wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأحد, 25 يونيو 2017 18:54

(نصف عين) لنجلاء علام رواية تجعلنا أكثر اقترابا من جراح نفوسنا

كتبه

إبراهيم فتحي

نجلاء علام كاتبة محجبة الزي ، بعيدة عن صخب الاستعراضات الحداثية والنسوية . ولكن كتابتها المتميزة في القصة القصيرة ( أفيال صغيرة ) ، شقت لها مدخلا روائيا شديد الجسارة في تمزيق الأستار والحجب وكشف المحظور عن حياة النساء المصريات .

وعنوان روايتها ( نصف عين ) قد يوميء إلى صفة النصف الملصقة بالمرأة فهي لا تكتمل بذاتها بل برجل ، هي جسد وعاطفة وسلبية تشتاق إلى عقل واستجابة و إرادة فاعلة .

و ربما يضللنا الإهداء إلى زوج الكاتبة : كل شيء أُهديه إليكَ ضئيل ، حتى القلب. فنظن أننا أمام نظرة رومانسية تقليدية لدور المرأة ، ولكن العين التي تبصر الأشياء والأفعال والشخصيات في الرواية ، عين المرأة التي تروي الحكاية وتقسّمها فصولا وتنتقل بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات مطروحة هي نفسها للتساؤل والتحليل وتعيين الحدود والنقاط العمياء .

إن وجهة نظر الراوية جزء من العالم المصور وتجربته وعلاقاته المتناقضة فيما يتعلق بتغيرات أدوار المرأة .

وابتداء من السطور الاولى نلتقي بساعة يُصّرُ عصفورها الصغير ، مع قياس الزمن على الخروج من مكمنه وإخراج لسانه بصوصوة حادة  تفزع الكبار ، والشخصية الرئيسية ( الخالة نور)  ترى في عينيّ البنت الصغيرة عينيّ توأمها هي نصفها الآخر المتناقض معها ، فترتعب حينما تمر عينها على الجدران المليئة بالرسومات والتعقيبات ، تمر عين البنت معها صورة رجل بلا عينين ، يجلس وهو يمسح نظّارته الطبية ،  ووراءه كثير من البرتقال المتألق بالعصارة ويعجز عن رؤيته ، وتتذكر حكاية رئيسها فى المجلة قبل أن تُطرد منها ، ودعاها إلى فيلم وبعد انتهائه ، مدَّ يده إلى كتفها ، و جذبها إليه ، و رأت عينه تغيمُ و وجهه يقترب ، فاجأه شرر عينها فارتعد أكانت عيونها مرعبة إلى هذا الحد ؟

الحكاية بضمير المتكلمة وكأنها رأت مشهد عينها ( بالمفرد ) ، وتساءلت عن قدرة عيونها ( بالجمع )  على الإرعاب ، وتواصل في ذكرياتها التساؤل : عن لماذا بكت عيناها بعد أن أغلقت باب حجرتها .

وعلى الصفحة الأولى نقرأ رقم واحد ، ولم نجد بعد ذلك تواليا رقميا ، فهذا الفصل المُرقم يضع الرؤية الشخصية لنور فى الصدارة ،  فتدمج داخلها الخيال الخارجي الشامل لحياة الآخرين ، وتغيرات الأوضاع وصوت ذوي القربي وحركة الزمان .

 وفي هذه الرؤية لا تتلو لحظات حياة الشخصيات كل منها الأخرى ، مرتبة فى نظام سابق ولاحق ، لأن نور تمسك بالزمن من ذيله ، فالمشهد الابتدائي يقدم من وجهة نظر وبصوت الشخصية الرئيسية ، فهو المشهد الذي سينزلق إلى الخاتمة في اللحظه قبل الأخيرة المثقلة بكل ازدواج وتناقضات عالم نسائي شديد الحيوية والتعاسة .

وتصف المؤلفة الحالات النفسي بطريقة وصف أشياء العالم ، فليست عينها آلة تسجيل تنحصر علاقتها بالأشياء في علاقة شمع طري تنطبع فوقه الأختام ، و اللغة الوصفية في قصص نجلاء وفي روايتها ، جعلت العين قاعدة وثوب للذكريات والأفكار ، فيصبح الإدراك البصري مشحونا ، ومحتويات الحجرة فوق سطوح العمارة الضخمة محملة بالقيمة الشعورية وممتلئة بالزمان والوجود الذاتي .

