wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

السبت, 18 نوفمبر 2017 09:04

حذاء فيلليني

كتبه

دينا نبيل   

لا يهم أين ولد أدب العبث ولا إن كنا نفضل يكتب فيه أكثر أم يونسكو ، و لا يهم إن كان توفيق الحكيم استعار “يا طالع الشجرة” من مسارح باريس و اصبغ صبغة مصرية ، و ربما لا يهم حتى البحث عن أمثلة الأدب العبث والتلاعب بتكنيك العبث عبر أجيال أعمالنا الأدبية. و الأهم ان حتى لا نتفق ان كانت “حذاء فيلليني” تقع تحت هذا التصنيف أم لا ، في النهاية من يهتم؟

نحن هنا نشهد تجربة عربية مدهشة في تحويل كل عار السياسة في بلادنا المسحوقة إلى أدب جيد ، أدب يتجاوز بكائيات روايات السجون و التعذيب و من حُبس عشرون عام دون ان يرى الشمس دون سبب و من التي ذهبت الأنظمة العربية المتتالية بشرفها قبل أبنائها. نحن هنا نشهد وحيد الطويلة يصحبنا في رحلة مربكة إلى أرض عربية لا تمثل شام او المغرب او مصر قد ما تمثل حالة عمومية من الهراء الفكري السياسي عشناه عبر عقود و عقود حتى كدنا نفقد حاسة الشم لشدة عفته.

في أوطاننا لا يهم لماذا تعذب او يعتقل او تقهر مدام النظام قائم ، وإن حدث استثناء ثورى قصير فكل بلادنا تعرف اين ينتهي. لذا ف”مطاع” يتحول الى “مطيع” بينما نتحدث و جلاد آخر يحظى بأوسمة بدلا من الشلل و العار.

لو استطاع الأنا أن يفتح مخه لخرت التقارير منها بدل الدماء و المحتويات. لتدفق الضحايا علي أرض العيادة ، وراحوا يزاحمون بعضهم البعض ، يكاد يدهس واحدهم الآخر ، تدافعوا لفتح الباب و هرعوا علي السلالم كهربيين من النار ، البعض الآخر فتح مزلاج الشباك و قفز دون تفكير في العاقبة. ما الأسوأ الذي سيحدث له؟ البعض كان يتطوح بلسان متدل ، البعض يتحسس جسده ، يهرش في كل مكان. بعضهم يمسح دماء تسبح علي جبهته ، تغطى رقبته ، تسيل من ساقيه ، بعضهم يصرخ و الصراخ يملأ العيادة يكاد يشرخ طبلة أذني ، موسيقي المعذبين تتلي في العيادة و غناء حزين غامض يملأ المكان. “

أما السرد أو كيف وصل لنا وحيد الطويلة كل هذا في عدد قصير من الصفحات في تجربة تعجبنا و تجدد و لو قليل من الدماء في عروق الفن العربي. تنقلات مفاجئة شيقة تجذبنا من وجه نظر البطل الي البطلة ثم الشرير و عودة للجارة في حركة رشيقة و ايقاع لم يسقط إلا قليلا.

مُعذَب و مُعذِب يلتقيان في غرفة بيضاء الجدران ، يلتقي من حلم بالانتقام لسنوات بهدفه. رواية كانت يمكن أن تكون “دائرة الانتقام” الجديدة أن عاملها الطويلة بضحالة كلاسيكية فيتحول البطل الي حسن الهلالي صغير يهتف بعدد و كيفية الانتقام. لكن الطويلة قرر الطريق الأقل ارتياد فقرر أن يغزل علي تلك النقطة المكثفة المصغرة حتى حجم رأس الدبوس رواية كاملة تسقط احيانا الحائط الرابع للرواية و تجعل القارئ جزء من الحدث يتردد كما يتردد البطل و يتراجع كلما تقدم.

يمثل الضباط الطويلة نوعا من البشر لا وظيفة و هم كذلك في بلادنا التى قررت -عمدا- ان تتفرد عن العالم بنظام أمني يفعل ما لا يدركه إلا الله و ملاك الشمال ، ملاك اليمين سمع بعض الحوارات و الاستغاثات لكنه أومأ و اشترى نفسه بعيدا عن وجع الدماغ ، علي حد تعبير الطويلة المكثف في رواية تستحق الضجة و الاهتمام و ربما أكثر.

 

 

عودة إلى الملف