wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

أحمد عبد الرحيم

أحمد عبد الرحيم

ناقد وسيناريست وكاتب قصة مصرى

رامبو – 4 (2008).. بطل مشوَّه وحرب قذرة!

أحمد عبد الرحيم

لماذا تعيد استخدام، أو بالأحرى تُحيى، رامبو بعد 20 سنة من فيلمه الأخير ؟ الأمر بسيط. الاسم له شهرته، والنجم الذى مثَّله، سلفستر ستالون، لا يزال حياً، ويحتاج – وقتها – بشدة إلى أى فيلم ناجح بعد أن خبا نجمه وهبطت أسهمه، ولا توجد كتابة "أصلية" فى هوليوود منذ التسعينيات !

..ولكن ربما هناك ظروف جعلت من شخصية جون رامبو ليس كجندى جريح، وإنما كماكينة قتل، شيئاً جذاباً ومطلوباً فى 2008. ظروف لن تجعل رامبو "أثر" من مستنقع الحرب الأمريكية-الفيتنامية (بين 1961 و1973)، أو "أنتيكة" من 3 أفلام هوليوودية سابقة (بين 1982 و1988)، وإنما رمزاً لصمود المحارب الأمريكى، وترويجاً لأهمية الحرب أيضاً !

فى الأساس، تُطلق كلمة "حرب فيتنام" على الحرب الأهلية التى شبَّت بين فيتنام الشمالية والجنوبية سنة 1955 وانتهت بانتصار فيتنام الشمالية سنة 1975. يجئ التدخل الأمريكى فى هذه الحرب مبكراً جداً. فلأن فيتنام الشمالية كانت ذات نظام شيوعى مدعوم من حلفاء الشيوعية وأولهم الإتحاد السوفييتى، كان من الطبيعى أن تساند أمريكا فيتنام الجنوبية ذات النظام الرأسمالى، المدعوم منها ومن دول رأسمالية أخرى، وذلك حفاظاً على النفوذ الأمريكى هناك، ولقطع الطريق أمام توغل المعسكر الشيوعى؛ والذى كانت تعيش معه وقتها حرب باردة. لكن بعد سنوات من مساعدات بسيطة شملت إرسال مستشارين عسكريين، بدأت أمريكا فى التورط فعلياً فى هذه الحرب سنة 1961 بإرسالها 400 جندى، تضاعفوا بعدها لآلاف مؤلفة، على امتداد 12 سنة لاحقة من عمر المعارك الحربية بينها وبين فيتنام الشمالية. وهكذا، نُفِى الشباب الأمريكى إلى أرض غريبة، ليحترقوا فى أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مقاتلين جنود فيتناميين، قاتلين مدنيين عزل أيضاً، ماحين قرى فقيرة لا يقطنها إلا النساء والشيوخ والأطفال، ومرتكبين جرائم حرب يندى لها جبين الإنسانية؛ من أول الاغتصاب الجنسى، إلى الرش الكيماوى للحقول والبشر، وصولاً للمذابح الجماعية لمواطنين غير مسلحين. كل ذلك لتحقيق أجندة استعمارية كبرى، لا شعور لها، ولا ضمير فيها، لتُعرَف فيتنام بـ"مقبرة الضمير الأمريكى".

جون رامبو كان واحد من هؤلاء الشباب الذين سوقوا إلى المستنقع الفيتنامى ليغرقوا فى ممارسة الظلم والخسة والهمجية. هو جندى خارق المهارة، علّمه جيشه ممارسة القتل كالتنفس، مما حوّله إلى ما يشبه وحش فرانكنشتاين؛ كائن مشوّه، مرفوض، يكره نفسه والعالم. فى أول أفلامه First Blood أو الدماء الأولى (1982)، المأخوذ عن رواية لديفيد موريل، يهيم رامبو فى مدن أمريكا بعد نهاية حرب فيتنام، مقرراً زيارة أحد زملاء القتال فى بلدة صغيرة، ولكنه يقابل تعسف واضطهاد من مأمورها، مما يعيده إلى ذكريات الحرب، ويثير الوحش الرابض، لينطلق كقنبلة فى وجه الجميع. بدا الأمر هنا وكأن رامبو ينتقم من "السلطة" الغبية التى أرسلته إلى حرب غبية، ليفقد إنسانيته، وكأن وحش فرانكتشاين يثأر من صانعه. فى الجزء الثانى Rambo 2 أو رامبو 2 (1985) يُستدعَى الوحش لإنقاذ أسرى أمريكان فى فيتنام، ليعيش نفس الحرب الأولى مجدداً، ولكن ضد قادة سوفييت متحالفين مع الفيتناميين، تماشياً مع حالة الحرب الباردة وقتها بين أمريكا وروسيا، ليهلل الجمهور للبطل هذه المرة، والذى يستثمر إمكانياته العبقرية لحساب دولته، بدون نسيان اصطدامه بسلطتها مجدداً، والتى تظهر كمخادعة وأنانية وحمقاء. فى الجزء الثالث Rambo 3 أو رامبو 3 (1988) يستكمل رامبو خدمة أمريكا-الحرب الباردة، بالوقوف مع المجاهدين الأفغان ضد الغزو السوفييتى لأفغانستان، وطبعاً ينتصر انتصارا لا يقل عن سابقه. مثل 2، و3، يستأنف Rambo 4 أو رامبو 4 (2008) حرب رامبو ضد أعداءه غير الأمريكيين، وذلك عندما نراه وقد قارب الستين من العمر وأعتزل الحياة، مستقراً فى قرية بتايلاند قرب حدود بورما، بائعاً للثعابين، وناقلاً للمواطنين فى قاربه، وكيف يؤجره قس مسيحى كى ينقل بعثة إنسانية، ستعالج ضحايا التمرد ضد الحكم العسكرى الدموى فى بورما. لكن بعد أن يهاجم الجيش البورمى البعثة، ليقتل 2 منها ويأسر الباقى، يستنجد القس برامبو، الذى يتجه مع مجموعة مرتزقة لإنقاذ أفراد البعثة، وهو ما ينجح فيه بالفعل، لكن ليس قبل ذبح وفرم وشوى الجيش البورمى عن بكرة أبيه !

