبٍ من وجهك إلا لتترك فيه نُدبة.).. أو من باب قوله عن ابن الفارض " أنا القتيل بلا إثم ولاحرج" ... أوْ " وخذ بقيةَ ما أبقيتَ من رَمَقٍ لا خيرَ في الحُبِّ إن أبقَى على المهج" وهو القتل الذي يفني به المقتول ليذوب في الآخر ويصير تجلي الآخر تجليا له.

وأظن أن القتل الذي يقصده الكاتب هو قتل مجازي في كل الأحوال (بالأمس قتلتُ سلمى أيضًا، وبنفس الطريقة.) هكذا يقول البطل ، وا قعِيا ، هل يُقتَل إنسان مرتين؟ ولكنه الشاعر الذي يكتب روايته ، فكان عاديا أن تنزاح لغة الرواية للمجاز، والأسطورة، والالتفات، والدمج بين الرؤية والرؤيا ، والتخييل.. والتوحد.. .... وكلها صفات لصيقة بلغة الشعر، بل بعضها قاصرة عليه، وعلينا أن نستعين بمعارفنا عن لغة الشعر وماهيته ، لا لنتعرف على العمل، "فمن عرف لغة البطل أمن مكره"، وكي لاتتداخل المعاني سأرصدهذا مااستطعت في نقاط محددة

1) المجاز

من المعروف أن الرواية من فنون النثر.. والنثر تعبير بلغة مباشرة عن معان مقصودة.. وهذا ما درجت عليه الكتابة الروائية، حتى الرمزية منهاتعرف من السياق الكلي وليس على مستوى المفردة الواحدة .. أما بطلنا الشاعر في هدوء القتلة فقد انحرف بلغة الرواية كلها تقريبا نحو المجاز.. وأخرج اللغة عن سياقها بطريقة تشيع في عموم الرواية، ويصعب عدها؛ لأنها تحتاج في هذه الحالة لدراسة إحصائية.. والأمثلة علي هذا كثيرة (ربما أتطلَّع أيضًا للطائرات الورقية التي تصطدم كل لحظاتٍ بالواجهة، لتخدش - في كل مرة- قطعة جديدة من جسدها. نعوشٌ صغيرة وهشَّة تطارد الهواء الشاسع، يلتصق بعضها بالزجاج قبل أن تنفلت مدفوعة بالخيط.. كأن يدًا بعيدةً لإله مغدور تُحركها) والواقع أن النعوش جمع نعش مفردة خاصة بموتى البشر.. وغالبا ما تحمل ولا تطير .. كما أن الإله لا يغدر به! وهذا لا نملك أمامه إلا اللجوء لتأويل اللغةعلى مستوى المفرادات وعلى مستوى الدلالة الكلية للفقرة وهذا سياق غير معتاد في لغة الروايات ؟؟ لكن طارق إمام اختاره لبطله الشاعر .. ويمكن أن نرصد كثيرا من انحرافه باللغة نحو المجازمثل (. ربما أكتشف على يديك بالذات أنني عشت حياتي كلها بيدٍ غير حقيقية.. ابنة غير شرعية. فكِّر معي يا جابر.. يا شبح النهارات الأزرق: أيهما ستكون صدمتي فيها أكبر؟ لو كانت اليُسرى فذلك يعني أنني لستُ شاعرًا كما ظللتُ أتوهَّم.. هذه القصائد ليست لي.. وكل ما أنفقتُه عليها من عطور وحُليّ كعشيقةٍ ذهبت هباء) أو(أعرفُ جيدًا يدَ القاتل الأصيل: إنها تشبه -على نحوٍ ما- يدَ عازف. أناملها مخنَّثة، أطرافها ناحلة ووردية، لا بُد أن تكون أطرافها وردية: لها ذلك اللون الذي لا تخطئه عين خبيرة: يدُ القاتل تحتفظ دومًا بتاريخها، لأنها لا تملك سواه.) هل توجد يد شرعية ، وأخري لقيطة.. وحتى الاشباح في الذاكرة الشعبية نهارية.. وهل وجدنا قصيدة معطرة أو تلبس الماس؟ وتشبيه يد القاتل بيد العازف هو ضرب من المجاز لا حل له غير التأويل.. فالعزف يمنح الابداع الموسيقي.. وهو نزيف الروح أو صلاتها.. والوردية صفة الحياة لا الموت .. وهكذا لغة الرواية في مجملها.

