wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

السبت, 22 يوليو 2017 11:55

فضح الموتي في رواية ممدوح رزق

كتبه

مازن حلمي

"خلق الموتي" رواية للقاص والروائي ممدوح رزق صادرة ضمن سلسلة إبداع الحرية تحت إشراف الكاتب عبدالفتاح الجمل. هي رواية إشكالية بداية من العنوان نفسه من هم هؤلاء الموتي؟

ربما هي الشخصيات التي تشكل منها عالم القاص قبل أن يرحلوا، وربما هي شخصيات تحيا لكنها لا تعيش وهو يحاول بث الروح فيهم بالكتابة، فأحد تعريفات الكتابة "خلق شخصيات حية علي الورق" كما أن حضور الكتاب العالميين الذين استدعي فقرات وجملا لهم طوال العمل هم أيضا ضمن هؤلاء الموتي أو من يري أنهم موتي. كتب ممدوح رزق رواية علي غلاف العمل، في حين أن النص من وجهة نظري أقرب لروح القصة القصيرة منه إلي الرواية، أو بالأحري هو نص عابر للنوعية، فخيوط الحكاية صغيرة وقد تقطعت سريعا، بالإضافة إلي وجود مقاطع شعرية، وكتابة عن الكتابة والنقد، وحضور لشخص المؤلف، واستشهاد فقرات لكتاب عالميين في محاولة تجريبية لكسر الشكل التقليدي الروائي واستقطاب جميع أشكال الفنون من سينما، ومسرح، وشعر، وفلسفة ونقد. إذا كانت العولمة قد جعلت من العالم قرية صغيرة، فإنها جعلت أيضا من الفن جنسا أصغر علي نفس الدرجة من التداخل، والتسامح، فالشعر لا يعادي القصة، والقصة لا تعادي الفلسفة، والعكس صحيح.

قتل الأب

يصدر القاص النص بمقطع شعري للشاعر "ريتسوس" عن الحنين إلي الطفولة والبراءة الأولي، بما يعني شوق الكاتب لطفولته وماضيه الجميل، غير أننا نصطدم من الوهلة الأولي بسلطة الأب المتماهي مع الابن في مفارقة مدهشة، فالعادة أن يتماهي الابن مع الأب، بينما السلطة الأبوية العاجزة الفاشلة الخاوية هي التي تماهت في محاولة لمسخ ومحو شخصية الابن، ويبقي الصراع بين سلطة الأب والابن. القديم والجديد صراعا مفتوحا، يقوم السارد بفضح خواء وضعف الأب ويعري زيفه من خلال تلك الحيلة.

كسر التابو الديني

كل سلطة لدي البطل سلطة مرفوضة، سواء كانت أبوية أو دينية. الابن شخص وجودي يريد تحديد مصيره بنفسه، وبتجاربه وقناعاته الشخصية لا أن يكون ريشة تعبث بها يد القدر. إنه يريد أن يجري ويجري مثل بطل فيلم فورست جامب في إشارة إلي أن البطل الأمريكي حر، مغامر طموح في مقابل البطل العربي مأزوم بقيود الواقع، والمكبل بالسلطة الدينية والأبوية.

رافضا أيضا أن يكون الدين منحصرا في العبادات والفروض لا صلة له بملابسات ومشكلات الحياة، فالمصلون في النص منفصلون عن الواقع تماما، ومشغولون بأحداث رواية بوليسية أخرج جميع المصلين بمن فيهم أبي نسخة من نادي القتال ولأن الصلاة لم تكن في نيتي أو توقعي فلم يكن معي نسخة الأمر الذي جعلني أشارك أبي القراءة من نسخته. وقف الإمام وراح يقرأ ونحن نردد وراءه كيف أضطر تايلر لاستخدام الدهن المشفوط من أم مارلا في صنع الصابون للاستفادة من ثمنه في غسل الملابس ودفع الإيجار.

ثم يتطرق إلي شيوخ الفضائيات الذين بدلوا الدنيا بالآخرة، لا يتحدثون إلا عن عذاب القبر وأهوال النار ونعيم الجنة، فيشبه هذه الخطب بصرخاتها وتأوهاتها بأفلام الجنس. فهم يقومون بدور خطير يشغلون المجتمع بقضايا غيبية، وفرعية ويتركون جوهر الحياة الأساسي فالدين ليس حصنا أو ديرا أو مسجدا للهروب من الواقع بل سلاح للتعامل معه وللتغلب عليه.

التطهر

البوح والفضفضة ونشر آلام القاص علي حبال القارئ ليس قتلا للوقت بل فعل تطهر بامتياز هو يريد التخلص من حمولة الماضي الثقيل، ليعود نقيا ويقف من جديد في وجه العالم عن طريق الاعتراف، ويتساءل يريد أن يختبر في كل مرة هل الفضفضة تريح حقا أو علي الأقل تخفف أم لا.؟

يعرض القاص بانوراما من الحيل والتقنيات الفنية في النص منها:

- تعدد الضمائر أو الالتفات البلاغي: يستخدم القاص ضمير المخاطب في حواره مع أبيه كأنه يريد أن يواجهه، وضمير المتكلم حين يسرد أحداثا عن نفسه كأنه يريد من القارئ أن يكون صديقا له أمينا علي أسراره، ويشاغبه باللعب معه بتغيير الضمائر.

- المونولوج الداخلي: البطل يعاني من مرض نفسي، وبالتالي هو ملئ بالهواجس، والأفكار وصراعات داخلية تفور بها رأسه. كان طبيعيا أن تتداخل الحوارات، والمقاطع الشعرية والأحداث المختلفة اللا مترابطة في الظاهر بينما الرابط الوحيد بينها هو البطل المريض نحن أمام عوالم منفصلة في آن.

- التغريب السردي: الكاتب ليس السارد المتعالي الواقع خارج النص، يحرك شخوصه وأحداثه دون أن يتورط في عملية الكتابة بل يقوم بنفسه داخل العمل، والقارئ يتابع النص وهو يتخلق أمامه للمشاركة في إكمال زاوية الرؤية والخروج بالنص برؤي مختلفة لا بصيغة واحدة.

....................

نشر في مجلة (الثقافة الجديدة) ـ أغسطس 2012