ينتمى الفيلم لنوعية Gorilla War أو فيلم حرب الجوريلا؛ القائم على مجموعة مرتزقة، يستخدمون تكتيكات حربية وأسلحة خفيفة وحركة حرة، ويحاربون قوة عسكرية أضخم حجماً وتسليحاً وأكثر ثباتاً، وذلك – فى الأغلب – بهدف تحرير أسرى حرب، عبر معارك تدور فى غابات. هذه الأفلام انتشرت فى الثمانينيات، عبر قائمة طويلة تضم – كأمثلة – Uncommon Valor أو شجاعة غير عادية (1983)، Let's Get Harry أو هيا لنُرجع هارى (1986)، وDelta Force 2أو القوة دلتا 2 (1990). بالإضافة إلى ذلك، ينتمى رامبو 4 لفروع أخرى فى الفيلم الحربى، مثل فيلم العملية الحربية الواحدة، سواء إنتمت لحرب معلنة؛ مثل الحرب العالمية الثانية بين دول المحور والحلفاء فىThe Bridge on the River Kwai  أو جسر على نهر كواى (1957) أو حرب غير معلنة؛ مثل التدخل الأمريكى العسكرى فى الصومال سنة 1993، والذى اُستوحى منه فيلم Black Hawk Down أو سقوط الصقر الأسود (2001). كذلك فيلم المحارب المنفى؛ الذى يشبهِّه الكاتب ستانلى جيه. سولومون فى كتابه "أنواع الفيلم الأمريكى"، ترجمة الأستاذ مدحت محفوظ، صـ342، بأسطورة شمشمون "الذى كان محارباً جباراً يوماً ما، ثم تضعف قواه، ويُسجن فى أرض أعدائه" ليبدو زاهد فى الحياة، لامبالى تجاه الأحداث العظمى حوله، ولكن عندما تناديه الظروف، يُوقظ البطل داخله، وينخرط فى المعركة، محققاً مبادئه الكامنة، ومحطماً عدوه، وأبرز مثال لهذا الفرع فيلم Casablanca أو كازابلانكا (1942). ناهيك عن ظنى بأن رامبو 4 ينتمى أيضاً لنوعية فيلم الحرب الدعائى، الذى يروِّج للقوة الحربية لدولة، وذلك – هنا – من خلال محاربها الذى لا يشق له غبار؛ فإذا كان رامبو، وحده، قادر على دحر جيش بأسره، فماذا بشأن جيش من محاربين مثله ؟!  

هذا الفيلم ضايقنى وأزعجنى على أصعدة كثيرة. بادئ ذى بدء، هو فيلم فقير، بليد، وبلا تميز يذكر فى أى من عناصره الفنية؛ بداية من السيناريو الذى كتبه ستالون، وصولاً للإخراج الذى أضطلع به ستالون. تبدو فكرة الفيلم كخليط غير مبهر من أفلام الثمانينيات المذكورة، يكرر استهلاك نقاط متعددة منها بدون إبداع أو حيوية. ستالون، كممثل، كان فى أسوأ حالاته. باستثناء المشهد الأخير الذى يعود فيه لموطنه، قدم أداء متداع، يتراوح بين ملامح مرتعشة ووجه نعسان. بدا الحوار – ظاهرياً – عميق، بينما هو فى الواقع شديد الركاكة والسخف؛ فقط تذكر جملة الفيلم الأشهر "عش من أجل لا شئ، أو مت من أجل شئ" كى تتأمل الاستفزاز. تتابعات الأكشن لم تكن على مستوى الثلاثة أفلام السابقة، أو حتى شئ قريب منها. إنها مجرد مشاهد قتالية تقليدية، لا يمكن مقارنتها إلا بأفلام الأكشن V أو الأفلام-المصنوعة-خصيصاً-للفيديو، والتى تتصف بانخفاض الميزانية والموهبة. ذروة الأحداث كانت ضعيفة. ستالون، ككاتب مع السيناريست آرت مونتراستيلى، عمد إلى حل كل شئ بمدفع مجنون فوق جبل؛ يحصد أرواح كل الأعداء فى جميع الأماكن ! اختصر هذا المعركة لتتابع شبيه جداً بالمحاكاة الكوميدية لرامبو فى نهاية الفيلم الساخر Hot Shots 2 أو طلقات ساخنة 2 (1993)، لدرجة أن أكثر عشاق رامبو، أو أفلام الأكشن، إخلاصاً لابد أن يغادروا مقاعدهم غير راضين.

