wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الخميس, 20 ابريل 2017 19:32

الرسالة والرسول .. أكتب بالدم الأسود

كتبه

قراءة في ديوان (أكتبُ بالدم الأسود) للشاعر حسن عامر([1])

 مهاد لابدّ منه:

 

"عندما أبدع هذا الكون ربّ العالمينا / ورأى كلّ الذي فيه جميلا و ثمينا /خلق الشاعر كي يخلق للناس عيونا/ تبصر الحسنَ و تهواه حراكًا و سكونا/ وزمانًا، و مكانا، و شخوصًا و شؤونا/ فارتقى الخلقُ    و كانوا قبله لا يرتقونا/ واستمرَّ الحسنُ في الدنيا و دام الحبّ فينا"

***

بهذه الأبيات للشاعر إيليا أبو ماضي يروق لي أن أبدأ قراءتي في ديوان "أكتب بالدم الأسود" للشاعر حسن عامر؛ وهو الديوان الصادر حديثا (يناير 2017) عن دار بردية، بالقاهرة، إذ يقدّم الديوانَ الشاعرَ – كل شاعرٍ- بوصفِهِ عينَ الإنسانية البصيرة النيّرة، الهادية إلى الجمال، الكاشفة عن مكامنه، والناهية عن القبح، المتصدية له بفضحه، وإن استشرى و سَطَا، إن "الشاعر" وفقًا للديوان الذي بين أيدنا لهو عَرّابُ النور، وعَلَمُ الجمال، وحامل رسالات الخير والحريّة.

وانطلاقا من القول بأن" كل قراءة هي لون من ألوان التشبيه، وهي لون من ألوان التلقي التأويلي الخاص"([2]) كذلك  من أن "القراءة هي البحث عن المعنى من خلال الاعتماد على علامات موجودة في النص، وعلى قرائن توجّه دلالة هذه العلامات"([3]) فإننا سنحاول الاقتراب من العوالم الشعرية للديوان، عبر هذه القراءة التي هي أقرب للتحليل الثقافي، منها إلى غيره.  

ولقد يشير الجذر اللغوي "شعر" في معاجم العربية إلى العلم والدراية "أَشْعَرَهُ الأَمْرَ وأَشْعَرَه به: أَعلمه إِياه... وأَشْعَرْتُه فَشَعَرَ أَي أَدْرَيْتُه فَدَرَى. وشَعَرَ به: عَقَلَه... والشِّعْرُ منظوم القول، غلب عليه؛ لشرفه بالوزن والقافية، وإِن كان كل عِلْمٍ شِعْرًا " ([4])

ووفقًا للثقافة العربية –قبل ظهور الإسلام- فإن الشاعر مهبط العلم والمعرفة في قومه؛ فما يقوله ليس قول بشر، إنما هو مما توحيه له قوى خارقة، غيبية، هي الجنّ، وهو بذلّك مُقَدَّمُ قبيلتِهِ ولسانها الذي ينشر مفاخرَها، ويخلّد انتصاراتها، ويتصدّى لعدوّها بنشرِ مثالبه، وهزائمه، كل هذا بتلك الوسيلة الإعلامية والمعرفية الأكثر ثِقَلًا وأهمية، وهي الشعر.

ولم يدافع تلك المكانة الكبرى للشاعر عند العرب، سوى مكانة النبي -بعد ظهور الإسلام- لا النبي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فحسب، ولكن مكانة النبيّ في ذاتها أيضا، وكان لابد أن تكون للنبي المكانة الأسمى والأكبر، حتى يُسْتَمَع له، وإلا سُوِّيَ بينه وبين الشعراء؛ ولم يكن في نظر العرب لوجوده علّة، لهذا وحسمًا للصراع الثقافي الضمني بين مكانة النبي ومكانة الشاعر، راح النص القرآني ينفي في أطوائه صفة كونه شعرًا، وصفة كون النبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- شاعرًا، بل قرن الشعراء بأولئك الذين تتنزل عليهم الشياطين-بواو العطف كما سنتبين من الآية- حيث تنزّل على كل أفّاكٍ أثيم، بينما يتنزل روح القدس-الملاك جبريل- على النبي، ليلقي عليه قول الله تعالى، يقول الله تعالى من سورة الشعراء "هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴿٢٢١ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿٢٢٢ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴿٢٢٣ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿٢٢٤ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴿٢٢٥وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴿٢٢٦ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴿٢٢٧". ولم يستثنِ الله من ذمّ الشعراء إلا أولئك الذين يؤمنون به ويعملون الصالحات، ويذكرونه كثيرًا، وينتصرون بعد ظلمهم، أي من يتبعون النبي وينصاعون له .

