wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأحد, 25 يونيو 2017 19:21

الخلفيات الكونية لأحداث الثورة.. قراءة في (الخروج إلى النهار) لنجلاء علام

كتبه

د. محمد السيد إسماعيل

لا نستطيع أن نعبر ذلك العنوان اللافت الذي اختارته الكاتبة " نجلاء علام " لروايتها الأخيرة (الخروج إلى النهار) ليس فقط لدلالته على معتقدات المصريين الذين رأوا (الموت) عبورا إلى (النهار) الدائم بل لأنه يكتسب دلالته الراهنة – التى لا تفترق عن تلك الدلالة العقيدية القديمة – حين يتم الحديث في مشاهد الرواية الأخيرة عن أحداث ثورات الربيع العربي بحيث يصبح (الخروج) دالا على فعل الثورة كما يصبح (النهار) / الحرية / العدل غايتها المنتظرة لكن الوصول إلى هذه الغاية لا يتم إلا عبر ما أسميته بالخلفيات الكونية والانتقالات التاريخية الفاصلة وهو ما استلزم افتتاح الرواية بالسارد العليم الذى يبدأ استعراض (نشأة الكون) بإيجاز تمهيدا لما سيحدث فوقها من وقائع واستباقا للصراع الذي سوف يحكم بنية الرواية رغم تعدد أطرافه وذلك من خلال الإشارة الموجزة الدالة : (كون استقر بعد عراك وبدأ يرى نفسه نجوما وكواكب وأجراما) (الخروج إلى النهار نجلاء علام ص9 دار الأدهم 2013) هذا العراك / الصراع الذى نراه على المستوى الكونى سنجد تجلياته في عالم البشر بمجرد ظهور الإنسان على الأرض حيث يتم الانتقال لقصة قابيل وهابيل من خلال ما يعرف بـ(الثغرة) أو (الفجوة) الزمنية وتغيير وضعية الراوى من السارد الخارجى إلى السارد الداخلى المشارك في الحدث بضمير المتكلم وسوف نكتشف أنه (قابيل) ، واللافت أن الكاتبة لا تلجأ إلى ثنائية (الشرير) و (الخير) أو (القاتل) و (القتيل) بل تعطى الشخصية إمكانية التعبير عن منطقها ونوازعها مما يصنع درجة من التعاطف معها في مصيرها الأخير حين نقرأ مثلا ما يقوله قابيل عن هابيل شقيقه وغريمه (يزورنى في الأحلام كثيرا فأجده سعيدا بوقوعى في الشرك يقول : - نلت أنا السلام والمجد أما أنت فنلت الندم) ص10 .

