wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأحد, 12 يوليو 2015 00:00

أبناء الجبلاوي المتخيل المحفوظي كواقع روائي

كتبه

1

"المتخيل" المحفوظي، هو واقع رواية "أبناء الجبلاوي" لإبراهيم فرغلي (دار العين، القاهرة). المتخيل أيضاً، هو البطل هنا، وليس "محفوظ " نفسه، الواقعي أو الأقرب للواقع، الذي يملك أغلبنا تصوراً واقعيا مقبولا عنه ، خاصة و أنه كان بيننا إلى وقت قريب . على جانب آخر ، فإن " ما فوق المتخيل " نفسه فيما يخص الذوات الروائية في " أبناء الجبلاوي " حاضر .قانون لعبة الرواية يحاك أمامك مرة تلو أخرى ، كأنك ترى الرواية ــ أو سيرتها ــ لحظة صنعها . في لحظة تتجاور الذوات " الفنية " ، كونها من أصل واحد .. فيلتقي " كبرياء " بـ " رادوبيس " ــ ابنة سلالته في الفن الروائي ــ بينما لا يلتقي " كاتب الكاشف " مثلاً بـ " محفوظ " ــ رغم أنه ابن سلالته في سياق صناع الفن  ذاته ! تلتقي هذه الذوات وفق " واقع " الرواية ،و شروط الخيال ، فكلها شخصيات من ورق .. و رغم ذلك ، تدهشك كمتلقٍ  ، كأنها يجب ألا تلتقي ، و كأنها تحولت إلى كائنات واقعية بشروط الواقع المحدودة و نسبيته المتفق عليها!

إنها مغامرة سردية متسعة تجسدت فيما يقرب من خمسمائة صفحة . مغامرة توفرت لها ــ فيما أظن ــ أغلب المقومات التي تحتاجها رواية مختلفة : فكرة مدهشة ، تقوم على فرضية غير معقولة ، يتكفل الأداء السردي بمنحها معقوليتها المبتغاة ..أصوات تتناوب السرد ، تتبادل زوايا الرؤية فيه و تشتجر حوله ، تهدمه و تعيد بناءه مرة تلو أخرى .. أفكار مشبعة بالفلسفة و بمساءلة الوجود .. و فضلاً عن كل ذلك : هناك سؤال الكتابة نفسه ، المدوخ المحير ،  في تجرده و تعريه .    عالم لا معقول ، يقدمه " ابراهيم فرغلي " بحرفية ، و لاتفلت منه اللعبة رغم اتساع رقعتها و تكاثر خيوطها .

2

   لنجرب العبور إلى هذه الرواية عبر عتبة أولية ، هي الصفة النوعية التي رآها " إبراهيم فرغلي " الأنسب لتدل على عمله : سيرة رواية .

. نحن إذن حيال سرد على سرد ، لاحق يستحضر سالفاً . و بهذا المنطق ، فإن أبناء الجبلاوي  تنتمي لل " ميتا فيكشن " .

    إذا اتفقنا أن سيرة شخص هي حياته بعد نهايتها ، عقب اكتمالها ، فإن سيرة رواية ما تكون حياة رواية انتهت بالفعل ، تمت و اكتملت بحياتها و فنائها ..فهل " أبناء الجبلاوي " وفق هذا المنطق حكي يستحضر نصاً غائباً ؟ نصا اكتملت حياته قبل ذلك و تستعاد الآن ؟ .بشكل ما ، أرى أن الإجابة : نعم .هذه سيرة رواية ، حكي متحقق على حكي متحقق قبلاً ، ربما يكون حكي " محفوظ " و سيرة شخوصه . . وربما يكون حكياً ما أتمه " فرغلى " نفسه وشاء أن يسرد سيرته .أبناء الجبلاوي سيرة تسرد حياة رواية أسبق ، بقدر ماهي رواية آنية ، تحققت تواً .تحيل الرواية ــ في مغامرة كبرى ــ الواقع الافتراضي ، ممثلاً في كتب نجيب محفوظ و شخصياته الروائية ، إلى واقع حقيقي .. في الوقت نفسه الذي تحول فيه ما يفترض أنه الواقع ، بمنطق المحاكاة ، إلى فرضية . إن شخصيات محفوظ في النص تتجسد ، و يصير حضورها أقوى من حضور كبرياء و نجوى وجيسيكا و كاتب الكاشف و كافة الشخصيات  التي تمثل "واقع " هذا النص ، حتى و إن اعترفنا أنه افتراضي بدوره . لعبة صعبة ، مركبة ، و مجهدة ، أن يتنامى الوهم و يتعملق في رواية ليصير الحقيقة .. و في المقابل ، تخفت الحقيقة فاقدة عنصر حياتها الوحيد ، بالمنطق المحاكاتي ، المبتذل في ظني في الحقيقة ، و هو المصداقية .