 لكن يظل ثمة سؤال: لماذا قالت العرب إن القرآن شعر والنبي شاعر وليس نبيًّا؟ هل لم تكن العرب تعرف الفارق بين القرآن والشعر؟ وإني أرى أن المعادين للنبي اتهموا القرآن بالشعرية، ليسوّوا بين النبي وبين الشعراء، رغبةً في دحض أهمية الرسالة، وما دامت متوفرةً لديهم سلفًا في قول الشعر، وكيان الشاعر، فما الحاجة إليها؟ وقد ارتكزوا في اتهامهم للقرآن بالشعرية على ما أنبأ به القرآن من عوالم لا ينبئ عن تفاصيلها سواه –خاصةً أن المُدِينين بالأديان السماوية المماثلة قلّة، مقارنة بمجموع العرب وقتئذ، وهؤلاء المدينون حريصون على ألا تصير معارفهم الدينية مشاعًا لكل أحد- إن القرآن الكريم احتكر معرفة ما ينبئ به، وهكذا يكون الشاعر، بارزًا في قومه محتكرًا لمهارة القول والإخبار فيهم، لا يقول ما يقوله سواه، إنما يتفرّد، النص القرآني أيضا تفرّد في الحديث عن تفاصيل بعينها مثل الحديث عن المصير الإنساني في الحياة الأخروية، بداية بالموت والنفخ في الصور والبعث مرورا بأخبار الحساب والجنة والنار، فضلا عن الحديث عن أول الخلق وبداية العالم، وهي أخبار لا سند لها في حياتهم اليومية، وقد تعوّدوا أن من يرى ويعرف ما لا يعرفون إنما هو أحد اثنين: كاهن أو شاعر، ولم يكن الكاهن صاحب مهارة لغوية وتصويرية مثل الشاعر، بينما هم -إزاء النص القرآني- أمام نص يلتقي مع الكهانة والشعر في الإخبار بالغيبي، ويلتقي بالشعر فقط دون الكهانة، في الصوغ اللغوي الفائق، وهم أمام شخص يقول إن هذا الكلام يوحى إليه من قوى غيبية، والشاعر كذلك، فلماذا لا يكون شاعرًا؟

دافع القرآن بكثير من الوضوح والقوة عن كونه ليس شعرًا، وعن أن النبي الكريم نبي وليس شاعرا، لأنها لم تكن وظيفته ولا حقيقة أمره، ولأن الشاعر والشعر مجدّفان باتجاه المعرفة والإدهاش بكل وسيلة، وعمادُ أمرهما الخيال والتوهّم، أما القرآن والنبي فهما مُحَدَّدَا المهمّة والبنية والهدف، ومختلفان تماما عن الشعر والشاعر في أنهما ينبئان عن حقيقة عقيدية كاملة لا ريب فيها ولا تخيّل ولا وهم.

ولأجل هذا مثّل الشاعر والنبي-ضمنيّا- ثنائية متعارضة ظل تعارضها مطروحًا في الثقافة العربية، ولقد كانت الأمور عند جيل الصحابة والتابعين واضحة جلية، ولم يكن الشعر مستهجنًا في مقابل النص القرآني، بل استعان الشيخ ابن عباس على تفسير القرآن الكريم بالشعر، ولم يكن نفي الله عن القرآن صفة الشعرية، وعن النبي صفة الشعر، إلا من أجل تحديد المهام والوظائف كما أسلفنا، لا من أجل التحقير من أمر الشعر وأهميته، وإلا لامتنع المؤمنون بالدين عن قرضه وحفظه وترداده، وهو ما لم يكن، أما لاحقًا، فقد تنازعت -في وعي البعض- المكانة التي يحتلها النبيّ([5]) والمكانة التي للشاعر، لعلّ هذا هو ما حدا بأشهر شعراء العربية لادّعاء النبوّة، طمعا في تلك المكانة الكبرى، وهو أبو الطيب أحمد بن الحسين  المتنبّي، الذي جاء لقبه من واقعة تنبّئه.([6])

***

ولقد راحت القصيدة العربية الحديثة تستلهم تراثها العربي الثقافي، تتعاطى معه، وتستمدّ منه رموزها، وكثيرًا من قضاياها، وترتكز عليه وهي تصبو إلى مستقبلها بين أقرانها في الثقافات الإنسانية المتعددة، دفع هذا كثيرًا من الشعراء العرب المعاصرين إلى استعارة أقنعة تنتمي لذلك التراث، مستعينين بها في طرح رؤيتهم الشعرية، ونعني بالأقنعة الشخصيات ذات الأهمية التاريخية والثقل الثقافي في تراثنا العربي، فهذا هو أمل دنقل يستعير قناع أبي نواس في قصيدته (من أوراق أبو نواس)، وقناع المتنبي في قصيدته (من ذكريات المتنبي في مصر)، وها هو أدونيس يستعير قناع الشاعر العباسي مهيار الديلمي في ديوانه (أغاني مهيار الدمشقي)، وصلاح عبد الصبور يستعير قناع الشيخ الحلاج، أحد كبار الصوفية الأوائل، في مسرحيته الشعرية (مأساة الحلاج)، وغيره كثير.

***

حسن عامر، الرسالة والرسول:

 

وفي الديوان الذي بين أيدينا، يستعير الشاعرُ، لا قناعًا بعينه، بل نمطًا ثقافيا، هو نمط  (الرسول/النبي)([7])، ليطرح عبره رؤيته الشعرية، فالذات الشاعرة في هذا الديوان، تعبّر عن نفسها بوصفها ذاتًا حاملة لرسالة إنسانية، وتستعير في هذا، الهيكلَ البنائي لنمط الرسول/النبي كما قدّمه لنا المتن الديني، بوصفه نمطًا ثقافيًّا. ولرسالة الشاعر الإنسانية تلك، مضامين سامية تعلي من شأن الإنسان، وقيمه النبيلة، كالخير والحب والجمال والحرية في مقابل الشرّ والكراهية والقبح والظلم والإفساد.

