wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الجمعة, 17 نوفمبر 2017 21:24

وحيد الطويلة في منطقة سردية جديدة

كتبه

جمال جبران

  في “حذاء فيلليني” (المتوسط)، يدخل الروائي المصري وحيد الطويلة منطقة سردية جديدة لم يضع قلمه على مساحتها من قبل. كأنها مغامرة كتابية يريد عبرها الإفلات من النبرة السردية التي سيطرت على شغله السابق “ألعاب الهوى”، و”أحمر خفيف” وصولاً إلى “باب الليل” التي طغى فيها النَفس الشعري وقرّبها كثيراً لتشبه قصيدة نثر بشكل ما. أراد الطويلة التخلّص منها والانتقال إلى فضاء مختلف يتيح له إمكانية التجريب على أرضية يقدر من خلالها استبدال نبرته السردية على نحو كلّي، حيث يمكن اجتراح لغة مختلفة وقاموس لغوي مغاير.

لكن المغامرة هنا أن يذهب الطويلة إلى منطقة قد مرّت عليها أقلام كثيرة وأتت على صفحات روايات لا حصر لها. مع ذلك لم يمنعه ذلك من معاودة السير عليها كي يختبر لغته وقدرته على خلق مفردات خاصة تمكنّه من قول تلك الأفكار على نحو يخصه وفي قالب يتطابق معها.

ونقصد هنا فكرة المعتقلات وأقبية السجون والحياة السفلية التي وجد كثير من الناس داخلها بسبب مواقفهم ونشاطهم المضاد ضد أنظمة يقعون تحت سلطتها وتختارهم على مزاجها، في وقت يعتقد كل واحد منّا أنه بعيد عن الأذى “نعتقد طوال العمر أن الأشياء السيئة تحدث للآخرين فقط، مثل الموت، لكنها حين تحدث لنا، نكتشف أننا كنا موتى وانتبهنا”.

هكذا، سنرى صاحب “باب الليل” وهو يدخل الحكاية على نحو عكسي. نجد نقطة انطلاق السرد وهي تُبحر من نهاية سنوات التعذيب والقهر والإهانة التي حصلت للشخصية الرئيسية “مطاع”، لتجد نفسها في حالة مواجهة مع الضابط الذي كان سبب كل القهر الذي عاشته تلك الشخصية طوال 13 عاماً. بمعنى أنّ بداية الحكاية ستكون من النقطة التي انتهت فيها سيرة العذاب، ليبدأ وقت الحساب. وعليه يظهر السرد على هيئة جلسة محاكمة طويلة، حيث تدخل أصوات إضافية على الشخصيتين الأساسيتين، لكنها ترتبط تماماً بهما بما يتيح اكتمال أدوات المحاكمة، ولكن على نحو عكسي حيث تظهر الضحية في مكان الجلاد مع توفر المجال بقوة لضحايا آخرين لقول ما لديهم.

على هذا، سنجد ضابطاً في أمن الدولة لا يحمل اسماً وقد أحالوه على التقاعد، ما أدى إلى إصابته بمرض نفسي يجبر زوجته على اللجوء لعيادة يُصادف أن يكون طبيبها ضحية سابقة للمريض الحالي. ستحتاج هذه الضحية إلى وقت وهي تختبر نبرة المريض كي تصل إلى نقطة التعرّف إلى هوية صاحبها. لا يمكن لضحايا التعذيب معرفة هوية الأشخاص الذين قاموا بسحق أيامهم بدون نبرة الصوت، فالتعذيب يحصل والأعين معصوبة طوال الوقت. تبدو المسافة الزمنية اللازمة للتأكد من هوية صاحبها مناسبة لانطلاق لعبة تمسك الضحية السابقة بزمامها على نحو كلي. نتابع حالة المريض الجديد والجلّاد السابق، وهو الذي ضاع عقله بعدما تخلّى النظام عن خدماته. حالة تجعلنا نستحضر شخصية الضابط في فيلم “زوجة رجل مهم” للراحل محمّد خان، حين يضيع عقله بعد ذهابه إلى التقاعد المُبكر. نجد الحالة نفسها هنا، ولكن على نحو عكسي. في “حذاء فيلليني”، نجد دخول صوت زوجة الضابط والمريض الحالي، لتحكي وهي حاضرة في العيادة: “كل ما فعلته أنني أخفيت مسدسه حتى لا ينتحر ويترك العار لنا. الضبّاط الذين يخرجون على المعاش يتحسسون مسدساتهم أولاً، لم أكن أريد له أن يحظى بشرف الانتحار”. سنكتشف تالياً أنها ضحية أيضاً وتدخل مع الطبيب في سجال من أجل اختيار طريقة تعذيب تليق بزوجها لتصل إلى اقتراح نهائي “لا بد من قتله”.

لكن في العيادة نفسها، سنجد على حائط لوحة معلّقة كُتب عليها “لا شيء أصدق من حلم، الأحلام آخر ما يموت” للمخرج الإيطالي فيلليني. وفيلليني كان سبباً في دخول ذلك الطبيب المعتقل الذي سرق 13 عاماً من حياته. “أنت تعرف فيلليني!” قال له الجلاد ليختفي بعدها عن الحياة طوال تلك السنوات كما اختفى اسمه. كان اسمه “مطاع”، فأجبروه أن يكون “مطيعاً”. جزء أساسي في مشوار الإهانة وسحق الروح “اسمك مطيع منذ الآن يا ابن المحروقة، هو اسمك منذ الآن وحتى تموت قريباً”.

وكان فيلليني مكروهاً لدى الجلاد، يعتبره محرضاً ودافعاً للناس لتغيير أوضاعهم. يتذكر مطاع حين حضر حفلة “الزعيم” و”قائد الحزب” الذي عرفه عن طريق خطواته: “صوت الحذاء يصنع الذعر، من صوته المُخيف المُدّبب”. وبعدها قال “حذاؤك كبير كحذاء فيلليني” لتبدأ سيرة العذاب في حياته، فالقاعة مليئة بمخبري “القائد الأبدي” والوشاية مهمتهم الأساسية الوحيدة في الحياة “من أجل حماية الأمة من الشرذمة”.

هكذا تبدأ رحلة الغياب والأقبية حيث “تتمنى لو أنك حشرة تستطيع الطيران لتمر من أي ثقب إلى نافذة الحياة”. لكن ما يلبث أن يدخل فيلليني على الخط، قبل فترة من تنفيذ الانتقام ليقدّم وصاياه رافضاً فكرة الانتقام تماماً “كل حياتك قامت (يا مطاع) على جملتي: لا شيء أصدق من حلم، وتحقق الحلم، دعه إذاً وتقدم لحياتك. اهزمهم بأن تصنع حياة أخرى مدهشة، لن يهزمهم قتلهم، إذا سقط واحد تشققت الأرض عن عشرة”.

لكن في الخاتمة، يورد صاحب “ألعاب الهوى” إشارة أخيرة: “تتقاطع وتتعامد عناوين مشاهد الرواية مع عناوين سيرة المخرج الإيطالي فيلليني، إما بشكل رمزي أو اعتباطي (...) وعليه فإن أي تشابه بين افتراءات السارد وبين حياة فيلليني واختلاقاته هو محض استعارة فقط”. مع ذلك، لا يُنسينا هذا الإهداء المكتوب في مُفتتح الرواية ويتوجّه إلى “مَن صرخوا ولم يسمعهم أحد، إلى الذين لم يستطيعوا أن يصرخوا”.

 

عودة إلى الملف