    لعبة معقدة ، يديرها أداء سردي لا يقل تعقيداً . عبر أربعة أجزاء ، مقسمة بدورها لأقسام ، مقسمة لوحدات مرقمة تصل إلى 83 وحدة في إجمالها .لست بحاجة إلى أن أقول ، إن محاولة تلخيص عمل مثل " أبناء الجبلاوي " ضرب من الانتحار ..ليس فقط للثراء الشديد في الأحداث ، لكن أيضاً لأن كل صوت يتولى السرد ، مستلماً إياه من سابقه ، يعيد كتابة مجمل الوقائع و يضيف إليها بشكل مختلف ، يجعل لا وجود لواقعة أكيدة .

    يسرد " كبرياء " شطراً ، نتعرف فيه بشكل أساسي على طبيعة علاقة غرائبية تربطه ب "  رفيق فهمي " نزيل دار المسنين ، الذي يتولى كبرياء كتابة مذكراته ، و الذي نعرف أنه منحه اسمه بعد قصة تيتم غريبة . . و كذلك ب نجوى حبيبته غريبة الاطوار . في القسم نفسه نعرف طبيعة عمل كبرياء ، و تنطلق واقعة اختفاء كتب محفوظ . إنه قسم تأسيسي ، ينتقل بعده السرد لراو غرائبي ، هو " قرين كبرياء " ، الذي يتقدم بالسرد للأمام ، لتتسلمه منه " قرينة نجوى " .قبل أن نتعرف على شيطان كتابة غرائبي يحيل ل "كاتب الكاشف " مؤلف الرواية التي يفترض أن كبرياء بطلها ، إنها لعبة سرد مدوخة ، تيه من الأشخاص و أطياف الأشخاص تتبادل المواقع . رواية تكتب في كل مرة من جديد ،يسطو عليها في كل مرة راو مختلف ، لنكتشف في النهاية أننا ، و بقدر مانحن أمام رواية " متعدية " لجسدها ، و متجاوزة ــ حتى ــ لشروط وجودها ، فإننا في الوقت ذاته أمام رواية لم تكتب بعد .

3

    إن تسليم و تسلم الحكي يبدو إحدى المغامرات الجوهرية في هذه الجدارية ، و يبدو ــ كما يقدمه النص نفسه في غير موضع ــ فعلاً لصيقاً بفكرة " السلطة " . يؤكد " قرين " كبرياء : " قراري هذا يبدو مشبوهاً باغتصاب سلطة ليست من حقي ، هي هنا سلطة السرد ، و هذا صحيح إلى حد ما . لكني ، بأمانة ، لا أعتبر نفسي مغتصباً لسلطة ، أي أن المسألة لم يسبقها صراع بيني و بين صاحب حق السرد الأصلي . كما أنني لم أقم بانقلاب ثوري لانتزاع هذه السلطة . تم ذلك بشكل ، أظنه ، أقرب ما يكون لانتقال سلمي للسلطة " ص 89 ، 90 . ثم يجيء انتقال آخر للسلطة ، ليدي قرينة " نجوى " ، التي ، لا تنقض فقط صور قرين كبرياء للسلطة ، بل تنقض ما شيده من سرد " لن أعتذر عما فعلت ، فبوصفي قرينة نجوى كان علي أن أتسلم ناصية السرد من قرين كبرياء ، و لن أستخدم كلمات كبيرة كالتي يستخدمها هو مثل استيلاء أو انتقال سلطة السرد ، و غير تلك المعاني الكبيرة . كنت أستمع إلى مغالطاته ، و أكتم غيظي ، على أمل أن يعود إلى صوابه " ص  135 . ثم يجيء " شيطان كتابة " لينقض بدوره كل السابق .. بعدها ننتقل من جديد لحكاية كبرياء في مسار يشبه المسار الذي بدأت عليه ، عبر راو ، يديره كاتب الكاشف .