***

جاء الديوان في ثلاث عشرة قصيدة، بدأت بقصيدة مفردة هي قصيدة "نشيد"، ثم بابين، أولهما عنوانه (أربعة فصول خضراء)، وحوى أربع قصائد، والآخر عنوانه "من كتاب الوقت" وحوى ثماني قصائد، وتشير بعض عناوين تلك القصائد مباشرة إلى نمط (الرسول)، مثل (ما قاله الراعي) و(العارف بالسر) و(أنبياء الهامش)، فلا يخفى أن الراعي هو حامل المسؤولية، البارز في رعيّته، الموجّه لهم، وهو أيضا (العارف بالسر)، مما يجعله مائزًا عنهم..

ويصدّر الشاعر ديوانه بمقولة للأديب والفيلسوف اليوناني نيكوس كازنتزاكيس، اختارها الشاعر لتكون خطابا للإنسانية جميعها، إذ يعنونها بقوله: (إلى أخي الإنسان)، وهكذا هو خطاب الأنبياء لأممهم، يقول كازينزاكيس: "إنَّ كرومَ هذه الأرض ملكٌ لنا، إنها لحمنا ودمنا، نحن الذين نحفرُ لها التربة ونشذِّبُ فروعها، ونجني عنبها ونعصره، ونشرب النبيذ، ونغني، ونبكي، وتصعدُ إلى رؤوسنا أفكارٌ وأحلامٌ". إنه ذلك الخطاب الجمعي، الذي يوجّه الإنسان إلى أن يطالب بحقّه ضد مغتصبيه، ولا يسمح لأحد بمصادرة مقدّرات العيش، أو باحتكارها، لأن كروم هذه الأرض ملك للجميع.

وعنوان الديوان (أكتب بالدم الأسود) يحيلنا إلى مقولة للفيلسوف الألماني فريدرش نيتشه من كتابه (هكذا تكلم زرادشت) يقول فيها "من بين كل المكتوب لا أصدق سوى ما يكتبه الشخص بدمه". وبمحاولة فهم فحوى العنوان وفقًا لهذه المقولة، فإنّ الذي يكتب به الشاعر ديوانه، ليس حبرًا، وإنما هو دمٌ، أسود؛ دمٌ لأن المكتوب حقيقي وصادق، ويدعوك إلى تصديقه -هكذا يفعل نيتشه، يصدق المكتوب بدم- وأسود لأنه حبر الكتابة، وهكذا هي الرسائل السماوية أيضا، يدعوك حاملها إلى تصديقها، لأنها أصدق ما يمكنه أن يقوله لك، وهي في الآن ذاته، دمه النابض الحيّ، دمه الأسود، مداد الكتابة، وقدسيتها الأبهى.

ويأتي الحديث عن الذات الشاعرة (الرسول) مستخدمًا ضمير المتكلم حينًا، والغائب حينًا آخر، ويقف الشاعر في أكثر من موضع أما وصف تلك الذات/الرسول، لأنها من الأهمية بمكان، فعلى قدر أهمية تلك الذات وتأهُّلها لحمل الرسالة، يكون عِظَمُ الرسالة ذاتها، فهو صاحب الروح الهادرة الجاهزة للسعي، صاحب الكف البيضاء بلا سوء – لاحظ التناص مع قصة النبيّ موسى- قلبه قطعة موسيقى مطربةٌ للجميع، ودماؤه نهر عسل شهيٌّ إذا عُدِمَ الفقيرُ قُوتَه، يقول من قصيدة "نشيد":

"مازالتْ روحي جاهزةً للسعي/وكفّي بيضاءَ بلا سوءٍ/ وعلى أعرافِ المشهد أبناءٌ/ معصومونَ من الحَدَثِ يغنونَ،/ وقلبي قطعة موسيقى/ ودمائي نهرٌ من عسلٍ،/ غافلتُ الجندَ، وحاذيتُ الشهداءَ".

من أجل كل هذه المؤهلات فهو قادرٌ -متى تَبِعَهُ العالم، وآمن برسالته- أن يفعل ما لا يستطيع فعله سواه، يقول من القصيدة ذاتها:

"وبوُسْعي، ما دام العالمُ يتبعني/ أن أعبرَ بالناسِ إلى الناسِ/ خفافًا مِن كل مجنزرةٍ،/ وبوُسْعي، مادام الوردُ على الأرضِ، بوُسْعي/ أن أخرج حنجرتي /وألوِّحَ لجميعِ الأحياء/ تعالوا / سنغنِّي..."