2) الأسطورة

لا أستطيع أن أقول أنه لا توجد روايات بنيت من منطلق أسطوري.... فعند نجيب محفوظ مثلا توجد .. شخصية غيبية لها جذور واقعية .. كشخصية الشيخ عفرة في الحرافيش.. أو شخصية أسطورية لها امتداد واقعي مثل الجبلاوي في أولاد حارتنها. غير أن شخصية سالم الشاعر في هدوء القتلة .. هي أسطورة لها امتداد أسطوري (ترك الرجل مخطوطه الدمويَّ المقدَّس، كتابه الذي ظنَّه ذات يومٍ سريًّا.. كما ترك نسلًا كثيرًا في أرجاء المدينة، أبناء وأحفادًا يحملون وجهه، عينيه الملونتين وصوته المبحوح.. جميعهم قتلة متوحِّدون، غارقون في منامات خطرةٍ مثله، لا يرون وجه الله سوى بعيون مغلقة.. وقد عرفتُ دائمًا -دون أن أحتاج لجهد كبير- أنني واحد من هؤلاء.) فهذا الأب الذي يحيى من آلاف السنوات يطل أحيانامن كوة على الواقع..ويملي على كاتبه تاريخه السري .. والذي قد يغفو سنوات وكاتبه ينتظر .. هذا الذي يموت ويحيى.. هو القاتل الأول.. والأعظم المورث للدم .. رغم أنه صار نادما لايهش هوام المخلوقات عن جسده إشفاقا.. وهكذا يري الشاعر القاتل نفسه مجرد حالة تراجيدية مدفوعة بالوراثة لغايتها.. وهو لايري في الموت سوءا.. أو نهاية.. فالميتون في رواية هدوء القتلة يستطيعون ممارسة حياتهم بطبيعتهم مثل ما قد يفعل جابر القاتل المحترف لو قتله سالم (.فإن قتلَه لجابر لن يحل المشكلة.. على العكس، ستزداد تعقيدًا، لأن جابر سيأتي بعد ذلك بنفسه في مناماته، سيرفع ساقه بيده القوية هابطًا بها على رأسه ليقتله في الواقع.. وليستيقظ ليل مُفاجَأً بفُتات جمجمته على ملاءة السرير.) وها نحن نرى في الفكرة فنتازيا عظيمة فلا مات الميت.. ولا فقد المقتول إحساسه بذاته.. إنه سيشعر بفتات جمجمته....كذلك يمكن للقتيل أن يعود في شكل آخر ليفضح القاتل كأن يعود حمامة تتعلق بمبنى القاتل أو تخرج من فمه عند الكلام.. أو يعود ليقتل مرة أخري بخطة تكشف حقيقة موته الفاضحة .. لا موته كما أراد غيره مثلما فعلت سلوي.. التي أراد لها زوجها الضابط موتة تحفظ لها سيرتها الكريمة كضحية قتلت من أجل السرقة.. وتحفظ له كرامته .. لكنها تعود بخطة تفضح موتها كشاذة على يد شاذ بسبب زوجها.وقديضرب البطل بثلاث رصا صات ولا يموت ..لأنه لم يقرربعد..

كما أن فصلا كاملا هو الفصل التاسع يحكي أسطورة (ليل) الإسكافي الذي ( ربما لا يزال يفكر في جبلي النعال المتروكين عند مكمنه.. النعال التي أوكل إليه رتقها ولم يسعفه عمره فبقيت كما هي يا مدوِّني وولدي وكاتم أسرار ميتتي.. تاركةً ملايين الحفاة الغرباء ينتظرون في أشتات العالم القاسي عودة شبح الإسكافي الميت.)