    التأكيد على الانتقال " السلمي " من راو لآخر إنما هو في الحقيقة تأكيد على احتمالية الفرضية النقيضة : ألا ينتقل السرد إلا بإراقة الدماء ، و بانقلاب غير مأمون العواقب . ديمقراطية السرد ، تحضر هنا ــ ممثلة في تناوب السلطة ــ مقابل ديكتاتورياته الكثيرة ، و إقطاعياته المعدة سلفاً .

 نحن أيضاً أمام " ألف ليلة و ليلة بامتياز " ،وهي نفسها نص كبير  تناص معه " محفوظ " طويلا في عدة أعمال ، أسمى أحدها " ليالي ألف ليلة " . الحكاية الإطار ، التي رغم وجودها الأولي الكثيف ، و حلولها في الصدارة ، ليست إلا تكئة لسرد قادم من رحمها ، يعود إليها في كل مرة ، فقط لالتقاط الأنفاس ، قبل أن يواصل توالده الذاتي . هذا بالضبط ما تقدمه لنا قصة " كبرياء " المبتسرة التي تفتتح العمل ،لتسمح ببقية الأصوات بالظهور ، و إعادة سرد الحكاية ، أو التعريج على حكايات أخرى .. نعود لكبرياء و نجوى ، لرفيق ، لنغادرهم . و كلما ابتعد الإطار اشتد وجود الحكاية الكبرى ــ التي لا تُصدَّق ــ و التي تتحلق حول اختفاء كتب محفوظ من جهة ، بالتزامن مع ظهور شخصياته ، متجسدة ، من جهة أخرى .

4

    لنتأمل هذا الخيط قليلاً . تختفي روايات " محفوظ " لتظهر شخصياته . تتحول الشخصيات الخيالية إلى شخصيات واقعية ، عندما يختفي " الدليل " الوحيد على كونها شخصيات تنتمي فقط للمخيلة . و كلما تغلغل خبر اختفاء الأعمال ، و صار أكثر قابلية للتصديق ، على استحالته ، كلما ظهرت شخصيات جديدة ، ومضت في الشوارع ، مستعيرة من الذوات الإنسانية وجودها البشري . بالمقابل ، و بنفس المنطق ، كلما اختفى الرواة ، و كذلك " كاتب الكاشف " توهج وجود أبطالهم ، كبرياء و نجوى ... الخ .. و كلما زاد حضورهم ، و حضرت سطوتهم ،خفتت شخصياتهم ، بل و اختفت . إنها إيديولوجيا لا يمكن ــ في ظني ــ العبور عليها دون تأمل . ايديولوجيا تتسق و كلام المؤلف الواقعي " إبراهيم فرغلي " ، الذي وضعه كتعقيب في نهاية العمل : " إنه كاتب الفلسفة المتكئة على شخصيات تسير بها و تطوف .. " . الفلسفة التي تتكيء على شخصياتها ، أي أنها أسبق ،و ليس العكس . إذا اختفت الفلسفة ، و الفنيات ، تعود الشخصيات لواقعيتها ، تفقد فنيتها ، و كثافتها ، لتتمتع ب " عادية " الشخصية الواقعية ، و من ثم حتمية فنائها .

    ثمة توازٍ هنا ، بين مفارقة كتب محفوظ و شخوصه ، و مفارقة رواية كاتب الكاشف و شخوصه . يهيأ لك أن الشخصيات ــ كما لو في سياق كارتوني ــ هربت من الكتب لتتنزه .سيحضر بالفعل " السيد أحمد عبد الجواد " و " رادوبيس " في علاقات مع "كبرياء " ، و ستحضر شخصيات أخرى لتنضم لرواية أخرى ، هي الرواية التي نقرأها الآن ، كاللاعب الذي يقبل بإعارته لناد بعدما فقد ناديه فجأة ! .

 المعمار ــ و هو هنا هائل متشعب ــ يشبه المتاهة .. كل الطرق تصلح للدخول و الخروج . و هو يتسق مع التعددية الصوتية ، و المفارقة بين الماثل و الخفي .

    ثمة نقض ــ في البنية المجردة للرواية ــ للمركز الذي تنجذب نحوه الأطراف و تلتم في مداره .

    إن سؤالاً جوهرياً يكمن هنا : أي "مركز " ، أية "نواة " صلبة ثابتة يمكن أن يدور في فلكها النص ؟ هنا ، نواجه نص " تفكيك " بامتياز .. حيث لا دوال تحيل إلى عالم جاهز وراءها ، لا شخوص يمكن فضها و تلخيص أدوارها .إنها ــ من جديد ــ سيرة الرواية ، الأبعد من " الرواية " ك " شفرة " مؤقتة ينتهي فضها دلالياً بالانتهاء من تلقيها . سيرة الرواية ، هي " اجتهاد " لقراءة الرواية عبر الكتابة ، ليبقى الاحتمال قائماً لكتابات لا منتهية .

