wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

يوسف نبيل

يوسف نبيل

 روائي ومترجم مصري، صدر له

 مياه الروح ـ رواية

 العالم على جسدي ـ رواية

موسم الذوبان ـ رواية

 في مقام العشق ـ رواية

كسر الإيقاع ـ رواية 

كلمات يونس الأخيرة

- يبدو أنهم صدقوا بالفعل أنك لا تعلم شيئًا حول الأمر.

-        ........... .

-        إنها الأوامر بإطلاق سراحك.. ألا يسرُّك ذلك؟

  لم يجب يوحنا بشيء.. كان هذا أول وجه آدمي يراه بعد مرور.. بعد مرور.. لا يذكر، أو بمعنى أدق لا يعرف. ها هو في غرفة فارغة تمامًا سوى من منضدة وورقة وقلم موضوعين عليها. الغرفة لا تحوي أية نوافذ؛ فقط باب موصد بإحكام، ويمر الوقت دون أن تعرف ما إن كنت في الصباح أم في المساء، وبين الحين والآخر يُفتح الباب فجأة لتدخل صينية من الطعام، وفي كل مرة تجد الأمر مختلفًا تمامًا... تارة طعام لا تستطيع تناوله من سوئه... قطعة خبز متحجرة وسائل أصفر لا تعلم كنهه، ومرة أخرى تجد قطعة لا بأس بها من اللحم مع أرز وخضار يمكن التعرف على ملامحه، وفي كل الحالات أنت لا تعرف السبب حتى عندما امتنعوا عن تقديم الطعام مدة طويلة حتى بدأت الهلاوس.... تنظر إلى الورقة والقلم فهما الشيئان الوحيدان في الغرفة ولا تعلم ما يجب عليك أن تفعله. بالطبع يودُّون منك الاعتراف، ولكنك لا تدري بم تعترف.. ترى كيف يكون الأمر إن كان ليس له علاقة بحازم وضباط الشرطة؟ ظللت تصرخ ساعات طويلة عدة مرات تسأل عن سبب اعتقالك لتحاول أن تستنبط حتى عما يكون الأمر بلا فائدة. بالطبع هم يراقبونك حتى بينما تتبول لمرات معدودة في طرف الغرفة الفارغة، بينما الورق والقلم موضوعان في مكانهما كما هما.

    كيف تقضي الوقت؟ وهل ينقضي أصلًا؟ إنك حتى غير قادر على معرفة مروره. ليس ثمة ساعة ولا أية أداة لحساب الوقت.. حسنًا.. ها هي الفكرة.

   نهض يوحنا من جلسته فجأة يركض صوب الورقة متعثرًا قبل أن يسقط ويظلم كل شيء بعد أن ارتطمت رأسه بالمنضدة. عندما حاول فتح عينه رأى نفسه راقدًا على الأرض، وكان يرى نفسه من منظر فوقيٍّ وكأنه محلقٌ في سقف الغرفة.. لينتهي المشهد. إظلام.. ها هي الصورة من جديد. ذبابة تحوِّم حول أنفك، تثقب جلدك ثقبًا دقيقًا لترتوي.. وتكبر.. تكبر.. تكبر حتى تحملك من رقدتك وتلقي بك صوب الجدار.

 يفيق يوحنا مرة أخرى على تأوُّه. يبدو أنه حقيقيٌّ. أو ربَّما مزيَّف. لا يعلم. فقط الحائط مقابله وخطَّان من الدم أمامه. يمدُّ يده ببطءٍ شديد على جبهته فيشعر بالدم يسيل بغزارة، فينظر إلى الورقة بلهفة ولا يرى شيئًا على المنضدة. يقاوم هزاله الشديد، وبينما الصورة آخذة في الاهتزاز ينظر يمنة ويسارًا حتى يجدها... نعم... لقد وجدها! يمسك بها كمن حصل على كنز العمر... يمسك بيده القلم ليخط أول خط.

******

   بيدين مرتعشتين خط تلك الخطوط الأولى...

  ستين مجموعة من الخطوط تحوى كل مجموعة منها ستين خطًّا رفيعًا. قال لنفسه إن كل خط يمثل ثانية وكل مجموعة تمثل دقيقة، وعند إنهاء كل مجموعة تكون ساعة قد مرت... هكذا سيقضي الوقت المنصرم قبل الجنون!