) التصوير و التخييل

يرى الجاحظ أن الشعر "ضرب من النسج وجنس من التصوير" ويزيد التعريف الفلسفي للشعر التخييل.. وإذا كان الانسان يتأثر بثقافته.. أو محيطه، فكيف لشاعر أصيل ألا يتأثر بشعريته وهو يكتب قصته؟ لهذا سنجد البطل الراوي يجنح للتصوير والتخييل على امتداد الرواية

( منذ فترة صرتُ أمشي أثناء النوم على حافة السطح، تتبدَّى لي قاهرة أول الفجر حلمًا شاسعًا، بيتًا كبيرًا من التراب. الآن يراني الجيران كثيرًا أتحرك على الحافة، بقدمٍ للأمام وأخرى للخلف.. تتبادلان القيادة.. ذراعيَّ في الهواء، تحفظان لي حياتي النائمة، ترفضان بحسم أن أموت دون أن أدري، أن أستيقظ في الصباح التالي لأكتشف أنني لم أعُد أتنفس، وأنني أطارد وحدي السَّموات الكثيفة الداكنة في عتمة مقبرة.)

أو

(لحق بي بينما كنت الآن في الداخل. انفتح الباب بمجرد أن أدرت "الأُكرة " ووجدت نفسي أخيرًا في حلمه الخاص.)ان الكاتب يصف ويشبه ويستعير .. حتى أنه يبحث عن نفسه في حلم رجل آخر.. وقد يصل الأمر حتى الفنتازيا (وبات عاديًّا للمارَّة مشاهدة ضباطٍ يغادرون البناية في مهابةٍ بينما تراصَّت عشرات الطيور على أكتافهم وأخرى على رؤوسهم، ورؤوس دقيقة مزغبة تطل بفضول من جيوب ستراتهم، كما صار مألوفًا بين الضباط أن يهمَّ أحدهم بالتحدُّث ليجد سربًا رماديًّا ينطلق من فمه..).. وقد يكون الخيال عنده أثْرَى من الواقع حتى أنه (يكتشف جمال صدر سلمى تحت فستانها حين التصقت به في عتمة السينما..هي التى رآها عارية مرات ومرات)

وهذه مجرد أمثلة للدلالة ليست إحصائية.. فالرواية تفيض خيالا وتصويرا ...

4) الالتفات

لم تفت الراوي الشاعر على امتداد الرواية شاردة ولاواردة إلا أحالته لعالم آخرموازي، أو مقابل، أو مثير لقلق أو طمأنينة، وأحياتا قد يكون عجيبا.. فمثلا حين يمنح بائعة الورد أربعين جنيها، وتعيد إليه عشرة طالبة فكة.. يلتفت أنهاردت إليه القديمة منهم بخبرة أو لؤم أو ذوق ... وتمنى هو لو ردت الجديدة؟؟ أما الفصل الخامس كله وهو أطول فصول الرواية تقريبا وأكثرها تماسا مع الواقع، فكله مبني على التفاتات البطل إلى الواقع بعجزه، وجموده، وقمعيته الاجتماعية والسياسة والأيدلوجية .. فمن طائرات الأطفال المتمسكين بخيط الأمل حلما في قابلية السماء للتحقق.. إلي طائرات المسافرين الغرباء دائما.. الذين تحولت الحياةعندهم إلي خريطة وتـساوت النهايات، لحظة السقوط لا فرق أن تصير فريسة لجوعي الغابة، أو جوعى البحار..هي لحظة فرح للجائع ومصيبة وداع للفريسة؟؟ ثم ينتقل ملتفتالطوابير من مقطوعي الأقدام..يواسون أنفسهم عند النظر للطائرات بلا أهمية الأقدام للطائرين..وهم مشغولون فقط بمتابعة تطور الكراسي المتحركة! وينتظرون بشوق من سينضم إليهم من ضحايا العجلات أو صخب المدينة ..

