wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأربعاء, 17 مايو 2017 19:38

أطروحة بيكاسو عن الشعر

كتبه

 

رؤية تحليلية لديوان: أركض طاوياً العالم تحت إبطي للشاعر: محمد القليني.

 محمد الجمّال .

 بقي الشعر في العقود الأخيرة حقلاً لتجارب نظرية كثيرة ساهمت في استغلاق النص على القاريء، وأدارت عراكاً حامياً بين أرباب الفن الواحد بحيث يقصي أحدهم الآخر، ذلك لا ينكر بالطبع وجود تجارب متفردة يحترمها الجميع، ولكن تبقى مشكلة التعريف المعجمي للشعر قابعة ومترصدة بالقاريء والشاعر معاً، وإلى أن يحل الشعر مشاكله مع نفسه ابتعد القاريء ووجد ضالته ومتعته في الدراما. كان على الشعر أن ينشأ حواراً مع الفنون الأخرى.

أطروحة بيكاسو: في رأيي كان ديوان ( أركض طاوياً العالم تحت إبطي)، محاولة جادة لإدارة هذا الحوار، ولاقتراح عبر نوعية مهذبة تنصاع للجنس الأدبي ولا تتفلت منه، وبدون أن تتراكم الأنواع على النص فتزحمه وتجعل منه طلسماً يكدح القاريء في فك شفرته، لجأ القليني لحيلة تنوير النص من خلال استعانته بفني الدراما والتشكيل.
 -
في مقدمة الديوان يقف القليني في منتصف قصيدته مثل مطرب شهير يقف في دائرة إضاءة زرقاء، يلقي بقبعته إلى الجماهير ويفرقع بأصابعه ليؤكد الإيقاع؛ خلال ذلك يسرب بعض المعلومات الضرورية للدراما التي ستنتظم الديوان من أوله إلى آخره.
(( اسمي محمد القليني/ أكتب الشعر/ وأعمل في شركة ملابس/ ليس بين الأمرين أي تعارض/ فثمة مخزن كبير أكدس فيه قمصاناً مستوردة/ يتهافت الناس على شرائها/ وثمة قلب كبير أخزن داخله قصائد/ لا تجد لها مشترياً))

(( تقول زوجتي إن بيتنا قديم/ وأن حجرة الأطفال لا تتسع لسريرين صغيرين))
 
لكن القليني عن قصد يستخدم موسيقى أبلغ تأثيراً من تفعيلة الأبيات ذاتها، موسيقى تعتمد أساساً على جزالة اللفظ وبراعة التخييل.

((  فكتبت بيتاً شعرياً ذَا مجاز رحب/ وقلت وأنا أشير إليه/ يمكننا أن ننام هاهنا الليلة))

وتأتي الدراما هنا كحل أو كفرضية جديدة للإمساك بالمجاز المتطاير في أركان القصيدة، تأتي الدراما لتجعل المجاز متماسكاً في فسيفساء اللوحة الكلية.

(( وبدلاً من الجبن والخبز، وحليب الأطفال المعقم/ اشتريت ديوان شعر ورزمة أوراق/ أنت أب سيء جداً/ هكذا صرخت زوجتي وهي تأكل الديوان بغيظ/ لكنها تركتني ألعق الجمل التي علقت بشفتيها/ حتى أخر حرف من كلمة أحبك))

وبالرغم من جزالة اللفظ فإن للمتون شفرة عميقة لا يمكن حلها إلا من خلال تتبع عناوين القصائد.
(نافذة تطل على نهاية العالم، البحر يحرض غيمة على التهام نوارسه، موسيقى ميتة فوق جيتار مهشم، أمشط شعر أحلامي في مرآة جديدة، وردة خرجت من فوهة بندقية..... وهكذا)
 
أسماء القصائد عبارة عن صور مركبة شديدة التعقيد، قائمة بالأساس على فكرة التناقض وإعادة تشكيل العالم، بشكل يجعل الأشياء المذكورة في العنوان تؤدي فعلاً مغايراً لما تفعله في الواقع عادة.
ولتفسير العناوين يلجأ القليني داخل مقطوعاته الشعرية  إلى مجاز من نوع مختلف؛ ليس بالتشبيه ولا هو الاستعارة، لكنه مجاز الاقتراح، يبدأ بتعليق الفرضية على شرط مستحيل، ومؤداه ( لو كنت كذا لفعلت كذا وكذا)، أو ( لو كان كذا لحدث كذا وكذا)، مجاز واسع مترامي الأطراف لا تكتمل حياكته إلا بتفاصيل كثيرة تحتوي تصويرات ضمنية متممة.

(( لماذا يا الله لم تخلقني شجرة؟/ كان من الممكن حينها أن أبسط ذراعي/ فيقف عصفور فوقها ويغني/ أو أن أتبرع بقطعة من جسدي/ ليصنع بها عاشق جيتاراً/ ولا يكف عن العزف تحت شرفة حبيبته/ أو أن أقهقه حين تدغدغني الرياح/ فتسقط من جيوبي تفاَحتان/ فيأكل رجل فقير واحدة/ ويحمل الأخرى إلى زوجه التي تتضور جوعاً))

(( خطر على بالي ذات مرة أن النجوم تصلح لحياكة سترة مضيئة/ سترة أحضر بها أمسيات الشعر/ وأترك ضوءها يبهر أعين أصدقائي))

(( هل تقبل ماكينة التصوير أن أتمدد خلالها/ وأطبع مني عشرات النسخ/ قولوا لها أن واحداً مني/ لا يكفي لصد طعنات الموسيقى))

ثالثاً: الاستدراج؛ لا تكون النصوص ممتعة وغنية من غير تحايل على القاريء يوقعه في شرك الدهشة والمفاجأة، وبرغم مرانه على أسلوب الشاعر قصيدة تلو الأخرى، لكنه لا يرى اليمامات التي يخبئها في أكمامه، ولا يعرف الغاية النهائية. وبرغم من تقديم القليني لنفسه كشاعر منذ السطور الأولى إلا أنه أوجد حالة وفاق بينه وبين القاريء بابتعاده عن اللفظ والبلاغة المعتادين لنصوص الشعر المعروفة، بل وزيادة في التمويه سخر من نفسه ومن الشعراء على مدى قصائد كثيرة.