وبعد هذا المشهد السردى نجد أنفسنا أمام نقلة زمنية واسعة ويظهر ذلك من خلال بعض العلامات الدالة على العصر الحديث : مكبرات الصوت ، آلات الحفر العملاقة ، زجاجات المياه ، الكشافات ورغم هذه الانتقالة الزمنية الواسعة فسوف نلاحظ تشابها بين العصرين : العصر الذى قتل فيه هابيل الرامز للحب والرقة وأشواق الروح لتهيمن على الواقع قبضة قابيل القوية والعصر الحديث الذى تهيمن عليه المادية ومنطق القوة ، وهيمنة (المؤسسات الخمس التى تدير العالم) (ص13) ومما له دلالة أن هذا التوصيف يتضح من خلال حوار بين رجل وامرأة داخل حفرة كبيرة يعمها الظلام وهو تصوير كنائى عن الدول التى تقع تحت هيمنة هذه المؤسسات الخمس الكبرى التى تدير العالم ، وقد ترتب على ذلك ما يمكن أن نسميه بـ (التنميط) حيث يتكلم الجميع لغة واحدة تطلق عليها الكاتبة اسم (الفصلا) وهى لغة تعبر عن كل ما هو موجود ومرئى وليس بها ما يعبر عن (الرؤى والمشاعر) وهو ما يتوازى مع قتل هابيل الرامز – كما قلت – للحب وأشواق الروح وهكذا يتجاور فعل الهيمنة والقهر وتقنيات الحداثة وما بعدها فيصبح مجرد تربية نبتة في (أصيص) خرقا للقوانين لما يترتب على ذلك من استهلاك كمية زائدة من الأكسجين الذى هو (موزع في الجو بالتساوى) ص14 كما يصبح الغناء والنزول إلى الشارع في غير الأوقات المسموح بها من الأمور المخالفة التى تستوجب العقاب ولنلاحظ أن (الغناء) كان إحدى صفات هابيل ، كما يتم استبدال (الرقم) بالاسم تقول الساردة (أما ما قضى علينا تماما فهو إصرارها [ تقصد الأم التي تغنى بلغتها القديمة المختلفة عن الفصلا] على مناداتى بـ (اسم) وكنت قد رقمت منذ الولادة وحصلت على حرف (232ف) ) (ص14) واستبدال الطفل المعدل وراثيا بالطفل الفيزيقى الذي جاء نتيجة علاقة بين ذكر وأنثى حيث أصبح ينظر إلى هذه العملية على أنها (تعبير صريح عن حيوانية الإنسان وعدم اكتمال إرادته ) (ص15) وفي مقابل هذه النقلة الزمنية من الماضى إلى العصر الحديث نجد ارتدادا مرة ثانية إلى الماضى الذى يقدم هذه المرة على لسان زوجة قابيل بعد قتل أخيه والتى ظلت مشتتة بين هابيل الذى تعيش معه بعاطفتها وقابيل الذى تعيش معه حقيقة في الواقع حتى أصبحا في رؤيتها كما لو كانا شخصا واحدا حين نتأمل قولها (وجاء قابيل ولكن عيون هابيل لم تمت كنت أراها حولى في كل شئ في أوراق الأشجار في مياه الأنهار في عيون الغزال المارق أمامى .... وحتى في عيون قابيل عندما أرضخ له بعد عراك طويل أدخل فيه ببسالة لأكفر عن صمتى وأرضخ عندما أرى عيون هابيل ويد هابيل وقلب هابيل) (ص19) نستطيع إذن توصيف الصراع الذى تقوم عليها الرواية بصورة عامة بأنه صراع بين إنسانية الإنسان ومحاولات تشييئه ومن هنا يأتى الحديث عن تشويه الأنوثة وإخفائها (لكى يطمسوا أي ملمح أنثوى فينا لابد من حلاقة الشعر بشكل دورى وإضمار الثدى عن طريق التعرض لأشعة معينة كل فترة) (ص28) ولتأكيد هذه المعانى تتخيل الكاتبة مكانا تطلق عليه اسم (الهوانا) تخلو سماؤه من الطيور ويبدو فيها الجميع (كقطيع مبرمج على الطاعة) (ص33) ويتم استخدام الإشارات والإيماءات تعبيرا عن المشاعر واستهداف الناس وقتلهم بأساليب مختلفة كما يبدو في اللوحات القصصية [تمرين ، قهوة باللبن ، ليالى غير قصيرة ، فوق الجبل ، أياد بيضاء ص41-45] وشيوع أنماط الحضارة الاستهلاكية وتقديس الذات بالمعنى المرضى الذى لا يرى غيرها مما أغلق دون الإنسان تعدد الاختيارات "فمنذ اختار الإنسان أن يقدس نفسه ويؤمن بها كطريق وحيد لبناء هذه الحضارة قل بالتدريج استعمال كلمة اختيار كأن هذا الاختيار الأكبر للإنسانية محا ما عداه من اختيارات (ص46) وبهذا المعنى فإن الكاتبة تنظر إلى أمانة الاختيار التى حملها آدم بوصفها محققة لإنسانيته وطريقته لتعلم الأسماء كلها على تناقضاتها وكان ذلك بداية (السعى للطيبات والندم على الخطيئة واكتملت الفطرة) (ص23) هذا التعدد والثراء والقدرة على الاختيار المرادفة للحرية والتى تجسدت منذ هبوط آدم إلى الأرض ظلت تتراجع حتى أصبحنا أمام الإنسان المخطط بتعبير يوسف إدريس أو (الملون) و (المرقم) بتعبير الكاتبة وإذا كان الإنسان قد وصل إلى هذه الحالة من التشويه والمسخ فإن الرواية تطرح في مقابل ذلك العديد من وسائل المقاومة تمهيدا لفعل الثورة التى تنتهى بها الرواية ومن هذه الوسائل استنفار الروح المصرية واستحضار قدرتها على البعث والتجدد على نحو ما يظهر في رمزية إيزيس وأزوريس (إيزيس وأوزوريس يجريان في البرية تنمو سنابل القمح وتسمق الأشجار يشربان من النيل فيفيض) (ص64) ومع ذلك تظل هناك رغبة في ابتكار الجديد حتى لا يبدو الأمر مجرد حنين إلى الماضى واستعادة واهمة له والأمر نفسه نجده في استحضار هانيبال البطل القرطاجى التونسى في إشارة تمهيدية إلى الحديث بعد ذلك عن الثورتين المصرية والتونسية حيث يبدو هانيبال شاهدا على الجموع التى تملأ الشوارع والميادين (ص85) .