إليك ما هو أخطر. رامبو الأول (1982) كان يُفترض أنه فيلم ضد-الحرب، والفيلمين التاليين فى (1985) و(1988) على التوالى، كانا ضد-أمريكا، بعض الفيتناميين، والإتحاد السوفييتى، من خلال حرب جهنمية فى كل مرة. لذلك، دعنا لا نكن شاعريين فى المكان الخطأ؛ فأفلام رامبو ليست سوى أفلام حركة / حربية، هدفها الدعاية للمحارب الأمريكى الصنديد، وإمتاع المشاهدين بمعادلة "جيش واحد" يواجه "جيش من رجل واحد". ورغماً أن ستالون يعرف جيداً أن رامبو وحش صناعة أمريكية (لذا رفض فكرة لهذا الجزء، يعمل فيها رامبو كدبلوماسى فى الأمم المتحدة، وله زوجة وابن)، ورغماً أن فكرة الوحش كان لها أن تصنع دراما قوية، أو دراما؛ فإن ستالون لم يستغل إلا الجانب السطحى من هذا "الوحش"، مع الإفراط فى استعراض وحشيته، زائد صياغة رسالة تعجز هذه المرة عن الزعم بأنها ضد-الحرب، لأنها فى حقيقتها ضد-السلام !

رامبو – كالمعتاد – دخل حرباً، ضد أشرار متجبرين، كى ينتصر فيها. ثم اختار فى النهاية أن يعود – أخيراً – إلى موطنه فربما روحه التائهة تجد خلاصها، ولكن ليس قبل واحد من أكبر حمامات الدم التى يمكنك أن تشهدها فى فيلم سينمائى. إنه لم يحارب من أجل الانتصار، بقدر ما حارب من أجل الإبادة الجماعية، متحولاً إلى سلاح دمار شامل يمشى على قدمين، والفرق الوحيد بينه وبين القنبلة الذرية أنه لا يترك إشعاعاً دائماً مكان انفجاره!

راقب ماذا فعل عندما حاول قائد الجنود البورميين الهرب، لقد مزقه بسكينته حتى نزع أحشاءه؛ وهى – بالمناسبة – طريقة شنيعة للقتل كان يستخدمها جيش Viet Cong الفيتنامى الشيوعى فى أوائل الستينيات؛ أى أن رامبو – المُفترض مجيئه من دولة أكثر تحضراً – صار فى همجية أعداءه القدامى. ثم أنظر له فى المعركة الأخيرة وهو يمحو جنود بورما من على وجه الأرض، بدون أن يأخذ أسرى، أو يقبل مستسلم، أو يترك أحداً حى لوجه الله؛ لتكتشف أنه أصبح أكثر شراً من أعداءه الحاليين ! ستالون يثبت هذه الجولة أن سبيل الوحش المخبول القبيح، المسمى رامبو، هو السبيل الوحيد لتنجو فى هذا العالم، ليصبح رامبو لا شئ سوى حرب أمريكية أكثر منه محارب أمريكى، وأداة لصناعة أموال من شباك التذاكر، ولتنس – أرجوك – أى إدعاء بكونه شخصية درامية لها أعماق ومعانى. لذلك، فإن عودته لوطنه فى مشهد الختام تبدو مفرغة المعنى. من ناحية ستسأل مراراً، فى حيرة، لماذا لم يفعل ذلك منذ البداية ؟! ومن ناحية أخرى، أنت تعلم أن هذه العودة ليست خلاصه الذى يبحث عنه، أو فوزه بسلامه الداخلى المفقود منذ عقود، فالحرب صارت هى خلاصه وسلامه، كـ"الشئ الذى يموت من أجله"، ولا "حياة" بدونه. يتكامل مع ذلك ما أُعلن مؤخراً من أن رامبو سيعود قريباً جداً فى فيلم جديد / حرب جديدة، عبر جزء خامس من تأليف وإخراج وتمثيل ستالون أيضاً، مما يحسم أن وطن رامبو هو القتل ولا شئ غيره!    

تبتعد عن هذا المعنى المزعج.. كى يصدمك الفيلم بأمر مزعج آخر. من المؤكد أن ستالون، كمخرج، سأل نفسه ماذا سيفعل بميزانية متهالكة مثل 50 مليون دولار كى يجذب الجمهور ؟ (رامبو 3، المنتج قبلها بـ20 عام، تكلّف 63 مليون دولار)، كيف سينافس أفلام أكشن فى نفس السنة تكلّفت ميزانيات فلكية، كفيلم أنديانا جونز The Kingdom of the Crystal Skull أو مملكة الجمجمة الكريستالية، المُنتج بـ185 مليون دولار، وفيلم جيمس بوند Quantum of Solace أو كم العزاء، المنتج بـ219 مليون دولار، وThe Chronicles of Narnia 2 أو تاريخ نارنيا 2، المُنتج بـ246 مليون دولار ؟ كيف سيدهش ستالون الجيل الجديد ببطله القديم القادم من الثمانينيات ؟ والحق أنه وجد الإجابة. إنها ليست فى المأزق الدرامى، أو البعد الفلسفى، أو حتى الأكشن العظيم. إنها فى اللحم المفروم !  