وينتقل في حركة بديعة من الالتفات لعجزى الجسد إلى الالتفات لعجزي الروح محولا المدينة إلي سوق من المانيكانات ويوحد بين تماثيل العرض في واجهات المحال والماشين في الشوارع باعتبارهم مجرد مانيكانات هاربة؟ويرصد حالات من القمع توحد الجميع

وسوف نتعرض تفصيليا لهذه الجزئية لاحقا في رصد تماس الرواية مع الواقع وتجلياته

5) التوحد

(أهفوإلي كل قلب بالغرام له شغل،وكل لسان بالهوى لهج)

التوحد فلسفة روحية عقليةيندمج فيه القاصد بالمقصود كانت عند قدماءالمصريين ربما أبرزها توحد الحية إيزيس بالميت أوزوريس وإنجابها حورس..وانتقلت للأديان كطريق للأندماج بالمطلق الإله..

كما عرف التوحد المحبون ، وشعراء التصوف ومنهم الحلاج ، والسهرودي وابن عربي ، وابن الفارض.. وقد وزع الروائي أبيات من جيميته الشهيرة بين فصول الرواية.. والتوحد في الرواية له قطبين: توحد الشاعر القاتل مع ابيه وشيخه وصاحب المخطوط...، وتوحد مع الضحية الهدف...، هو توحد مدفوع بقوة الوراثة .. ومعروك بمرارة الرؤية . وحدِّة الالتفات.وتجليات الرؤيا.. في رحلة البحث عن الاستقامة والخلل .. لعبور المأساة .. إن بطلنا هو موسى والخضر في شخصية واحدة.. ويده التي تمارس الواقع زراعة وحصادا في حالة عراك دائم مع يده التي ترفض الواقع وتحاول دائما قتله لبعثه في شكل آخر، ماذالواستبدلنا اليدين بالعينين.. فالعين التي تبصر.. في عراك مع العين التي تستجلي.. و (طالما رأى أشياء رؤية العين كانت تتحطم على صخرة الإفاقة من أحلام يقظته، كالبنت النحيلة التي تعبُر كشبح إلى غرفة نومه. تترك وردة تحت وسادته -بينما ترتبك الأحلام قليلًا من جراء التحريك الخفيف لرأسه- ويمد أصابعه محاذرًا ألا تجرحه الأشواك أو تباغته اليقظة، ولكنه كان يفيق ليكتشف أن الأوراق الحمراء المتفتحة تحت وسادته ليست سوى آثار لعابه الدموي. لعابه الدموي )

وفي هذه الرحلة التي يعيشها وحيدا (. في مدينةٍ مثل القاهرة، ليس بوسعك إلا أن تكون –على نحوٍ ما– وحيدًا. أستطيع أن أحصي لك وحيدين كثيرين إن أردت: بائعة فقيرة ذات حدبة، ومصور فوتوغرافي يستعير ابتسامة، وفتاة تائهة في طقس، طفل يطيِّر طائرته فوق سطح، ورجل ينظر إليها من فوق كرسي متحرك.. سلمى وجابر و... ليل و......و......و......، كلهم وحيدون يا ليل. يكملون للمدينة زينتها الضرورية. يُطلعونني على جانب من وجهي. يوقظون يديَّ. ) وهو يرى أنه المختار الموكل من (-شخصٌ آخر ذلك: ناسكٌ قديم يقود روحي.. ناسكٌ اختارني لأخلفه في تخليص المعذَّبين من عذاباتهم.. وأنت يا ليل رجلٌ بيدَين معذَّبتين -مثلي تمامًا- ترتقان للفانين أحذيتهم التالفة في النهارات.. إحداهما كانت قاتلةً ذات يوم، والأخرى خريطة مصائر) ومن أحلي توحداته وأعمقها توحده مع براءة (فتاة بـ "سطل" لبن، تقول لك "يا شيخي". تشبه فتاة في المدرسة تقول لك "يا مستر". غُلامية هذه البنت) وهو يصور المشهد موظفا فيه الجنس توظيفا روحيا وأسطوريا فقد صورت بعض الميثيولجيات التواصل الجنسي على أنه رمز لنقل المعارف..