البوتجاز المسطح والحنفية الباكية والكليم والصندوق والكرسي والفازة تقدم نفسها للعين كذكريات وكدوافع ،  كمشروع لحركة أو فعل أو تحقيق أُمنية ، إنها تمثل حركة سابقة نفسية تجمدت وتظل كامنة وهي لا تتحدد بطبائعها وصفاتها ، بل تنظم نفسها في السرد ، وحول انفعالات نور أشياء عليها صدأ البؤس المادي أو جمال الأُمنيات كلها تدور حول ذات داخلية ثرية ، بنوازغها ورغباتها المختلطة ذات أخفقت في تحقيق أعمق احتياجاتها داخل الحياة الاجتماعية المفروضة .

 وتطلب منها البنت الصغيرة حكي حدوتة ( كان يا ما كان ) ، ويبرع الأسلوب اللغوى الذي يُجسّد وجهة نظر نور، من خلال لغة نجلاء علام ( المؤلفة ) في إبراز دور الحكايات والأفلام والأغاني في تشكيل الذات السرية للبنات واحباط الواقع لها . الحدوتة ( كان يا مكان ) هل يعود الزمن ؟

شاخت روح الشابة وانتهى الأمر غير أننا مازلنا نحفر فى التراب بأظافرنا ، عَلَّنا نصل يوما الى ماء نرتوي به ، إن أناقة العبارة تصور احساسا مركبا وتشير حركة الكاتبة نحو زخرفة العبارة ، إلى خيالها ووعيها وهما يمارسان سلطتهما على مادة القصة.

أمير الحواديت أو رشدي أباظة بالنسبة إلى سعاد حسني يناجي أميرته أو يُقبّلها قُبّلة ممتدة ، يقتل أو يغلب ألفاً ومائة ، ويحطم العوائق والقيود ويحمل الأميرة بساعده القوي ، ويضعها على ظهر حصانه ، منطلقا إلى البعيد ، لماذا نعيد أدوارنا بصدق هكذا ، وكأننا ممثلون دائمون على مسرح متغير ؟

نور بخلاف توأمها أو على العكس منها ، قصيرة الشعر ، و ليلى ضفيرتها طويلة وشعرها حالك ، تسير نور على قدميها محاولة الاتزان ، تختلف عن أمها وأختها على الرغم من أن البنتين التوأمين ، كانتا كفرعيّ شجرة ، ارتاح كل منهما على الآخر واطمأن ، وردتان متشابكتان تخرجان من عنقود واحد .

ولكن النصفين اللذين يشكلان معا الوضع الموحد المتناقض لامرأة الطبقة الوسطى الصغيرة المتعلمة ،  ولعينها التي تنظر فى نفس الوقت في اتجاهين مختلفين لهما استعدادات وتوجهات متعاكسة ،  نور مستقلة مغامرة ،  تكشف العالم  لنفسها لا تعيش في فيلم ، تختار الكلية التي تناسبها وتتجشم السفر للقاهرة ، برغم اعتراض أمها ، هي  تشعر وتفهم وتحس وتحتاج ، ودفعت نفسها بنفسها لكي تنتزع ماتريد ، وتجشمت مشوارا طويلا متعبا في الدراسة والعمل والحب ، هي بلا ظهر و لا تبحث عن ظهر .

 تتذكر حبها وتأتي باسمه من ركام الأشياء في الذاكرة ، أنقذها من عربة مرت كالصاروخ ، وهي مشتته الذهن بعد مشاجرة حول جريدة حائط فى الجامعة ، حينما نزع يده من حول كتفها ، شعرت بمدى قوة قبضته ، عملها وعمله بعد التخرج بلا إشباع ، مجرد جري وراء اللقمة ، هي سكرتيرة في شركة خاصة ، وهو يعمل عملا متقطعا ، في شركات مختلفة ، ونسي بكالوريوس العلوم وخرج ( بره ) ، في فريق ألف .. فاء .. ألف .. أي : انتظاره فرج الله .

