wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الجمعة, 17 نوفمبر 2017 15:39

حكواتي الرغبات والأمكنة والأرواح المهزومة

كتبه

سيد محمود

في روايته الجديدة “باب الليل” (منشورات الاختلاف)، يخوض الكاتب المصري وحيد الطويلة مغامرة الكتابة عن تونس بعد عشر سنوات قضاها هناك، استطاع خلالها أن يؤسّس لمعرفة فريدة بهذا البلد دفعته إلى التقصّي عن حكايات المقاهي والتلصص في ليل ظلّ دوماً ساحة للمسكوت عنه. الطويلة الذي ينتمي إلى جيل الثمانينيات في مصر، تقصّى في روايته خيبات يتعلق بعضها بفكرة الثورة المجهضة كما نلمسها في حكايات الفلسطينيين الذين وصلوا إلى تونس عقب خروجهم من بيروت عام 1982، والذهاب نحو لحظات “طبخ” الثورة التونسية قبل أن يفعلها محمد بوعزيزي ويشعل النار في جسده.

من المقهى، التقط الطويلة أول الحريق، هو الذي كتب قبلاً روايتيه “ألعاب الهوى”، و “أحمر خفيف” التي تقصّت عن الاستبداد في جسد ميت يحكم الجميع في قرية مصرية، لكنّه راح إلى تونس يطرق فيها “أبواب الليل”، وينظر من فتحته الى عالم يحتشد بالرغبة وبالأجساد العارمة والأرواح المهزومة.

لم يكن اللجوء إلى المقهى حلاً جديداً للطويلة، فقد اختبره قبلاً في قصص قصيرة وروايات ذيلّها كلها بتوقيع من مقاه في عواصم عربية عديدة، لكنّ مقهى “لمة الأحباب التونسي” كان خياره هذه المرة، هو الذي يصف نفسه ساخراً برئيس جمهورية المقاهي، مؤكداً أنّ المقاهي كالنساء، لا تتشابه بالروح وبالعمق ولو تشابهت في الشكل، أو قلّ كالمرأة لا تبوح بنصف أسرارها وإلا لهجرها العالم. الطويلة الذي عمل صحافياً داخل مؤسسات عربية ودولية في تونس، يشرح اختياره لنماذج فلسطينية ممن جاؤوا بعد الخروج من بيروت، مشيراً إلى أنّ “جرح فلسطين أصبح في ذاكرة ميتة، كأنّه خرج للأسف من القلب”. ويتابع “ليست قضيتي هنا هي القضية السياسية، بل قضيتي البشر الذين أكلتهم القضية ولم تعطهم مخدّات جيدة للنعاس والنسيان”. يرى الطويلة أنّ نماذج المثقفين والفلسطينيين في روايته شهادة غير مطلوبة منه على الحبّ: “لعلك حين ترى الفلسطينيين في تونس قد لا تعرف جيداً كيف بدأت ومضت الثورة، لكنك من هذا المكان البعيد قد تستطيع أن ترى نهايتها على وجوههم المتكلسة وأراوحهم المثقوبة، وجيوبهم أيضاً. سترى كيف أضعت عمرك في النضال، بينما المناضلات والمناضلون الجدد يسحبون الحياة من قرونها”.

في الراوية اشتغال على الجسد وحلّ تقني يقسم الى أبواب، لا الى فصول، وهو حل استعاره الكاتب مرة من عمارة المدينة التي يكتب عنها وهي مدينة “أبواب”، ومرة من الكتب الايروسية في التراث العربي، التي كانت ترى أبواباً للجسد. وراء أبواب تونس الحقيقية حيوات ايروتيكية تحدث كل يوم. لعلّ الأبواب كما يلحظ، كانت دلالة على ما هو مفتوح وما هو موصد، على المستحيل الفاتن كما يقول حلمي سالم، على الأحلام والكوابيس، عما يقيم خلفها، وعمن يحلم بالانطلاق عبرها.

ينحاز صاحب “ألعاب الهوى” الى تعبير كتابة الجسد، لا الكتابة عن الجسد، فالحواس عنده “هدية العالم إلينا وبواباتنا إلى دواخلنا والآخر، إلى معنى الوجود، إلى أن نعيشه ونفلسفه بأصابعنا وأنفاسنا”. يقول: “أكتب عن الجسد الذي لا يقين أنّنا نملك شيئاً سواه في الكون. ربما أكتبه متمعناً في مصيرنا الإنساني، في ذلك الذي يدلنا علينا، وعلى الألوان التي نخترعها كل يوم”.

في مقابل هذه الرؤية، ثمة قراءات اعتبرت النصّ ممتلئاً بروح فحولية تهزم الحسّ الأنثوي في لغته المفتوحة على الحواس. وهنا يستدل الطويلة بقراءة شيرين أبو النجا التي قالت “تأتي الذكورية كأنها شبهة، وليست سمة كاملة للنص، ومن ثم يفخر الطويلة بانحيازه للأنوثة قائلاً: البنت الوحيدة التي أحبّتني باحت لي بحبّها وقالت: أنت رجل بقلب امرأة”. رغم طغيان هذه الأنوثة، لم تغب فكرة الثورة عن النص، لكنها ظلت كعزف مكتوم ولم تثقل النص بصخب الشعار. الثورة التي اختارتها عين الكاتب كانت في الحلم، وربما كانت بحقّ في الكابوس. إحدى البطلات وضعت الأحلام في ملفّ على جهاز الكومبيوتر، والكوابيس في ملفات أخرى. ثم حين قامت الثورة، حملته على ظهرها وعبرت أحد الأبواب.

بثقة يقول الطويلة “لا أظنني يوماً سأكتب عن اللحظة ذاتها بشكل مباشر”. لعلّ أكثر السمات التقنية في النص ترتبط بطغيان نبرة الحكي من دون ولع بالتجريب التقني، فالطويلة موصوم بأنّه حكاء نجح في تحويل الشفهي ـــ بدرجة ما ـــ إلى كتابي.

الى جانب الحكي، تبرز السخرية كوسيلة لاغواء القارئ بالتورّط وتجاوز المسافة، فهي أداة مكّنت الكاتب من الجلوس كطفل يتيم لا يمدّ يده لأحد، لكن يستطيع بها أن يعلّق صورة له من دون خوف على الحائط، “إلى جانب صورة زوجتي وبجوار صورة عزيز نيسين”.

 

 

عودة إلى الملف

سيد محمود

 شاعر وناقد وصحافي مصري

 صدر له:

تاريخ تاني ـ شعر، هيئة الكتاب، 2000

تلاوة الظل ـ شعر، دارالعين، 2012