ولنرتب المشهد

(تركتكَ تسحب عنها ملاءتها السوداء. )

(قطعة قماشٍ واحدة تُغطي عورةً هائلة، بينما تهتز أنتَ يُمنةً ويُسرةً مُغلقَ العينين، لترى. حيّ! )

(تُقَبِّلُ يديكَ المقدستين. تحلُّ أنت ضفائرها لتصير امرأة،)

(ظنَّت الفتاةُ أن عضوك هو نصلك الوحيد، أن دم بكارتها آخر ما سينفقه جسدها من خسارات.)

(لُعابك الدموي يرمح في ريقها. سمُّك في لسانك تتهجاه.. ومطواتك في قلبها الذي لم يعرف الحب. قررتَ هذه المرة أن تغور بالمقبض الخشبي وليس النصل، تريدُ أن تجرب طعنة الخشب العتيق في جسدٍ شاب.) الفتاة التي تعبر منامات يقظتك كشبحٍ تتحسَّس الآن جسدك الموشوم، تلعق أبياتَ الشِعر والأيقونات)

إن الملاءة السوداء هي الستار الذي يحجب المعرفة ولا بد أن تكتوي بنار التجربة لتعرف.. وهو يبحث عن براءة الطفولة وجدها تبحث في تشردها عن ما بعد الطفولة، ولأنه الموكل بتخليص المعذبين حل ضفائرها لتصير امرأة ، ووهبها جسده الذي ليس كأي جسد، إنه عالم المعرفة ومخزن الخبرات الغالية.. خبرة الشاعر المجرب..

وفي جزء آخر

(يستيقظ فجأةً ليسرد -ببطء جميل- واحدة من قصص حبه التي لا تُحصى ومضاجعاته العجيبة، كالمرأة الثمانينية التي تجوَّل في أنحائها بينما كان في التاسعة.. والفتاة ذات الأربعة عشر ربيعًا التي ضاجعها ليلة أتم المائة الأولى من عمره. كان يفعل ذلك بذاكرة حادة لم تغب عنها)

وفي كل قصة ستجد قصة أخرى للتوحد وإن اختلفت الدوافع وتعددت الغايات وتنوعت القصائد

6) الرؤية المركبة

حين يكون البطل شخصا عاديا سيكون بسيطَ الموضوع عاميَّ اللهجة محدود الغاية، ولو أنه فيلسوف فإنه سيستخدم عقله كثيرا, ولو أنه رسام سيلتقط الصور.. ولو هو موسيقي سيعزف.. فماذا لو أنه شاعر.. إنه سيطحن كل هؤلاء في بوتقة واحدة ليكتب قصيدة.. فالشاعر هو مبدع الملاحم وخالق الأساطير.. لذلك امتاز سالم الشاعر بطل هدوء القتلة بالنظرة المركبة للأشياء.. فهو سواء في رؤيته الجزئية يستطرد في تجليات الحدث المتداخلة والمتناقضة، كما يحدث في لحظة إنشاء منزل هو يتذكر توسع المدينة وثبات مساحة المقابر.. ويتخيل كيف كان الرجل قبل أن يكون له منزل .. وبعد أن ياتي وزوجته لتجاور واحدة وفراخها.. وحين رؤيته صورة فهو بخمن ماضيها الذي فيه زوج وعشيق وأطفال لم تنجبهم ويزيد (غير أنها غائبة على الدوام كأنها استيقظت ذات صباح لتكتشفَ أنها تعيش بدلًا من شخصٍ آخر. ورغم أن خصلات شعرها الأبيض كانت تتطاير مع هواء الصباح الخفيف كعلامات رعب.. إلا أنني اكتشفتُ أن لها عينين جميلتين، شابتين، وأن جسدها خفيف حتى إنها لو قررت في المستقبل أن تقفز من البلكونة لتموت، لن تتألم.) وهكذا في مناطق كثيرة