 مرَّت ساعة كاملة بينما هو يحصي الخطوط، وفتح الباب، ولكنه لم يتوقف خشية أن يضيع منه الوقت.. ما زال محافظًا على إيقاع الثانية بقدر المستطاع. كانت بطنه تئنُّ من الوجع، بينما قد أرسل إليه طبقًا تلك المرة يحوي طعامًا يبدو عليه أنه جيد. في أقل من جزء من ثانية كان قد نظر إليه وعاد إلى ورقته يحصي ثوانيه ودقائقه... يودُّ لو يقبض على الزمن بينما يقترب حفيف الجنون كشبحٍ تخيم أرجاؤه على المكان.

   عند مرور الساعة الثانية كانت الخطوط قد بدأت تتراقص أمام عينه والمعدة تصرخ، وشعر بالمفاجأة عندما فُتح الباب مرة أخرى ودخل طبق آخر من الطعام. اشتمَّ رائحة لم يشتمَّها منذ ذلك الوقت الذي دخل فيه إلى ذلك المكان.. رائحة طعام طازج حقيقي، وبينما نظر إليه في ذلك وعاد إلى ورقته وجد أن يديه قد تاهت عن الخط. توقف للحظة ونظر إلى الحساب الأخير فلم يعرف إلام وصل.. بدا وكأنه كان يعيد ما بدأه دون أن يدري. أصابه إحباط قاتل وبينما هو يفكر دخل أحدهم أخيرًا وأخبره مباشرة:

-        يبدو أنهم صدقوا بالفعل أنك لا تعلم شيئًا حول الأمر.

-        ............... .

-        إنها الأوامر بإطلاق سراحك... ألا يجعلك ذلك مسرورًا؟

  لم يفهم شيئًا، فاقترب منه الرجل وأمسك بذراعه بحنو بالغ واقتاده ببطء خارج الغرفة. شعر أنه سيسقط إن تركه الرجل لحظة واحدة. سار محدقًا بتعجب في المكان. كانت الصورة واضحة لدرجة الغموض. ما إن خرج من المبنى حتى أشاح بعينه بعيدًا عن السماء فقد غمره ضوء الشمس ولم يكن قد رآه لمدة لا يعلم مقدارها. أركبه الرجل سيارة فخمة مخبرًا إياه أنها ستصحبه حتى المنزل. حاول استجماع شتات أفكاره في يأس شديد فربما كان يحلم. وشعر أن الخطوط ما زالت أمام عينه تتراقص، وربما ما زال في الغرفة يحدق فيها ويرى كل ذلك من خلالها. استسلم لخيالاته وركب السيارة. فنظر إليه السائق قبل أن يبدأ التحرك:

-        لقد أرادوا منك معلومة واحدة فقط.

لم يفهم شيئًا ولم يجب.

-        ما علاقتك بالاعتداء على الأنبا ديمتريوس؟

-        لا أفهم شيئًا.

-        حسنًا... هذا لا يهم.

   ثم انطلق بالسيارة ويونس يحدق في بلاهة صوب الباب غير مصدق أنه يخرج أخيرًا، وفتح الحارس الباب الضخم وتوجهت السيارة صوبه ومرت العجلتان الأماميتان من العتبة، ثم توقفت فجأة ونظر السائق مرة أخرى إلى الخلف:

-        ألا تعلم حقًّا؟ لماذا أشعر أنك كاذب؟

 حدق يوحنا ببلاهة في وجهه ولم يتحمل الأمر... عاد إلى خطوطه أو عادت خطوطه إليه، وشعر أن كل شيء يتحرك ليبتلعه كاملا.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تصدر قريبًا عن روافد للنشر ـ القاهرة

 

 

إقرأ المزيد...

صلاة الحرب

مارك توين

 ترجمة: يوسف نبيل

لقد كان ذلك وقت الهياج العظيم.... كانت البلد تغلي والحرب في أوجها، ولهيب الوطنية يتقد في الصدور، والطبول تُدوِّي الموسيقى تعلو، وتقرقع النيران من الأسلحة وترن أصوات البنادق وتدمدم. ترفرف كمية هائلة من الأعلام في وجه الشمس في كل يد وبعيدًا حتى تختفي عن الأنظار وتتلاشى على الأسطح والشبابيك.