وفي قصيدة "تكوين جديد" يأتي الحديث عن الشاعر/الرسول، بضمير الغائب، لكن بمزيد من التصريح بالربط بين الذات الشاعرة و(الرسول النبيّ)، وذلك تناصًّا مع قصص أنبياء بعينهم مثل: يوسف [بذكر القمصان] وموسى [بذكر السقاية، حيث سقى للبنتين في رحلته إلى مدين] وعيسي [بذكر الصليب الذي شُبِّه لقومه أنهم صلبوه عليه]  بل إنه يقول إن الشاعر عندما بكى توَّجَهُ البكاء ذاتُه نبيًّا له، وكأنَّ حزن الشاعر وصدق تأثره دافعٌ لنبوّته تلك، يقول:

"ومشى على نصلِ الحقيقةِ شاعرٌ /حملَ الأمانةَ مُخْلصًا ورَضيَّا / عيناهُ صُوفِيُّونَ / لمَّا أُتْحِفُوا بالوجدِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكيَّا/ مِنْ موقفِ اللُقْيَا {أَلَسْتُ بِرَبِّكُم}/ في كلِّ رُوحٍ كانَ يُبعَثُ حَيَّا/ يمضي.../ كأنَّ خطاهُ أولُ نبتةٍ / متأبطًا مَزْمُورَهُ الرعويَّا/ يتحسَّسُ الصَّحْراءَ في قمصانهِ / ليَدسَّ فيها صَوْتَهُ الغجريَّا/ غنَّى/ فصالحتِ السماءُ طيورَها/ وبكى/ فَتَوَّجَهُ البكاءُ نبيَّا/ يسقي /إذا صَدِرَ الرعاءُ/ ويرتقي باسمِ الضعافِ صليبَه الخشبيَّا"

وواصفًا ذلك (الرسول الشعري) بضمير الغائب، من قصيدة (ما قاله الراعي) يقول:

"هو واحدٌ منكم/ تقدَّسَ سيرهُ فوقَ الرصيفِ /وباركَتْهُ شجونُ/ أصغى لظلِّ حديقةٍ في روحهِ/ فاسْتَدْرَجَتْهُ إلى الغصونِ غصونُ/ منذُ احتراقٍ لم يزلْ / وحنينهُ بِكْرٌ /وموعدُ وصلِهِ مرهونُ/ يبكي /إذا انفرطتْ دموعُ ربابةٍ /وإذا تعانقَ عاشقانِ يلينُ/سَيُطِلُّ من كلِّ النوافذِ مُنْشِدًا:/حبلُ المودةِ يارفاقُ مَتِينُ."

وبضمير المتكلم من قصيدة (العارف) بالسر يقول:

" وعندي من الأزمانِ ما ليسَ ينقضي.. وخطوي بكلِّ العالمينَ مُوَكَّلُ

وفي راحتي: ينمو نباتٌ مُعَمِّرٌ.. وفي خاطري: يرعى غَزَالٌ مُدَلَّلُ

وقلبي عن الأحبابِ ما غابَ لحظةً.. وصمتي عن الذكرى حديثٌ مُفَصَّلُ

وُلِدْتُ قديمًا يومَ حَنَّتْ سحابةٌ .. إلى أولِ الأشجارِ والأرضُ أوَّلُ

كَبِرْتُ على صدرِ المواويلِ غِنْوَةً ..ومازالَ في صوتي نشيدٌ مُؤجَّلُ

أحطتُ بما قالَ الفَرَاشُ لوردةٍ.. وأوجعني ما قالَ في الحقلِ مِنْجَلُ

على مُهْرِهِ أسرى بيَ السرُّ زَفْرَةً.. وقلبي على نارِ المواعيدِ مِرجَلُ

دمائي محبُّونَ استشاطوا صبابةً.. ودمعي حَمَامَاتٌ على الأيكِ تَهْدِلُ"


          ولم تكن الرسائل إلا ليعود بنو البشر إلى سواء السبيل، بعد أن ملأوا الأرض جورًا وعدوانا وكان ملؤها الخير والسعة والعدل والمحبة، فعن التكليف بالرسالة من قصيدة (العارف بالسر) :

"مضى بي/ إلى حيثُ العوالمُ  قبضةٌ/ وأوقفني/ حيثُ المواسمُ أجملُ /وقالَ ليَ: انظرْ/ ها هي الأرضُ جنةٌ/عرائشُ زيتونٍ/ وخمرٌ مُحَلَّلُ/ وها هم بنو الإنسانِ/ نحو كرومها/ وتفَّاحِها الداني/ على العُشْبِ رُحَّلُ/ مررنا على النبعِ القريبِ/ فقالَ لي:/ توضَّأ وسِرْ خلفي/ وكانَ يُهَرْوِلُ/ أشارَ إلى نَصْلٍ/ سيمتدُّ فجأةً/ فيهتزُّ غصنٌ ما، ويسقطُ بُلْبُلُ/ إلى دمعةٍ أولى/ تشقُّ طريقَها/ فيُغمى على النَّجْمَاتِ،/ والوردُ يَذْبُلُ/ وقالَ: لقد أُنبيتَ بالسرِّ يا فتى/ فَسِرْ باتجاهِ الناسِ/ إنك مُرْسَلُ".