ذهب ستالون بالعنف فى فيلمه إلى درجة R فى التصنيف الرقابى، ليصنع كل ما يحلو له من رؤوس تتفجَّر، وأجساد تتقطَّع لأشلاء، وجالونات لا حصر لها من الدماء، فى عنف غير إنسانى، أو صناعة سينما غير إنسانية ! أنا لا أستطيع نسيان المعركة الختامية، عندما يقف رامبو وراء مدفعه الشيطانى، كى يقتل فى مذبحة كبرى كل الأعداء، محولاً إياهم إلى مئات الأوصال الممزقة، وأطنان من اللحم المفروم (عدد القتلى : 236 !)، منهياً نصف كومبارس هوليوود بالإضافة إلى معدتى ! هذا شئ مريض، ومُمرِض، يختلف تماماً عن العنف الكارتونى الذى شاهدناه فى الأفلام الثلاثة الأولى، والتى كان الجندى فيها يتلقى رصاصة، ثم يمثل السقوط، ودمتم. إن هذا التتابع هو أقرب ما يكون للكابوس الذى عاشه جون رامبو نفسه فى فيتنام، وحكى جزءاً منه فى نهاية الفيلم الأول، حينما إنفجر جسد زميله أمامه، ثم التصقت أجزاء من لحمه به. وبناءاً على ذلك، كما ترى، فإن هذا الفيلم أصبح شريراً كالحرب، ونحن – كالمشاهدين المساكين – صار علينا التحول إلى معقدين نفسياً مثل رامبو !  

إذا كان هذا مزعج؛ فإليك أكثر أوجه الفيلم إزعاجاً على الإطلاق. بمشاهدة متأنية، سترى أن هذا الفيلم يقدم حرب رامبو فى فيتنام؛ قبل انسحاب القوات الأمريكية سنة 1973، وإن تم ذلك بطريق غير مباشر. فجنود النظام البورمى يبدون كجنود الجيش الفيتنامى، وفلاحى بورما الفقراء يبدون كفلاحى فيتنام الفقراء، وخلفيات المكانين واحدة، بل أنهما متقاربين على الخريطة، وحقوق الإنسان مهدرة فى الحالتين، خاصة معارضى السلطة القمعية، ورامبو ليس إلا "شمشون الذى سُجن فى أرض أعدائه"، ووجب عليه استعادة قوته واستحضار قدراته، كى يلعب دور المُخلِّص الأمريكى الشهم، ويُكمل مهمته الأمريكية المقدسة فى بداية الألفية الجديدة، معطياً النموذج المعلِّم، والقدوة الحسنة، لكل مجند أمريكى شاب، خاصة هؤلاء الذين كانوا يُشحَنون إلى العراق وقت عرض الفيلم، تحت شعارات صريحة الكذب مثل نشر الحرية والديموقراطية.

لتدعيم هذه النظرة، تأمل المبدأ المستفز للبطل "عش من أجل لا شئ، أو مت من أجل شئ" ! بشكل ما، يمكنك قراءتها كستالون، الذى أعلن أن مناهضى الحكم فى بورما سنة 2008، والذين هرّبوا الفيلم بعد منعه رقابياً فى بلدهم، رددوها ضد طغيان الديكتاتورية العسكرية هناك، ليعتبر ذلك "أكثر لحظة فخر عاشها فى عمره الفنى". ولكن بشكل آخر، يمكنك أن تقرأها كنداء دعائى للتجنيد، يساند الجيش الأمريكى، ويجلب مزيداً من الجنود لحرب العراق، وهى حرب فيتنام الثانية، التى صُنع فيها اللحم المفروم الحقيقى لسنوات امتدت بين 2003 و2011. والعجيب أن ذلك يتوافق مع قرارات الرئيس الأمريكى جورج. دبليو بوش فى العام السابق مباشرة، 2007، والتى طلبت أكثر من 21 ألف جندى جديد للسفر إلى العراق. ليظهر الفيلم كدعوة إلى حرب قذرة جديدة، تفرّخ آلاف الجنود المشوهين نفسياً، والذين يقتلون بلا ضمير، بشكل إبادى مرعب، مهدرين حقوق وحياة الإنسان، على نحو أفظع من العدو الذى يحاربونه (تشير إحصائيات أجرتها جامعات أمريكية وكندية وعراقية أن ضحايا الغزو الأمريكى للعراق وصلوا لأكثر من 450 ألف عراقى، مقابل أقل من 4500 جندى أمريكى)، وإلا عليك أن تسأل ببديهية : لماذا لا يكون مبدأ البطل "عش من أجل شئ" كنوع من التغيير ؟!

رامبو 4 فيلم حربى كريه مثل بطله. إنه عمل عنيف لعين، به صور فظيعة ومتوحشة، يعوِّض بها غياب السيناريو الجيد والميزانية الكبيرة. أسوأ ما فيه؛ إعلاءه لأسطورة محارب مسخى، لا يرحم كالطاعون. وأخبث ما فيه؛ ترويجه للحرب التى تمحو العدو من الوجود، كهدف نبيل يجعل للحياة قيمة.

إقرأ المزيد...

الضمير عندما يعنى الموت!.. (أيوب – 1984)

 

كلمة "صغير" لا صلة لها بهذا الفيلم، فنحن أمام اجتماع للكبار. نجيب محفوظ، الأديب المصرى القدير، قبل أن يكون الأديب العربى الوحيد الحاصل على نوبل للآداب. محسن زايد، أستاذ السيناريو، صاحب الكم القليل والكيف العظيم من الأعمال السينمائية والتلفزيونية. عمر الشريف، بعد 20 عاماً من رحلة العالمية، داخل وخارج هوليوود، والتى ضمت عدد لا بأس به من الأفلام الرائعة، زائد الترشح للأوسكار. محمود المليجى، ليس أحد ملوك الشر، وإنما أحد ملوك السينما المصرية. فؤاد المهندس، نجم الكوميديا الأشهر، والذى يؤكد أنه كان نجم الدراما أيضاً. ناهيك عن أسماء لامعة مثل مديحة يسرى، إبراهيم الشامى، آثار الحكيم، مصطفى فهمى فى طاقم التمثيل، عادل منير مونتيراً، وعبد المنعم بهنسى مديراً للتصوير. حتى هانى لاشين مخرجاً، فى أول أفلامه الروائية الطويلة، لم يكن صغيراً على الإطلاق.   