(( أنا أكره الشعراء كثيراً/ خصوصاً حين يقضمون أظافر الليل مثل فتاة خائبة/ الشعراء الذين يقذفون الأعداء بالمجاز بدلاً من القنابل))

(( لماذا يا الله لم تخلقني شجرة وخلقتني شاعراً/ حين أتحدث تتساقط من فمي كل حبيباتي السابقات))

((حين أموت لا تحملوني إلى القبر مباشرة/ أريد أولاً أن أشاهد زوجتي وهي تلقي كتبي/ في أول عربة روبابيكيا تمر أسفل نافذتها))

(( الشعراء هؤلاء سذج جداً))

ولكن إن كنا نسخر من سذاجة الشعراء فلنلق معاً نظرة خاطفة على واقعكم الذي تعتدون به، من وجهة نظر شاعر.

(( لم أكتب قصيدة عن البحر/ لأني خفت أن تصطدم كلماتي بالمراكب الغارقة/ أو أن يتسخ قلمي بتقيؤ شاب/ أصابه البحر بدوار/ في أثناء هروبه إلى بلاد صدرها أكثر رحابة/ وأيضاً لم أكتب قصيدة عن السماء/ لأن أحلامي بلا جناحين يأخذني إليها/ ثم إن البنادق في الخارج لم تترك عصفورة إلا وقتلتها،،،،،،،،،،،،،،،،/ أنا شاعر لم يكتب عن أي شيء تقريباً/ فقط في مرة كتبت قصيدة عن قبر بحجم وطن/ ثم ألقيت جسدي داخله ومت))

(( النجوم يا صديقي لم تخلق/ إلا للنوم فوق أكتاف الضباط))

باستدعاء المقارنة بين العالمين ينتبه القاريء لمدى رحابة المجاز وقدرته على إعادة تفسير الواقع، ينتبه لحاجته إلى الشعر، فيتمنى لو كان الشعر أسلس قياداً وأكثر طرباً،، لكن الشاعر يقع تحت وطأة سلطات كثيرة أولها الفقر، وسلطة الإدارة التي ترفض تحركه إلا ك ( جثة مهذبة)، تدخله المعارك والحروب رغماً عنه، تراقبه؛ الزبال الذي يتناول منه كيس الزبالة يكتب عنه تقارير أمنية؛ يستيقظ في السادسة، يمسح دموع النافذة التي هجرتها العصافير، يكتب قصيدتين أسبوعياً، ولا يتحدث إلى أحد من أصدقائه.. لو أضفنا إلى ذلك سلطة الناقد المتعجرف الذي لا ترضيه البساطة ولا يعجبه العجب، لكان ذلك كافياً القاريء أن يراجع نفسه، كيف للشاعر أن يكتب موسيقى منتظمة وهو مهشم على ذاته، على القاريء أن يكون نشيطاً ومهتماً بالقدر الذي يسمح بزيارة قصيدة. تلك هي الدراما التي صنعها القليني وجعلت القاريء يتعاطف معه ويحترم مأساته كشاعر وإنسان له نفس مشاكل القاريء لكنه يؤمن بضرورة الخيال.

أخيراً: علبة الألوان: خيال القليني وروعة تصويره على مدى الديوان تجعل القاريء متلهفاً للمشاركة في اللعبة،يرغب في إعادة تسمية الأشياء وكسر الروابط القديمة التي تصلها عادة ببعضها، وهنا يتصرف القليني كسريالي خبير باللون يستشيره الناس في شأن لوحات معروفة، منها لوحات صنعها الله بنفسه، هل يراها كما يرونها، فيقول
 ))
على عكس كل الشعراء/ أنا لا أحب القمر/ في صباي شاهدته يكشف/ صدر جارتنا العفيفة لمغتصبيها/ ولا أحب السحب........))
ويقول )) البحر سيدة/ يضربها زوجها قبل  أن يخرج/ فتفتح له فخذيها حين يعود!))

ثم يتعرض للموت والملائكة ويقلل من شأن وحجم المحيطات والسفن. أجمل ما في المجاز أنه لم يكن مفروضاً على القاريء، فليس ها هنا متوسطات التشبيه المعتادة (ك- مثل- كأن)، هذه الكلمات ترد عرضاً في تشبيهات ضمنية، لكن الصورة الأوسع والأهم هي الاقتراح المستحيل الذي قد تقبله أو ترفضه، وبالدراما والتشكيل تستمر لعبة التلوين عالقة في الذهن حتى بعد الانتهاء من قراءة الديوان.

 في النهاية  لم يعجبني أن القليني ختم ديوانه بقصيدة ميلودرامية صارخة، كأنه كان مضطراً لصناعة (فينال) قوي كما قدم ( أوفرتير) مدهش، كان الفنال مجتراً ومنافياً للباقة، كيف تطلب من قاريء استضفته في عالمك وأحسنت ضيافته أن يخرج مطروداً ومهرولاً خوفاً من انفجار القصائد، وددت لو وضع مكانها صفحة بيضاء نكتب له فيها ( أحسنت).

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ناقد وروائي مصري