 

والشاعر/الرسول، له حواريون وصحابة ومقرّبون، يمثلون الفئة النموذجية من بين الفئات التي أرسل إليها، لذلك فهم مقربون منه لأنهم أقرب الناس إلى اعتناق مبادئه، حتى أن بعضهم يكاد يكون أيضا رسولا مثله، ولا ينفصل وصفهم عن وصفه، فهم أتباعه هو، لكنهم متّبعون من سواهم، وهم أطهار، وقطّاع حُرَق، يعني قادرين على إنهاء تلك الحُرَق، وما تؤججه من لوعات، هم أسياد العالم، وسلالم يصعد عليها محبو الله إليه، وهم صرخة وبلطة في وجه الحكّام الدمويين، لأجل هذا وأكثر، فإنه سينصاع لهم، على غير العادة، إيمانا منه بهم، كما سبقوه بإيمانهم به، يقول من قصيدة "نشيد":

"وإلى أصحابي أبوابي/ صُنَّاعِ المفتاحِ، الأطهارِ، لصوصِ التّفَّاحِ،/ المُتَّبَعِينَ، الأتباعِ،/ وقطَّاعِ الحُرَقِ الموصولةِ،/ أبناءِ الطرقِ المجهولةِ،/ وعيالِ الليلِ، مواويل الويلِ،/ وسيلِ الصحراءِ، وخفراءِ الحلمِ،/ وأسيادِ العالمِ، وسلالم خلق اللهِ إلى اللهِ،/ وأفواهِ الأشياءِ، وأشلاء النورِ،/ وسورِ الضعفاء، و وصَفَاءِ الحريةِ،/ وأصابع شهداء الثورةِ في وجهِ العورةِ،/ وخوازيق الساسةِ والسُّلطةِ،/ والبلطةِ في وجه الحكّام الدمويينَ،/ سأرجعُ مُنصاعًا، ومَشَاعًا لسناهم،/ ولبَركةِ ما تهبُ رؤاهم"

ويصفهم مرّةً أخرى في قصيدة (ما قاله الراعي) فيقول:

"هذا زمانُ العارفينَ / الخابزين ضياءهم/كيلا تجوعَ بطونُ/ من أرسلوا أحلامَهم / أرجوحةً تحكي/ وتسمعُ ما تسرُّ جفونُ/هذا البراحُ الخصبُ/ أرضُ قلوبهم،/وبكاؤهم/ هذا الصدى المحزونُ/ها هم يخطُّونَ الصباحَ/بريشةٍ قدسيَّةٍ/ والعابرونَ مُتُونُ"

 

***

من أجل كل هذا جاء مضمون الرسالة محاولا العودة بالإنسان إلى ما كان عليه في البدء، من المحبة والحرية، والعدل والمؤاخاة، ومضامين الرسالات السماوية دائما ما تُعنى بثلاثة موضوعات: التكوين، والوجود، والمصير، وهكذا هي الرسالة الشعرية التي يقدمها لنا الشاعر عبر ديوانه، لقد كان العالم في تكوينه، كامل الانسجام والسكينة، مفعمًا بالجمال والمحبة، وطموحُ كل مستقبلٍ إنسانيّ هو العودة لتلك الطمأنينة وذلك السلام الوافر، يقول من قصيدة (العارف بالسر)، كما أسلفنا في موضع سابق:

"مضى بي/ إلى حيثُ العوالمُ  قبضةٌ/ وأوقفني/ حيثُ المواسمُ أجملُ /وقالَ ليَ: انظرْ/ ها هي الأرضُ جنةٌ/عرائشُ زيتونٍ/ وخمرٌ مُحَلَّلُ/ وها هم بنو الإنسانِ/ نحو كرومها/ وتفَّاحِها الداني/ على العُشْبِ رُحَّلُ"

ومن قصيدة (تكوين جديد) يقول:

"في البدءِ/ كانَ الـحُبُّ يهتفُ هيَّا/ ياقلبُ، للسرِّ العظيمِ تَهيَّا

الوقتُ كانَ حَدِيثَ نهرٍ هادئٍ، يَهَبُ الشواطئَ سِرَّهُ الملكيَّا

والأرضُ كانتْ تستحمُّ بغيمةٍ،.. والأفقُ كانَ لعَاشِقَيْنِ شَهيَّا

نامتْ على كَتفِ السماءِ صَبيَّةٌ ..يا طولَ ما انتظرتْ هناك صَبيَّا"


          ثم لمّا آل العالم إلى ما هو عليه من الظلم وهدر الجمال والعدل، ومحاربة الخير، وتخريب العمران، بُعثَ الشاعر لاستعادة كل ما هو جميل، على الشاعر مساعدة الناس في استصلاح عوالمهم الخربة، استصلاح وجودهم المهدور، إن الشاعر يصرخ في وجه الكذب، وينضم لكل مظاهرة يشعلها الإنسان من أجل استعاده وجوده الجمالي، الحيّ، العادل والخيّر، ينحاز في ذلك للفقراء، والمغدورين، ويغنّي لهم بكل ما أُتيَ من محبّة، يقول من قصيدة (نشيد):

"وسأبصقُ في وجه التاريخ الكذَّابِ،/وأنضمُّ إلى كلِّ مظاهرةٍ يشعلها الإنسانُ،/وأستودعُ كلَّ الفقراءِ غنائي وبكائي،"

ومن قصيدة (أكتب بالدم الأسود) يقول: "مِدَادي دمي/ والصِّحَافُ السَّمَاءْ/ وأَكْتُبُ للسَّادةِ الفقراءْ".