 

أول ما يلفت نظرك فى هذا الفيلم الكبير هو القصة. فى مجموعته القصصية "الشيطان يعظ"، كتب نجيب محفوظ "أيوب"، عن المليونير عبد الحميد الذى يقع فريسة الشلل النصفى، والذى بإيعاز من صديقه القديم د. جلال، يتجه لكتابة مذكراته، وفضح ماضيه، فى محاولة للتطهر، تقرّبه من ضميره، وتُصالِحه مع نفسه، لعل مرضه ينتهى، وروحه تخف، ليتمكن من متابعة الحياة بشكل طبيعى بالمعنى الجسمانى (السير مجدداً)، والروحانى (الرضا عن النفس). الموضوع مدهش لا شك، لكنك إذا ما فكرت، مجرد تفكير، فى تحويل هذه القصة لعمل سينمائى، فستكتشف صعوبات شتى. فالمكان لا يتغير (بيت عبد الحميد)، والنص أغلبه حوار بين البطل وصديقه، وهذا الحوار فلسفى إلى درجة غليظة أحياناً. وهذا عينه ما يؤكد عبقرية الراحل محسن زايد، والذى إستطاع تجاوز كل هذه الصعوبات، وتذليل هذه القصة، لتصبح فيلم سينمائى من الطراز الأول.

 

حاول النص القصصى إستعراض تاريخ الإنسان منذ العصر الحجرى، فى سعيه الدائم نحو التقدم، وعلاقته بالاقتصاد، مروراً باختياراته السياسية، ووصولاً لحقيقة أن عيش الإنسان للآخرين، هو أفضل عيش لنفسه، مع انتقاد يمتد بين التلميح والتصريح لسياسة الانفتاح الاقتصادى، والتحول للرأسمالية الحرة، وهو ما غيّم على الدولة المصرية وقت كتابة القصة، فى درس مؤداه أن المكسب الفردى، لابد أن يكون مكسب جماعى، وهو معنى إشتراكى نبيل، تجده – بالتأكيد – ضمن الأبعاد المختلفة للقصة؛ الفلسفية والاجتماعية والسياسية، وهى عادة محفوظ، فى اختيار موضوع يبدو إنسانياً بالدرجة الأولى (هذه المرة؛ الإصابة بشلل مفاجئ)، ولكن مع معالجته على نحو دسم، متعدد الأبعاد.      

 

إذاً ماذا فعل زايد ؟ إنه هدم تلال الفلسفة هذه، ليبنى بدلاً منها فيلماً سينمائياً بمعنى الكلمة، يتضمن هذه الفلسفة مع أبعادها الآخرى، فى بناء متناغم، وقوى، ومثير. إنه على مستوى البعد الفلسفى، يراعى وسيط السينما كفن شعبى، ويبسِّط الثقل الفكرى للعمل، مركِّزاً خط الهجاء الأساسى ضد قيمة الكذب فى المجتمع، ومحاولة إقرار الصدق، والإصرار عليه، إنتصاراً للإنسانية والنزاهة. وذلك مع بعد اقتصادى، نرى فيه تدخل العفن الأخلاقى فى المنظومة الاقتصادية، لتشمل التهريب، وتدار بالعمولات والرشاوى، ويصل تسلق أصحابها إلى قمة النجاح المادى، ليصبحوا من رموز البلد. وبعد سياسى، يتركز فى تآمر رجال السياسية حول البطل عند محاولته كشف حقائق رحلته مع الملايين، وهى التى يبدو أنها تكشف تورطهم معه أيضاً، بلقطة ذكية، فى تعبيرها البصرى البليغ والمختصر، لشخص يأمر أحد رجاله بمنع المذكرات من النشر، مع قيام الأخير بتحية عسكرية له، ويبدو تغييم صاحب التحية العسكرية، حتى لا نرى إن كان مرتدياً الزى العسكرى أم لا، هروب خبيث من رقابة 1984، للإيحاء بأن المُهدِّد قد يكون مازال فى السلطة، بمعلومية أن الفيلم إنتاج التلفزيون الحكومى (أى إنتاج هذه السلطة ذاتها !). زائد بعد إجتماعى يناسب تقاليد السينما الجماهيرية أكثر من الأدب الفلسفى، ويُشبِع الشهية الدرامية للمشاهد وليست الفكرية المحضة، ويجعل الشخصيات أكثر إنسانية وأقل رمزية؛ كأن نرى شجار البطل مع مهندس بشركته، واستنكاره لفستان ترتديه زوجته، وحواره مع خادمه بفايد. أو نفاق زوجته؛ بإعلان رفضها للخزعبلات أمام الآخرين ثم ممارسة الإيمان بها بعيداً عنهم، وسعيها لاستخدام سبل دنيئة كالرشوة والدفع بخرف زوجها أمام القضاء؛ لإيقاف طبع المذكرات. أو إخلاص وطرافة د. جلال فى عمله، وقصته مع الشاب الذى تقدم ليتزوج ابنته.. إلخ.