7) الرؤية المفارقة

يرى البطل في كثير من الأحيان مفارقان المعني في ذات الشيء ( وبشكل طولي كتبت يدٌ غريبة -هي يدُ المدوِّن على الأرجح- سطرًا بلونٍ أحمر قانٍ: "كان طريقه إلى الله محفوفًا بالدماء".) في حين يقول في بداية الرواية (كان الناسك خليقًا، بما يليق برجلٍ رأى الله كثيرًا في مناماته وعرف أقصر الطُّرق لتجنُّبه.)فالسعى إلى الله وتجنبه يحدثان من نفس المخلوق الناسك.. ولكن ما أغربه من سعي بالدم.. وتجنب بالمعرفة؟ وهي معان مفارقة تدخل في باب التأويل

8) الدلالة الرمزية

هدوء القتلة ، بوجه عام هي من روايات الدلالة ، ويصعب التلاحم معها بطريقة مباشرة.. فاللغة مجازية والافعال والأحداث رمزية.. والاستنتاجات مجرد تأويل .. وهي ليست من روايات الطرح المباشر .. تلك التي تتتبع موضوعا وتناقشه...

9) الرؤية .. والرؤيا

يقول ارسطو: "إن عمل الشاعر ليس رواية ما وقع ، بل ما يجوز وقوعه"، فرق أهل اللغة بين الرؤية بالعين.. والرؤيا بالبصيرة.. واعتبر المنظرون والنقاد الثانية هي غاية الفنون عامة ..غير أن التصاقها بالتفاصيل كان ملازما للشعر.. وبالكليات في الإبداع عامة .. وبطل طارق إمام كشاعر.. يسير تجاوره الرؤيا التي وراء الأحداث والمشهدية على امتداد العمل ومن أول جملة (تبدو القاهرة لمن لا يعرفها مدينةً شديدةَ الضخامة، غير أن القَتَلة فقط - وهُم حالمون بالضرورة- يُدركون أن ذلك غير صحيح.)

حتى النهاية

(طوَّحتُ القطعتين الصغيرتين إلى المنتظرين في الشارع، ثم انتزعتُ المطواة من بين يديها بخفة، لأكتب قصيدتي النهائية ) لا تشغله الأحداث قدر ما يشغله ما وراءها.. مرورا بمشاهد كثيرة في الرواية.. مثل (لا تريد الشاحنات شيئًا من هذه البيوت، فسائقو الشاحنات -كل سائقي الشاحنات- يعرفون بشكل غامض أن بيتًا مكتملًا في مكان يعني مقبرة مكتملة في مكان آخر.) أو (سيتذكر هذا الرجل -وللأبد- المقدمات المتشابهة للشاحنات بالكشافات التي تومض وتنطفئ، ولكنه لن يتذكر أبدًا ملامح أيٍّ من السائقين.)

أو (لو كنت أحد هؤلاء السائقين لتحرَّكت بسيارتي فجأةً للخلف وانحرفت بزاوية حادَّة تاركًا جثة طفل بين العجلات.. ليمتزج صراخه بصراخها الهادر.. ففضلًا عن أنني لن أُعاقَب.. سأحول ذلك اليوم إلى ذكرى في كل البيوت القريبة.. في قلوب الآباء والأمهات والأطفال. سيصير هذا اليوم خالدًا. غير أن الناس -للأسف- يحبون الأيام المتشابهة: ) فبطلنا الشاعر دائم الالتفات ألي ما يتمم الدائرة ويجلي الحدث.. والعربات تبني المنازل ينسى الواقع مقابل الأثر. ويقابل العمار في البيوت بالسكون في المقابر .وفي أخر اللقطة يقابل الموت بالخلود..وفضلا عن الرؤى الجزئية التي توحده مع مفردات الأحداث.. هو صاحب رؤية كلية لعالمه في مدينته العاجزة المريضة المجمدة تحت ضغوط كل أنواع القهروهذا ما سنعرضه تفصيليا من خلال تماس الرواية مع الواقع...