    بتعدد الرواة ، تتعدد المراكز . الرواة أنفسهم يتألبون على طبيعة الراوي المتفق عليها ، فعدد منهم وجوده شبحي ، ميتافيزيقي بالأساس .يتجاور الراوي ، الذي تفترض معقولية وجوده الاتفاقية ، مع الراوي غير القابل للوجود المتجسد .فقط ، قد نتمكن من تحديد ماهية " المؤلف الضمني " ، الذي يستعيد ال" وهم " المحفوظي ك " واقع " جديد . هذه البوليفونية من الأصوات الساردة ، لا تختلف فقط في وجهات النظر ، بل ، بالأساس ، في طبيعتها من فيزيقي لماورائي .. و هي تجربة أظنها الأولى في الرواية العربية .

    إنه معمار لبنته مواد متنافرة ظاهرياً ، غير أنها تقوم معاً بمنطق " التوليف " الذي يجعل الفصل بينها في النهاية ، مستحيلاً .

    الزمن سؤال آخر . زمن السرد في تقطعاته غير المنتهية ، و زمن الواقع .هناك  زمن الرواية التي تسرد " كبرياء " و شخوص حكايته ، الذي يتقطع ، وفق " نسبية " الرواة ، بحيث نتأمل اللحظة ذاتها من عدة وجهات نظر . هناك أيضاً زمن الحكاية الموازية ، التي تخص اختفاء أعمال محفوظ ، و هو أشد سيولة في تحققه المضطرد ، رغم أن تمليه يأتي  داخل الرواية نفسها ، كونها جزءاً منها بالأساس . إنه لعب شديد الصعوبة بالزمن ، بالتعامل بأكثر من منطق حيال " زمنية " نص ، بالتمكن من فصل وقائعه للتعامل مع كل منها وفق تقنية زمنية مستقلة .. و هو أحد وجوه إدهاش " أبناء الجبلاوي " و فرادتها .

    لا يقف طموح " أبناء الجبلاوي " عند هذا الحد ، فهي تبدو ــ في رهان فني آخر شديد الجموح ،  لايقل صعوبة ــ عصية حتى على منحك مزاجاً عاماً يمكنك أن تخلق وفقه آليات ثابتة لقراءتك . إنها توفق بين الثقل و الخفة ، الدراما الأرسطية في موضع و الميلودراما الهشة ــ بقصدية ــ في موضع آخر ، التهكم العابث المعتد بالخفة ، و التفلسف الجاد المشدود للثقل .. الإيهام الكامل ، و كسر الإيهام بكل قسوة . كل انحرافة في " أبناء الجبلاوي " تبدو صدمة جديدة غير متوقعة ، غير ممهد لها ، إنها رواية "تلقي " تخاصم القاريء المتسق ، و تدير ظهرها ــ بقسوة ــ للراغب في شروط تؤسس من البداية لقراءته بالكامل .هذه " الوعورة " ، و هو اللفظ الذي أشعر به الأنسب لوصف تضاريس الرواية ، تخاصم ، فيما أظن ، التلقي " الشعوري " ، كونها تستبعد " الانسجام " ــ كقيمة حداثية ــ لصالح عدم الانسجام كخصيصة ما بعد حداثية بامتياز . في أبناء الجبلاوي ثمة ذهنية المعمار ، ذهنية تحكم حتى ما يبدو مرتجلاً وليد الإلهام . حتى الانحناءات البسيطة ، أو النتوءات التي تبدو غير منسجمة ، هي جزء من لحمة الجسد الشاسع ، من صنعته ، ومن قلق بنيته المقصود .

عودة إلى الملف

طارق إمام

روائي وناقد مصري

من أعماله:

شريعة القط ، رواية، دار ميريت

هدوء القتلة، رواية، دار ميريت

طيور جديدة لم يفسدها الهواء، مجموعة قصصية، دار شرقيات

الأرملة تكتب الخطابات سرا، رواية، دار العين
عجوز كلما حلم بمدينة مات فيها، مجموعة قصصية،  دار نهضة مصر

الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس، رواية، دار العين

ضريح أبي ـ رواية ـ دار العين