 

على صعيد الشخصيات، لم يعد د. جلال ذلك الفيلسوف عميق الثقافة، شديد الثرثرة، وإنما رجل خفيف لطيف، يمتلك الحكمة والبساطة. فاضل بك رجل الأعمال الفاسد فى ماضى القصة، يصبح ذلك وأكثر؛ منافس عبد الحميد بحاضر الفيلم. أفكار، الزوجة الباهتة نوعاً ما فى القصة، تتحول لإنسانة من لحم ودم، وتتعدد مواقفها كإمرأة عاشقة للماديات، غارقة فى المظاهر، ومصابة بداء رفض الصدق، محاربة زوجها كيلا يصارح أحد بتاريخه. كما نرى الابن وفيق، فى كذبه، وصفقاته الانتهازية، وشرفه الملوث كرجل أعمال، ونرى نقيضه، الابنة نبيلة، فى علاقتها بحبيبها حامد، ورغبتها فى الهرب معه لأرض بكر جديدة، بعيداً عن عالمها المشبَّع بالزيف، ومساندتها لوالدها فى ثورته على نفس الزيف، كل ذلك فى تجسيد مبدع لشخصيات القصة، يحافظ على أساسها المكتوب، ويمد خطها الدرامى، بأحداث صحيح لا تنتمى للقصة، لكنها مبنية على نفس الأساس.

 

يضيف زايد شخصيات آخرى من عندياته، تجئ من صلب العمل وتفاصيل عالمه، لتخدم الدراما وتؤكد معانيها المرغوبة، مثل : أزهار أخت الزوجة، لتمثِّل أصلها الشعبى الفقير الذى تهرب منه، وتعزز الجزء المؤمن بالخرافات فيها. عم محمود، زوج أزهار، صاحب المطبعة المتدين، والذى تحقق إضافته تدعيم الجانب الإيمانى فى البطل "المرض ده ما هو امتحان من المولى سبحانه وتعالى بيختبر به عبده المؤمن"، زائد طباعة مذكراته لاحقاً. عم صالح، حلاق البطل القديم، للتذكير بماضيه كشاب مثالى ومناضل ضد المحتل، ولإظهار أن البسمة الدائمة راجعة إلى "عدم الكتم فى القلب أبداً"، وهو تكرار على نغمة المصارحة والمصالحة / خطاب الفيلم، وكحلقة وصل مع د. جلال، يصل بها البطل إليه. زائد عبد الراضى، سكرتير البطل، المطيع والمتزلف، كعنصر ترويحى.

 

يظل أكثر ما أبهرنى فى هذا التعامل الخلاق مع النص القصصى هو الثلث الأخير من الفيلم. لعلك لا تعرف أن قصة محفوظ تنتهى بالبطل وقد صمم أن يخفف الحمل من على كاهله، ليُطلق أسراره المُمرِضة إلى الورق، والمقصود ورق مكتبه ليس إلا. أما فى النص السينمائى، فينطلق محسن زايد، ويجعل البطل يصمم على نشر هذه المذكرات فى كتاب بعنوان "مليونير يفتح أوراقه"، مما يثرى الدراما، ويزيدها إثارة، بل وواقعية، إذا ما وضعنا فى الإعتبار، شيوع كتب السير الذاتية نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، لسياسيين وفنانين واقتصاديين، مثل "البحث عن الذات" للرئيس أنور السادات (1978)، و"ملك الترسو" للنجم فريد شوقى بقلم الكاتبة الصحفية إيريس نظمى (1978)، و"صفحات من تجربتي" لرجل الأعمال عثمان أحمد عثمان (1981)، وستتعجب صديقى القارئ، عندما تعرف أن هذا – أيضاً – لم يكن إلا إمتداد للقصة، وبناءاً عليها، حينما تكتشف أن السيناريست استوحاه من سطر بها يقوله د. جلال أثناء حكى عبد الحميد عن ذكرياته ذات الظلال الخطيرة "أحادثيك يجب أن تكون دعوة للموت فى هذه الحياة التى نحياها"، وهو ما يُنسَج منه الثلث الأخير، بكل ما يستتبعه من مؤامرات لإيقاف الكتاب، وتهديدات للبطل وأسرته، وتزايد عزيمته فى الاعتراف، مما يُلهب الأحداث، قائداً لذروتين، الأولى هى حلمه بتحدى قاتليه، والانتصار عليهم، مما يجلب له الشفاء (فى مشهد موجود بالقصة)، وكأن كل ما فات مجرد كابوس، كان الضمير هو اليقظة الوحيدة منه، ثم تصفية عبد الحميد جسدياً (وهو مشهد غير موجود بالقصة)، على يد متآمرين مجهولين، كالحل الحاسم لقتل صدقه قبل أن يقتل سمعة الآخرين، وحفاظاً على المجتمع كعالم مقتول الفضيلة، مثالى الكذب، إثباتاً لمقولة محفوظ أن الصدق قد صار "دعوة للموت فى هذه الحياة".

 

الحق أن السيناريو غنى بنقاط خاصة يتميز بها عن النص القصصى. مثلاً، بينما يبقى ميعاد إصابة البطل بالشلل فى القصة منبت الصلة إلا بتراكمية ندمه، وتعذيب ضميره؛ نراه فى الفيلم يتصل بإجراء صفقة كبرى، يتمكن فيها من هزيمة سيده القديم، ومنافسه الحالى، فاضل بك، مما يوحى ببراعة أن شلله لم يكن سوى معادل لوصوله إلى أعلى قمم النجاح المادى، القائم أصلاً على السقوط الأخلاقى، مما يعنى إكتمال تحوله إلى "فاضل" جديد من أفاضل هذه المدينة، وهو ما يبدو – نفسياً – كالقشة التى قصمت ظهره. التوازى ما بين إتجاه البطل للتطهر من ماضيه مع فاضل، واتجاه ابنه إلى عقد صفقات مع هذا الفاضل نفسه، يبرهن أن المستقبل سيكون ملكاً لهؤلاء الفاسدين. ويُلمِّح غياب الابن وفيق، عن مشهد مغادرة أبيه للبيت، فى الصباح التالى لشفائه وقبيل اغتياله بقليل، إلى إمكانية ضلوعه فى هذا الاغتيال. وجاء اصطحاب البطل لابنته نبيلة، التى تحمل قيمه النزيهة، فى المشوار الذى سيتم فيه إطلاق النار عليهما، إرهاصة بانتهاء مستقبل الصدق فى هذا العالم، وهى النهاية الحزينة، التى تجعل لهذا الفيلم مذاقه المرير المتفرد.