يظل إذن فعل المقاومة ملازما لمحاولات المسخ فنجد في بعض المواضع السارد والساردة وهما ينزعان (الشريحة) التي تحول الإنسان إلى مجرد آلة لا تستطيع اتخاذ قرار وتبدو (هذه الشريحة) سجنا يكبل قدرات الذات (عندما أضاءوا المكان كان هامدا ورأسه ويده تتساقط منهما الدماء فتح كفه فوجدت الشريحة قال – لقد نزعت سجنى) (ص53) وامتدادا لهذه الدلالة تصبح الرغبة في الطيران مردافة للانعتاق من قيود المادة وقوانين الضرورة (وشعرت أن يدي تتحولان إلى جناحين وأننى أرتفع وأعلو وحينها بدأ الضوء ينتشر ) (ص73) .

هذه الرغبة في الطيران / الصعود / السمو تجعل من الجنس ميلا وحبا دون أن تمنع دلالته الحسية ويصبح وسيلة أخرى لتحقيق الذات ولنتذكر أن (الهوانا) – هذا المكان التخييلى – يتعامل مع الجنس بوصفه وسيلة بدائية حيوانية تجاوزها العلم في العصر الحديث وهكذا تصبح استعادة السارد / الساردة لحيوية الجنس / الحب / التواصل الإنسانى نوعا من مقاومة اغتراب الإنسان في العصر الحديث كما يصبح ميلاد طفل تجسيدا لهذه المقاومة على أرض الواقع ومن اللافت أن هذا الحديث عن الجنين الذى سوف يعيد للبشرية ما أقتنص منها يأتى بعد الحديث عن الثورة التونسية وهو ما يصنع متوازيات دلالية داخل السرد الروائي كما نجد مثل هذا التداخل الدلالى حين تستحضر الكاتبة إيزيس ، والملكة تي ، وكيلوباترا في قلب الحديث عن الثورة المصرية .

هذه المستويات العديدة من الصراع التى يمكن تأطيرها إجمالا في ثنائية القمع / الثورة كانت مغرية باستخدام لغة خطابية زاعقة لكن الرواية تنجح – باستثناءات قليلة – في البعد عن هذه الخطابية من خلال توظيف بعض الرموز مثل (السفينة) / الثورة التى تحمل الناس إلى (معجزة الحياة للمرة الثانية ، الفرصة الثانية التى ربما تكون الأخيرة) (ص100) وتوظيف رموز الماء والنار والطائر الجميل الذي فجر في الساردة الرغبة في الطيران والسمو ، على أن أهم رمز ينبغى الالتفات إليه هو رمز الغراب الذى تنتهى به الرواية ، فوسط هدير البشر وانطلاق الاحتفالات لتحقيق أهم مطالب الثورة (كان هناك طائر أسطوري يحلق في السماء) (ص104) وهى إشارة هامة أبعدت الرواية عن التفاؤل الساذج البسيط بانتصار الثورة فلا يزال هناك غراب أسطوري يحلق فوقها منتظرا لحظة الانقضاض المواتية عليها وهو ما يستلزم ضرورة الانتباه لكل ما يجهض قوى الثورة وأهدافها .

....................

نشرت هذه الدراسة بمجلة : أدب و نقد العدد 341 – سبتمبر / أكتوبر 2014

 عودة إلى الملف