لا أمير و لا أميرة و لا فرس

لم تبتلع نور حالة المحبوب في الحكايات والأحلام ، هل سقطت الهالة ومعها الحب ذاته ؟ لا أمير و لا أميرة و لا فرس ، فستان أبيض لبسته قبلها مائة عروسة وبعدها مائة ، إعادة نفس المشهد مع تغيير الأبطال ، ورغم أنها ظلت تحلم وبيدها سندوتش الفول ، تهتز على كرسي ثمين ،  لم يشق الجدران رشدي أباظة ،  و لا حتى أحمد رمزي أو مصطفى قمر ، الآن تعبت من دفع نفسها بنفسها ، وتساءلت مثل كل الشخصيات النسائية ، التي تتبنى أنواع الغباء الشائعة المستعملة : أليس من حقي أن يكون لى سند ؟

وتعلق على الحائط لوحة كرتون لقلب مجهول بقدم واحدة ،  وعكاز فى اليد .. يقع و يقوم و يسير ، وحينما وصل إلى نهاية اللوحة ، لم يجد شيئا ، وفَضَّلَ أن ينتحر فرمى نفسه من اللوحة على البلاط ، فترك انتحاره أثراً مُدميا على الحائط والبلاط ،  إن قلبا وحيدا ليس بقلب ، و لا تترك قدماها أثرا وراءها ، ونضبت الأحلام و وراء جسدها فراغ ، أما نصفها الآخر النظرة إلى الاتجاه الآخر من العين المقتسمة فتختلف ، إنها تحب الحب ، وجود رجل في الليالي الباردة ،  يمد يديه فيأتي بالدفء ، يهمس في أذنها ، ( أحب الرز بالشعرية ، و ريحة شايك ) ، ينط داخل الشاشة فيرتدي بذلة أنور وجدي و يراقصها بدلاً من ليلى مراد ، تراه أينما تنظر ، صورته مستقرة في عينيها ، و ترى مفاتنها الأنثوية بعينيه وافقا وراءها في المرآة ، تحتضن يده يدها ، فتسري في جسدها رجفة تتشبث بيده من آن لآخر،  وهي جالسة بجواره مرتدية الفستان الأبيض ،  لتتأكد أنه من لحم و دم ، وليس من غمامة الأحلام. تسافر سنة إلى الكويت ، هو اختار ليلى الهادية النادية بدلا من نور ( البراويّة ) وكيف يتحرر من ارتداء ملابس خاله القديمة ؟

ركن البكالوريوس واشتغل بالحرف المربحة ، جدار المال يحمي ظهره ، ليلى الممرضة تعفيه من دفع فاتورة طموح أاختها ، وبعد أن أنجبت بنتا ، وواصلت الحمل ، يغزو صدام الكويت ، ورغم نزفها فى العربة ،  يعود زوجها إلى الوراء للبحث عن ماله ، لابد من تكمله الطريق ، ويدفعها في الرمال بلا قبر و لا شاهد ،  تمتصها الرمال في الصحراء البعيدة .

وبعد الافتتاحية الروائية ،  يقوم البناء على تكرار دور واحد للمرأة فى تنويحات تردد الأصداء ، عناوين :  أول مرة : الأم وزواجها من الأب ، ثم ليلى وزواجها وعنوان آخر عن ذكريات نور وحاضرها وأسرارها ، وهل تعود المتمردة إلى تمثيل دور أختها . فترث زوجها وتُربي ابنتها ، فيربط العنوان بينها وبين زوج أختها  .

 الأم على لسانها تصف ليلة الدخلة ، فلا بد من رجل يساندها بعد موت الأب الشيخ ،  تصف الحركات الزوجية دون احساس ، تقوم في الصباح وهي تتثاءب ، إعداد ماء الاستحمام الساخن ، توقظه وتضع الأطباق على الطبلية ،  كأن شيئا يحفر داخلها ، وعلى قدر ما يصيب من الألم ، يعطي اللذة ، وبعد موته ترى جلبابه معلقا أمامها ، أعمام البنات كالكلاب المسعورة ، وإخوتها الذين شقيت بالعمل في مصنع لتربيتهم ، أغلق كل واحد بابه عليه وعلى أولاده ، فباعت مركب الزوج  ووضعت النقود ومعها خاتمه الفضي فى حرز حرير ، حق البنات ، وتتذكر أنها وهي تلد ومع الطلقة كالرفسة فى الظهر، جرت يده على شعرها الحلو ، وليلة الدخلة مع الزوج الثاني ، حينما يقترب ويمرر يده على جسدها تصحو أشياء بداخلها قديمة مع زوجها الأول كانت قد خمدت ، وتُدمج الاثنين ، الأم تواصل الغناء للحبيب الذي راح ، وترفض أن يكون مرحوما ، فهي كما تقول في عز شبابها ، وتقارن في مشاكسة ابنتها بين صباها هي ، وما طرأ على ابنتيها من شيخوخة أنثوية ، تُضحي من أجل البنات ،  ولكنها تغار من بناتها ، فالأنوثة رأس مال وجودها .