 

فضلاً عن تفاصيل صغيرة لكن معبرة؛ مثل سيارة د. جلال، الفقيرة المتهالكة، التى تدلل على شخصيته الرافضة للمظاهر البراقة. سماع صوت د. جلال، سعيداً بكلمات مؤازِرة، عند رفض البطل للكرسى المتحرك، كصوت الضمير فى عقله. معاينة أفكار لملابس زوج أختها الفقير قبل سماحها له بالتواجد وسط ضيوفها. اللكنة الساخرة لفاضل عند زيارته للبطل قعيداً؛ والتى قلبت تعبيراته الحزينة إلى تشفى صريح. أو استماع البطل لأم كلثوم وهى تشدو "أنا ياما صبرت زمان، على نار وعذاب وهوان... وأهى غلطة"، فى اللحظة التى يفكر فيها "أيوب" الفيلم أن ينهى صبره، ويكسر سكوته، ويعلن تمرده على هوان الضمير، حتى يُنهى تلك "الغلطة"، ويصل لمساحة السمو بداخله. تلاعب أصابع وفيق بسبحة أثناء تسليمه رشوة ضخمة، تهكماً على الكذب بإدعاء التدين، أو إشارة لما حدث من مفاسد أيام الرئيس المؤمن. تحويل ثروة عبد الحميد من 5 مليون فى القصة إلى 130 مليون فى الفيلم، فكلما زادت الثروة، زاد النفوذ، وبالتالى زادت المفارقة مع فقدان الصحة، وزاد استغراق المشاهد فى تخيل كيفية حشد كل هذه الثروة. اختيار المصعد الهابط كمكان انهيار البطل مشلولاً، كنهاية رحلة سقوط طويلة.

 

حوار قصة محفوظ متخم بجمل صلدة من نوعية "إن الذاتية هى سبيل العبودية، وأن الموضوعية هى سبيل الحرية. الإختيار الحر يقوم على الموضوعية، وإلا أذعنا إلى غريزة ونحن نتوهم أننا نمارس عاطفة، أو سيّرنا عاطفة ونحن نعتقد أننا نلبى العقل. ولكى يحدث الانسجام والتوازن بين الغرائز والعواطف والعقل فلابد من تربية الإرادة"، لكن حوار فيلم زايد، يجمع بين عمق الرؤية، وواقعية الجو، فى حيوية وظرف. فعند مطالعة عم محمود لأوراق المذكرات، وبالتالى لفضائح عبد الحميد، يُعلِّق بين الذهول والأسى "الله يخيّبك يا عبد الحميد بيه !". وعند عرض د. جلال لأفكار، نظريته فى عدم العمل بالطب للتربح يقول "أنا مؤمن إن الطبيب زى القاضى تمام، شغلته إنه يفصل فى قضايا الإنسان وجسمه. عمرك سمعتى عن قاضى فتح محكمة قطاع خاص ؟!"، أو إعتراف عبد الحميد "اللحظة اللى نسيت فيها نفسى، وإنتهت جوايا شخصيتى الحقيقية، هى اللحظة اللى إتشليت فيها."

 

يتفوق عمر الشريف، مقدماً واحد من أكثر أداءاته نضجاً. يكفى الإشارة لـ3 لحظات. الأولى عندما يتطلع لنفاق ضيوفه؛ فى نظرة تمزج السخرية برثاء النفس. والثانية عندما يتأمل كلمات د. جلال عن تيه الإنسان بين أقنعته المختلفة، ليبدو ألم الضمير وجلد الذات على ملامحه الصامتة. والثالثة تحديه للكرسى المتحرك، فى مشهد يثور فيه على مرضه، ويصارع عجزه، محطماً صورته التى لا يرضاها فى مرآته.

 

يتمكن هانى لاشين من قيادة ممثليه بامتياز، واختيار أحجام كادراته بدقة؛ كتلك المجموعة المتنوعة من اللقطات المقربة للبطل، لإظهار اضطرابه المكتوم وأزمته الحقيقية. كما يمتعنا بلحظات ماهرة؛ كأن يطير بالكاميرا فوق بحر فايد وصولاً للبطل على كرسيه المتحرك، ليرينا ما يموج فى نفسه من آلام، وما يحبسه من بحور أسرار. أو يصبغ لقاء البطل وصديقه، بعد الاستماع للمذكرات المسجلة، باللون الأبيض – سواء فى خلفية المكان، أسوار الشرفة، أو ملابس الشخصيات – دليل الطهر الذى غدا يرفل فيه عبد الحميد. أو يحتجز أفكار داخل البيانو، من زاوية تبرزها كسجينة مفردات الحياة المترفة، فى ذات اللحظة التى تنفجر فيها غاضبة بسبب زوجها الذى ستودى به صراحته للسجن ! كما تلمس محاولة لخرق المألوف، ولو خلال أمر عابر؛ عندما يُعرَض تتر البداية على تتابع عودة البطل من السفر، وخروجه من المطار إلى شركته، واجراءه لمكالمة تليفونية، ثم مقابلته لموظفينه وابنه، وليس من خلال عناوين منفردة كالمعتاد، فضلاً عن غياب الموسيقى عن هذا التتر، خلافاً للمعتاد أيضاً.  