ويقول من القصيدة ذاتها: " سنصحو من الصمتِ/ عمَّا هتافٍ قريبٍ/ وعمَّا أسًى واستياءْ"

لأجل هذا، فإننا لا نسلّم بكون الحبيبة إذا ذُكِرَتْ أو خوطِبَتْ في أطواء عدد من قصائد الديوان -لا نسلّم بكونها الحبيبة البشرية، لكنها كلُّ قيمةٍ يسعى الشاعر لإرسائها والانتصار لها، امتدادًا لرسالته النبيلة في إرساء كل جميل، يقول من قصيدة (باسم السيدة الأولى) مخاطبًا الحبيبة/ القيمة:

"من قَبْلِ أن يُوحَى إلى الشعراءِ/ أنَّ الأرضَ يملكُها الطغاةُ وراثةً،

من قبلِ أن يُلْقَى وَرَاءَ السُّورِ عصفورٌ، وتُسْبى وردةٌ،

منذُ ابتداءِ الخطوةِ الأولى على رملِ الطريقِ،

ومنذُ أوَّلِ قُبْلَةٍ،/ وأنا أحبُّكِ "

ويقول، في الإطار ذاته:

"قلتُ: السلامُ عليكِ أيتها المُبَاركةُ النقيّةْ

أنا قادمٌ من آخرِ المُدُنِ القَصِيّةْ

من يومِ أنْ كانتْ سماءُ اللهِ كنتُ أصيحُ باسمكِ في البريّةْ

قلبي جدارُ الكهفِ منقوشٌ عليه هواكِ قبلَ الأبجديّةْ

وخطايَ دولةُ عاشقينَ ورحلتي أزليّةْ"

 

في كل هذا يهدف الشاعر لأن يكون المصير جميلا، تماما كما كان التكوين، يقول من قصيدة (ما قاله الراعي):

"غنُّوا؛/ لأنَّ يدًا/ ستنعسُ في يدٍ أخرى / لئلا يذبلَ الليمونُ/ ولأنَّ ضحكةَ طفلةٍ/ سهمانِ عيناها/ ستنبئُ عن غدٍ سيحينُ/ هي ضحكةٌ أخرى/وينفلتُ المدى حرًّا/فما عادتْ هناك سجونُ".

***

وكما أن الرسائل السماوية لا يسير أصحابها على وتيرة واحدة، يمرون في بداية بعثتهم بمراحل ضعف، ثم قوة، ثم يبتليهم الله ليختبر قدرتهم على الصبر في سبيل الحقّ، هم والمؤمنون بهم، وبذلك يمحّص الله المؤمنين بالبلاء، ثم تكون الانفراجة، فإن الرسائل الفنّية أيضا، تتعرض لإخفاقات وهزائم، فكما استعرضنا ملامح الرسول والرسالة في قصائد (نشيد)، و(تكوين جديد)، و(ما قاله الراعي)، و(العارف بالسر)، و(أكتب بالدم الأسود)، و(باسم السيدة الأولى)، فإن البناء الدرامي للديوان بوصف ذلك الديوان وحدة عضوية -تؤلف القصائد الداخلية له مكوناتِ تلك الوحدة، ولا تقوم كلٌّ منها وحدةً بمفردها- يبدأ من قصيدة (الحرب) في استشعار خوف وارتباك الرسول/الذات الشاعرة، حيث مشهد الحرب، التي لا تنتهي بين فئتين من الناس، مما يدفع الأمّ-إحدى شخصيات القصيدة- لأن تختتم النصّ بقولها:

"سلِّمْ أيها الربُ الكبيرُ

وأوقفِ الحربَ التي لا تنتهي"

والقصيدة تنتهي هنا، ولا نعرف إذا كانت الحرب قد انتهت أيضا أم لا، لكننا نطالع بعدها مباشرةً، قصيدة (عودة الغرباء)، ومفردة الغرباء، يمكن تحيلنا –ثقافيا- إلى حديث للنبي الكريم -صلى الله على حضرته وآله وصحبه وسلم- في صحيح مسلم (145) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ). أي أن رسالة الإسلام بدأت وحيدةً لقلة المعتقدين فيها، وستعود كذلك، في آخر الزمان، بعد أن يتفلّت الناس من إيمانهم بها، وطوبى للغرباء لتمسكهم به على قلة مناصريهم، في البدء والمختتم، هذا الحديث لا ينفصل عن مضمون الأسطر الأولى من قصيدة (عودة الغرباء)، يقول الشاعر:

يعودُ الغريبونَ

بعدَ اكتمالِ الحنينْ

يعودونَ من حربهم خاسرينْ

لقد غُلِبوا في ليالي المدينةِ

فانقلبوا عائدينْ

وكأن هذه الأسطر الأولى من القصيدة تخبرنا عن نهاية الحرب التي لم نكن نعرف لها نهاية في القصيدة السابقة، لقد هُزِمَ الغريبون، ويستدعي هذا السياق لدينا مدح (القاضي البيضاوي) لرسول الله محمد -صلى الله على حضرته وآله وصحبه وسلم- في تسبيعه لقصيدة البردة، بقوله "غريب مدحٍ خلا في سيد الغُرَبَا" فرسول الله هو سيد الغرباء، و"الغرباء" بما تحمل المفردة من معاني الوحدة، والاغتراب عن الوطن والأهل، وما يعانيه المرء من وطأتيهما، وأيضا بما تحمل الغربة من معاني التفرّد، وعلى أية حال، فإن الألم والتفرّد قد اجتمعا على الرسول/الذات الشاعرة، وعلى أقرانه وحوارييه أيضا، واستشعار تلك الغربة، وذلك الانكسار، لابد سيؤدي بنا إلى أن تتحول القيمة التي كان يُتغنّى بها، في السابق، إلى قيمة غائبة ومفقودة، كما نجد ذلك في النص التالي، وهو قصيدة "ليلة رأس السنة" يقول حسن عامر:

"الناسُ يحتفلونَ بالعامِ الجديدِ/ وأنتِ غائبةٌ/ بما يكفي لأن تتشقَّقَ الدنيا /وأصنعَ للحوائط حفلةً/ وأُضَيِّفَ الذكرى/ على كأسٍ من الشوقِ المُعَتَّقِ/ كلُّ شيءٍ جاهزٌ للاحتفاءِ بوحدتي/ في عام مليونٍ غدًا/سأكونُ مُنتظرًا قدومكَ /واثقَ الأشواقِ/ في قلبي زمانٌ يابسٌ"

          يبلغُ الشعور بالهزيمة ذروته في قصيدة "أنبياء الهامش" إذ كما يشير عنوان القصيدة فإن الأنبياء إنما هم أنبياء هامشٍ لا متن، منسحبين، ومكسورين، ولا يتصدّرون أو يتصدّون لشيء، إنما هم هامش بكل ما للهامش من دلالات الانسحاق والانكسار والخيبة، إن الجموع هي التي تتلقى رسالة الرسول، فتجعله متنًا، أو تتجاهله فتجعله هامشًا، إنما يأتي الانكسار من المُرسل إليهم وبسبب ردّ فعلهم تجاه الرسالة والرسول، لا من أي شيء آخر، يقول:

"كمُهرِّجين مُفرِّجينَ كروبَكُم،

وكخاسرينَ مُحنَّكينَ

يقاتلونَ نيابةً عنكم بسيفٍ زائفٍ،

كنا وكنتم جالسينَ على الحيادِ

تُصَفِّقُونَ إذا تمادتْ مُدْيَةٌ في لَحْمِنَا الهشِّ الطريِّ".

 ويقول إمعانًا في إلقاء اللائمة على المُرْسَل إليهم:

"هكذا كنا ولم تتساءلوا:

مِنْ أيِّ نبعٍ في الجحيم تَصُبُّنا أوصابُنا"


 ويقول متناصًّا مع قصة النبي يوسف عليه السلام:

"الآن لا وطنٌ تجرِّبه المنافي في ملامحنا

ولا بنتٌ سيوجِعُها التذكُّرُ

إن مَرَرْنا تحتَ شرفتها ولوَّحنا،

ولا ثوبٌ سيحملهُ الرواةُ

إلى أهالينا هناك ليبصروا".

          لكن الرسالة ما تلبث أن تعاود تأججها، في شكل ثورة على الهزيمة والانكسار، وبهذا يتبين لنا أن الديوان  يصنع بناءً دراميًّا حيًّا وملحوظا، وفقًا لترتيب قصائده، وككل الرسالات يمكن أن يسقط النصُّ الجمالي في الخطابية والمباشرة، إذا اقتضى انفعال الثورة ذلك، وهكذا جاءت قصيدة "أغنية للثوار" ولعل هذا ما برَّرَه لنا الشاعر بإطلاق اسم "أغنية" على تلك القصيدة، فالأغاني عادةً ما تكون أقرب إلى الخطابية، لأنها نص مسموع، يتحتّم أن يكون قريبا لذهن السامع، مباشرًا في مراميه، يقول الشاعر من قصيدة "أغنية للثوار" :

"لِمَن البلادُ اليومَ؟

للثوَّارِ، للحريَّةْ

لهتافنا المحشودِ ضدَّ البندقيةْ

أطلِقْ رصاصَكَ أيها القَنَّاصْ

في القلبِ أغنيةٌ ستُولدُ حيَّةْ

الثورةُ الخضراءُ بنتُ دَمِ الشهيدْ

ياحارسَ الأسوارِ، والبابِ الحديدْ

نَهَضَتْ من الموتِ الضحيَّةْ"

وهو يشير في قوله "نهضت من الموت الضحيّة" إلى استعادة الرسالة لعنفوانها وحضورها، إنها كالذي نهض من الموت، وها هي الذات الشاعرة/الرسول، تُعَرِّف بنفسها وبحوارييها، قوّاد الثورة، من القصيدة ذاتها:

" مَنْ نحنُ؟ نحنُ مُكَلَّفُونَ بهؤلاءْ"

          وعلى الرغم من أن قصيدة "رجل متأخرٌ وامرأة أخيرة" التي جاءت بعد قصيدة "أغنية للثوار" في الترتيب، لم تواصل تنامي الحس الثوري، الرافض للانهزام، وكانت أميل إلى روح الهزيمة منها إلى استعادة الرسالة تأججها ونهوضها، إلا أن قصيدة "بالتزامن مع صوتك" التي اختتم بها الشاعر ديوانه، والتي أهداها إلى جارة القمر السيدة "فيروز" المغنية الأشهر، مثلت تصالحا مع كل خيبة، وجبرًا لكل انكسار، واستعادةً لروح التأجج مرةً أخرى، فالرسالة الجمالية ستواصل لا محالة، هذا ما أشارت إليه القصيدة، وكل من لم يصمد جار الرسول، لا يستحق بكاءه، ولهذا فقد توجّب على الرسول أن ينسى الإساءات:

"سنقضي معًا

ما يشاءُ الظلامُ

                   فَغَنِّي

لأنسى الذين أساؤوا إليَّ

وأدركَ أنَّ التي ودَّعَتْني هنالكَ

لا تستحقُّ بكائي"

لابد أن تواصل فيروز غناءها، لتواصل الثورة على القبح مسيرتَها، وليواصل الجمال تحديه ومعجزاته، تلك التي لا ينالها إلا من استحقوا الخلود بجمالهم ومواصلتهم، لا بهزيمتهم وانسحاقهم:

"وغَنِّي

لكي يتمرَّدَ نهرٌ على ضفتيهِ

ويصعدَ نبتٌ على سُلَّمِ الريحِ

تفّاحُهُ الفاتناتُ اللواتي

سيقطفهنَّ الذين استحبُّوا الخلود"

وبمثل هذا يمكن للرسالة أن تحقق مبتغاها، وتصنع للإنسانية مصيرًا جميلا، تماما كنشأتها الأولى:

"وغَنِّي/ستنبتُ فوقَ الرصيفِ الرياحينُ،/ تثمرُ أعمدةُ النورِ، / ترتاحُ هذا المساءَ البنادقُ،/ يزهدُ حُكَّامُ تلك المدينةِ/ أبناءُ عمِّ الشياطين في جرعةٍ من دماءٍ،/ ويصحو رعايا "كيوبيد" / حتى الصباحِ الذي لا يجيءُ/ وغَنِّي/ سينعسُ أطفالُ قريتنا/ خلفَ كَرْمِ النخيلِ/ يَغُطُّونَ في النورِ/ سوف تُضيِّفُ أمي ملائكةَ اللهِ في الأرضِ/ : لا نتوجسُ ياأيها الرُسْلُ منكم/ هنا نسوةُ الحيِّ / سوف يعبِّئْنَ أحلامَهُنَّ من المستحيلِ/ وتشدو الشواديفُ/ تغدو الحياةُ التي أخطأتْهَا البصائرُ/ شيئًا جميلاً".



 



([1]نُشِرَتْ هذه الدراسة ضمن مجموعة من الدراسات النقدية ضمها كتاب (المبشّرون بالشعر) الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام بإمارة الشارقة، دولة الإمارات العربية، 2016، احتفاءً بمرور عامٍ على افتتاح (بيتِ الشعر) التابع لإمارة الشارقة، في الأقصر، بجنوب مصر.

([2] قراءة النص: عبد الرحيم الكردي، من مقدمة الكتاب للدكتور أيمن تعيلب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة كتابات نقدية، عدد 209، القاهرة 2013، ص 7، ص 8.

[3]) السابق: ص29.

 ([4]محمد بن منظور الأنصاري: لسان العرب، تحقيق عبد الله أبو كبير، وآخرون، ط دار المعارف، القاهرة، د.ت، مادة (شعر).

([5] في لسان العرب "النبيُّ: ما ارْتَفَع من الأَرض... والنبيُّ العَلَم من أَعْلام الأَرض التي يُهتَدَى بها. قال بعضهم: ومنه اشتقاق النبيّ لأَنه أَرفع خلق الله، وذلك لأَنه يهتدي به". المصدر السابق: مادة (نبأ).

[6]) واقعة ادعاء المتنبي موضع خلاف بين مؤيديه ومعارضيه، لذا لزم التنبيه لذلك.

[7]) جدير بالذكر أننا سنستخدم في أطواء البحث كلمتي الرسول والنبي، بالمعنى ذاته تقريبا؛ لأن الفروق الدلالية بينهما لا تعني البحث الذي بين أيدينا، إنما يُعنى البحث بما يجمعهما من دلالات تشير إلى شخص يتحقق فيه تواصل معيّن مع الله، فيكلفه الله بدعوة مجموعة من الناس إلى دين سماوي له أوامر ونواهٍ، ويؤيده في ذلك بالمعجزات الدالة على صدق دعواه.  

الضوي محمد الضوي

شاعر مصري