ثانيا : تجليات الرؤيا

المسافة بين الخطيئة الأولى التي أخرجت البشري من الجنة وحتى عودته أليها هي مسافة من الصراع التراجيدي.. الصراع الذي لايتم الانتصار فيه إلا بالمعرفة والإنسانية والحب.. وشاعرنا البطل ليس بمعزل عن الواقع الإنساني المأساوي الذي يحيط به.. الواقع الذي يسيطر عليه القمع بكل صوره مما يجعل التواصل الإنساني فيه مستحيلا.. ويحوله إلى واقع جامد عاجز متخلف.. وهو دائم الالتحام والصراع مع هذا الواقع .. وسنتعرض لأنواع من القمع التي جعلت الإنسان في هذا العصر عاجزا عن التواصل مع الحياة عامة ومع الأشخاص

1)القمع السياسي

في الفصل الثالث يقول الروائي على لسان البطل الموظف بالتعداد (بجرَّة قلم منك، بلحظة سهو، تحرم شخصًا من الحياة، تجرِّده من صفة "مواطن". الناس في هذه المهمة عُهدة، ينامون في المساء في عمق الأدراج، في الخانات الضيقة.) فالمواطن مجرد رقم في أـوراق رسمية، لاتعني حياته فعلا شيئا.. بقدر ما يعني ثبوت ذلك رسميا.. والمواطن مجرد أداة جامدة لمصالح عليا.. وقد عرض هذا بشكل رمزي في عالم الفتارين والمانيكانات.. فالبائعة قحبة ممتازة لإشباع رغبات صاحب العمل الجنسية، والمانيكانات يجب أن يتشكلوا حسب الحاجة إليهم.. وحين ثاروا (لم يستمر الأمر طويلًا، فقد سيطرت الشرطة على الموقف بعدأن حاصرت العرباتُ المصفحةُ كل مخارج المدينة ومداخلها. تم اقتياد المانيكانات بعدها إلى بقعة مجهولة، ) . و يرسم مقر المباحث الذي ارتصت الطيور حوله حتى حجبت الشمس.. ورأوا هم هذا حسنا يحجب أصوات التعذيب في داخل المقر؟ ثم يرسم عرضا للمعتقلين.. الذين تعودوا رؤية العالم من خلف العُصابات السوداء.. وكلها نماذج للقمع السياسي

2) القمع الاجتماعي

حين ركب في التاكسي: السائق يفتح الشباك الذي بجانبه ، ولكنه حين يهم البطل بفتح شباكه يسارع (-بوجدان المختطف المحترف- يأمرك: ما تفتحش الشبَّاك..) وعند المصور.. رغم أنه يحتاج صورة واحدة.. أرغمه على عدد .. ورغم أنه يريد صورة في ضوء خافت وبلا ابتسامة صورة تليق بديوان شعر.. صوره في الضوء.. والتقط على حين غفلة بعدما جعله يبتسم.. أما سلوى وهناء فقد صارتا ضحيتي الخروج على السائد......

3) القمع الأيدلوجي

العقائد ميراث تاريخي (كانت محبتي تنام على تفاصيل المئذنة المشهرة. تُخفي ملامحها في تضاريس ورقة العُملة تاركةً البطولة لملامحي. غير أنني لن أنسى صباحًا آخر.. غامت خرائطه الآن ووهنت حدوده.. حين وقعت المعجزةُ السرية الصغيرة. كانت يدُ البائع تمتد إليَّ بالجنيه نفسه. بضاعتي رُدَّت إليَّ في وهلة.. والتذكار الذي اعتقدته سيحيا خالدًا في حقيبة يدها، لمحتُ عليه آثارَ الأنامل التي تداولته.. حفرت فيه روائحها وتركته هائمًا، كورقةِ شجرٍ ضالَّة في هواءٍ معتمٍ.) وهو يرى المعتقد كان صالحا للتداول كما هو من مبدعه لانه ابن وقته.. لكن مع دورات الزمن أنهكه التعديل والترميم .. وصار مجرد جمود فقد جاءت فقرة التداعي هذه بعد تعرضه للقمع من فتاة منكبة على كتابها المقدس.. حتى صارت لها حدبة .. وكان القمع باسم الدين في صورة منعه من التدخين.. ووضع لافتة المنع تحت آية من المقدس.. وهويراه شخصيا (عالمي لايمكن أن أـراه إلا من شباكي) (لا من شباكه) وهكذا نرى صورا كثيرة من قمع الحريات بطرق شتى.