 

يصيغ المونتاج شخصية متوازنة للعمل، تجمع بين الإيقاع الرشيق والجانب التأملى، كما يتألق فى تجسيم الصراع بمشهد البطل وكرسيه المتحرك. ويبلغ التصوير أوجه فى مشهد الإصابة بالشلل، عندما تتابع الكامير المحمولة البطل مغادراً مكتبه، ناقلة بصدق اضطراب حركته، لنتوحد معه والمرض يتمكن منه، معرقلاً سيره خطوة بخطوة، فى مشهد لا يقل مستواه عن مشاهد شبيهه فى أفلام أمريكية وأوروبية. لكن بينما تتميز الإضاءة فى مشاهد، كحلم البطل بالقتلة واشتباكه معهم فى الظلام، يخونها التعبير عند دوران الكاميرا على وجوه ضيوفه المهوِّنين عليه بعد شلله، لتظهر فاقعة ومكشوفة.

 

أعلت الموسيقى التصويرية لمصطفى ناجى مشاعر التأمل والتوتر، وغابت عن أحاسيس التقارب والتفاؤل (فى علاقة الابنة وخطيبها، أو البطل وصديقه) ربما تأكيداً لسوداوية عامة. ونجحت عند زواج عبد الحميد من الراقصة كريستينا، فى قلب زفة الفرح المألوفة "إتمخطرى يا حلوة يا زينة" إلى مارش جنائزى مقبض، لاسيما عندما نكتشف أن العروس ليست إلا رشوة جنيسة لفاضل بك. لكن من ناحية آخرى، وقعت الثيمة الأساسية فى مشكلة التشابه مع موسيقى المسلسل الأمريكى Mission: Impossible (1966 : 1973)، للمؤلف الأرجنتينى لالو شيفرين، خاصة ثيمته الشهيرة The Plot. يعرض شريط الصوت فى خلفية رقصة كريستينا، المفترض حدوثها فى الخمسينات، موسيقى أغنية Heat Wave التى ألفها إيرفنج برلين سنة 1933، وغنتها مارلين مونرو فى الفيلم الأمريكى There's No Business Like Show Business سنة 1954، لكنه – فى نفس المشهد – يعرض توزيعاً موسيقياً لأغنية 1, 2, Cha Cha Cha  وهى أغنية للمطربة الهندية Usha Uthupغنتها لأول مرة فى الفيلم الهندى Shalimar سنة 1978، مما يعنى إستحالة عزفها زمن ذلك المشهد.

 

اختيار ليلى فهمى كالأخت الكبرى لمديحة يسرى، كى تناديها الأخيرة بـ"أبلة"، جاء كوميدياً. كما أن إخفاء وجه وهوية "الباشا"، الذى يعقد معه الأب والابن صفقات فى مراحل زمنية مختلفة، لم يكن مبرَّراً أو مفهوماً. 

 

بينما كان الصبر على المرض هو فضيلة أيوب التاريخ، ودليل إيمانه، مما حقق له الشفاء أخيراً، كان الصبر على الكذب هو خطيئة أيوب الفيلم، ودليل فساده، كالمرض الحقيقى الذى يستلزم الشفاء، ببلسم الصدق وترياق المواجهة. ولكن للأسف، فى حياة يحكمها الكذب والكذابون، لا يوجد إلا اختيارين؛ إما أن تميت ضميرك لتحيا، أو تحيى ضميرك لتموت. ورغم أن هذه الرؤية تصدمنا بواقع قاتم، إلا إنها تروِّج للإصرار على الحقيقة، حتى الإستشهاد. لهذه المعانى الجميلة، ولهذه العناصر الدرامية والسينمائية التى لا تقل جمالاً، إستحق "أيوب" أن يكون أول فيلم تلفزيونى يُعرَض سينمائياً، وأفضل فيلم تلفزيونى حتى الآن.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

نُشرت فى مجلة "أبيض وأسود"_عدد أكتوبر 2014

 

إقرأ المزيد...

سينما نهاية العالم

فى الخمس سنوات الأخيرة من القرن العشرين، راجت أفلام الكوارث الهوليوودية التى تدور حول نهاية العالم. هل كان السبب النبوءات التى ذاعت وقتها عن نهاية العالم بنهاية القرن العشرين ؟ هل كان الأمر محاولة لعودة أفلام الكوارث، التى ازدهرت فى سبعينات نفس القرن، ولكن بشكل أكبر وأكثر صخباً؛ فبعد أن كانت الكارثة خاصة بمشكلة تتعرض لها طائرة فى سلسلة أفلام Airport أو مطار، أو زلزال يضرب مدينة فى فيلم The Earthquake أو الزلزال، صار الأمر يشمل العالم بأسره ؟، أم هل للأمر صلة بأبناء المدنية الحديثة؛ والذين صاروا يطلبون مخاطر أعظم فى الأفلام، ليُفرّغوا من خلال الانتصار عليها ضغوطهم النفسية الثقيلة وكم احباطاتهم المتنوعة ؟ أياً ما يكون، فإن نهاية العالم صارت "موضة" فى أفلام تلك الفترة، وتمت معالجتها بطرق مختلفة.

إقرأ المزيد...