ليلى السهتانة

ونور المتمردة في المدرسة ، تترك توأمها تتعرض للعقاب الشديد بدلا منها ، ولم تسألها بعدها عن الصمت الحقير ،  ولكن ليلى بعد وفاة الأم ، حينما عادت نور من القاهره لطمتها بماء الغُسل ، وندبت متهمة إيّاها بأنها لم تحس بأمها ولا بها ، ولم تحمل قَطّ هم العائلة .

وبعد موت ليلى ، تتخيلها نور تزجرها وتزعق في وجهها متهمة إيّاها برفع يدها المتآكلة اللحم ، الزرقاء العظام ، بأنها السبب في كل مصيبة ،  وحينما تكتشف نور أن ليلى كان عندها ما تخجل منه و تخشاه ، فقد سرقت المال الذي خبّأته الأم وهي حبيبتها السهتانة ، وأهدت الخاتم الفضي لزوجها ، تضحك وتواصل الضحك تشفيا ، الحنون حاملة الهم تسرق حق توأمها منافساتها ، رغم احتياجها المادي ، جانب من العلاقة بين الإناث في المجتمع الأبوي ، وافتقادهن الاستقلال والأمان ، وانتظارهن للرجال في تحديد مصيرهن ، يجعل المنافسة شديدة الحدة ، (  إن كان بختك (زوجك) في حجر أختك خديه واجري ) .

 ولماذا فرضت النهاية الفاجعة على المرأة المتكيفة على الدور التقليدي ؟ إنها ثانوية قابلة للاستبدال ، يسعى الزوج وراء التحقق المادي بالهجرة فالحياة الكريمة مستحيلة داخل الوطن، وكذلك الحال مع المتحررة ، فالعيون تلتهمها دون تفكير في الحب أو الزواج ، وحبها المتواري في القلب الذي تفضحه العين ، كيف يخرج للصديق الغارق في وحدته وفي سفره بعيدا بحثا عن الحد الأدنى من مقومات الوجود .

لقد تحولت إلى دمية يُحّركها زمبرك ومواصلة البقاء ، وتضحك من نفسها ولكنها تمد يدها إلى رأسها محاولة لف الزمبرك ، حتى تستطيع تكملة اليوم ، ولكن ابنة أختها تُدخلها فبريكة الخيال والأحلام والأسئلة ، فتجعلها تفتح خزانة التساؤل والاندهاش داخلها ، وتلعب مع الطفلة الحجلة ، وتصبح مثل بندول ساعة ، يتأرجح بين نعم و لا ، فى عرض الزواج من زوج أختها الذي يذكر أنها تلفحه بوهج جسدها الفائر، ويبدو أن السرد شديد الرفق بالباحثين عن المال وتكديسه فى أنانية وضيعة ، فيضع على لسانه أنه ماعاد شيء يشعره بالأمان ، ولا الأصفار التي كوّمها في البنك ، ويضع داخله زمبركا عاطفيا روحيا مفتعلا ، لا يتطابق مع خرائب نفسه ( انزلاق إلى الصورة السينمائية السطحية عن الاحتياج الرومانسي إلى الحب والقلب والروح عند الجميع ، الحب يهزم كل شيء ) .

الزوج الثاني للأم في هذيان حب ، يتخيلها دائما حية رغم سعيه إلى ما معها من مال ، ويتنصل من مسئولية تعليم البنات ، والسطور الأخيرة ، هل تصف حفل زفاف تحس به نور ضجيجا بلا داع ، وهي تسير بقوة القصور الذاتي ، ويدها في يد لبنى ابنة أختها ، وعقد من الحرير حول رقبتها ، يتدلى بنعومة ، فما الذي يعنيه خفق القلب الآن ؟

إن الشباب والشابات في هذه الرواية يتامى ، الأب غائب ولا يجدون عملا حقيقيا في بلادهم ، ومضطرون إلى الهجرة ، تهبط عليهم النتائج السياسية كالكارثة ،  ولم تقصد الكاتبة نجلاء علام ، أن تقدم نماذج إيجابية ، أو صوراً جديدة للمرأة ، ولكنها ارتادت وضعا ومأزقاً للذوات البعيدة عن التكامل والتطور ، المتناغم للشخصية اللاإنسانية تقمعها وتشوهها ، وتجعلنا هذه الرواية أكثر اقترابا من جراح نفوسنا .

.............

جريدة القاهرة : العدد 196 ، الثلاثاء 13 يناير 2004 .  

 عودة إلى الملف