ولكن القمع ليس هو التماس الوحيد مع الواقع..هناك أنواع من القمع المعنوي أكثر فتكا.. كالتدليس مثلا ..لكي يظل المجتمع محتفظا بقوته فهو يتنكر للحقيقة مقابل شكله؛ فيظهر سلوى قتيلة الحاجة البيلوجية المحرمة اجتماعيا على أنها قتيلة حادث سرقة..ويلصق الفقر، والجهل، والتشرد بالخرافة المقدسة، ويقيم لها الموالد الاحتفالية التي تذهب بإنسانية الناس، وبراءة الأطفال .. ولا مانع أن تتحجب البائعة في العلن وتتعرى لصاحب العمل في السر..

وقد أفرز هذا الواقع اللا إنساني عوالم من المانيكانات الجامدة المؤطرة.. كما أفرز عجزة استهلاكيين مرضى..لا يفكرون في الخلاص من عجزهم بقدر تفكيرهم فيما يقدمه لهم الغير من أجيال الكراسي المتحركة .. فضلا عن حقدهم الذي ينتظر أن ينضم إليهم الأصحاء .. ليس هذا فقط .. إنهم عاجزون عن التواصل الإنساني والمعرفي....حتى صار الواحد منهم علة أو شبحا.. فالبنت المؤدلجة.. والتي يجب أن تكون بأيدلوجيتها أكثر إحساسا بالآخر.. لا تقدر حالة زبون لديه حالة وفاة، وببرود شديد تأمره (اطف السيجارة .. كلنا مات لنا ناس) وتنهره (مش كفايه سبت لك إتنين جنيه) وهو يدخل معها في حالة عناد وصراع بدلا من أن يدخلا معا في حالة تآلف إنساني .. وقبل إطفاء سجائره يسحبها كلها في أنفاس متسارعة عميقة تضاعف وجود الدخان في المكان.. ومن تعود أن يرى العالم من خلف عُصابة سوداء (رأيتهم يحدقون بحدقات بيضاء، باهتة. شعرت بهم ينظرون إليَّ، يرونني قريبًا جدًّا كأنما عبر مناظير مقربة، فأشحت بوجهي، وبسرعة)

أما أجمل وأعمق ما لفت نظري من لقطات وآثرت أن أختم بها .. هي قدم جابر الصناعية.. فقد استطاعت هذه القطعة من الخشب أن تكون أكثر إحساسا من الإنسان المعاصر .. فتتوحد مع جابر حتى أنها صارت لها رائحة قدم إنسان حقيقية.. ورغم تكرار هذا الحدث من جبل من الأقدام الخشبية.. فإن جابر الجهول عجز أن يتآلف مع أخر من جنسه فقط لأنهم يختلفون عنه في الدين.. وعجزوا هم أن يحفظوا حرمته انقيادا لشهواتهم وغرائزهم .. وهكذا حين يموت الحب يموت الإنسان فقد ظل الناسك حيا يحكي قصة حبه للمدون حتى قام ذات صباح على غير عادته ((. ومد وجهه ليرى الضوء لأول مرة منذ أعوام طويلة. سأله المُدوِّن:

هل تعرف الميت؟

فأجاب بوجهٍ خالٍ من أي انفعال:

نعم.. أعرفها.

واستدار للمدوِّن قائلًا بلهجة آمرة:

يمكنك الآن أن تنصرف.

وقبل أن يهم بإبداء أي استفسار، قاطعه بحسم:

أخبر أبنائي أن يأتوا على عَجَل قبل أن تفوح الرائحة.. وأحرق هذه المخطوطات قبل هبوط الليل.) لقد مات الحب ولم تعد هناك فائدة ترجى من الحياة.. وكأن الناسك مولانا ابن عربي حين قال

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي = إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ = فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ

وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ = وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن

أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ = ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

.....

 عودة إلى الملف