 كانت المسيرات اليومية تخرج لشباب المتطوعين صوب المنحدر الواسع كل يوم. يبدو مظهرهم جميلا في ذلك الزي الرسمي يتلقون التحيات من الآباء والأمهات الفخورين بهم ومن الأخوات المحبوبات يحيونهم بأصوات تمنحهم السعادة التي ينتظرونها، وفي المساء يبدأ الاستماع إلى تلك المجموعات المتراصة من الجماهير يلهثون بإلقاء الخطب الوطنية التي تثير أقصى أعماق القلوب والتي يتم قطعها بفواصل قصيرة من أعاصير وزوابع من التصفيق، وتنهمر الدموع على الخدود لوهلة. في الكنائس يعظ الكهنة عن الإخلاص للعلم والوطن ويبتهلون إلى إله المعارك متضرعين إليه أن يمدهم بالمساعدة في فصاحة حماسية تحرك كل قلب مستمع.

لقد كانت حقًا فترة ممتعة فاتنة، ولقت نصف دستة الأرواح الطائشة التي رفضت الحرب وطرحت الشك حول إنصافها واستقامتها تحذيرًا قويًا عابسًا وتهديدًا لسلامتها الشخصية فانكمشت واختفت عن الأنظار سريعًا ولم تكرر خطأها مرة أخرى.

حل يوم الأحد صباحًا. في اليوم التالي كان من المفترض أن تغادر الكتائب صوب الجبهة، وكانت الكنائس مملوءة على آخرها، وكان المتطوعون هناك ووجوههم الفتية تشرق بتلك الأحلام العسكرية الشجاعة؛ تلك الرؤى عن التقدم الصعب وذلك الزخم من التجمع الكبير وتلك الشحنة المندفعة والسيوف البراقة والقتال ضد العدو والاضطراب والدخان يغلف المكان والمطاردات الضارية والاستسلام!

بعد ذلك العودة إلى الوطن من الحرب والأبطال المتوجين يلقون الترحاب والافتتان بهم والغوص داخل البحار الذهبية من المجد! وقد جلس مع المتطوعين أحبائهم فخورين وسعداء ومحسودين من جيرانهم وأصدقائهم الذين ليس لديهم أبناء وأشقاء ليرسلوهم إلى جبهة المجد لينتصروا هناك من أجل العلم أو يسقطوا ويموتوا أشرف وأرفع الميتات. بدأت الخدمة وقُرأ فصل الحرب من العهد القديم وتُليت الصلاة الأولى وتبعها الأورغن يدوي ليهز المبنى كله وباندفاعة أخرى نهض الجمع وتوهجت الأعين وازدادت دقات القلوب سرعة وانفجر ذلك الدعاء الهائل:

إله الكل جبار... يأمر الكل... أرعد ببوقك وأبرق بسيفك.

ثم بدأت الصلاة الطويلة. لم يستطع أحد تذكر صلاة أخرى مماثلة لها في تأثيرها وتحريكها للمشاعر وألفاظها الجميلة الفصيحة. كان مضمون ابتهالها أن أبونا الدائم الرحمة الرؤوف العطوف سيرعى جنودنا الشبان النبلاء وسيساعدهم ويريحهم ويباركهم ويحفظهم  يوم المعركة وساعة الخطر، ويحملهم في يمينه المقدسة ويقويهم ويزيد ثقتهم بأنفسهم جاعلا منهم قوة لا تُقهر في هجومهم الدموي ويساعدهم ليسحقوا العدو ويمنحهم هم وعلم البلاد ذلك المجد والعظمة التي لا تزول.

ثم دخل  عجوز غريب إلى الكنيسة وتحرك ببطء دون أن يصدر أي جلبة صوب جناح الكنيسة الرئيسي وعيناه مثبتتان على الكاهن. كان يرتدي معطفًا طويلا يصل إلى أطراف قدميه، ورأسه عارية وشعره أبيض تتساقط خصلاته على كتفيه، وجهه شاحب بشكل غير طبيعي؛ شاحب لدرجة تثير الذعر. تتبعته كل الأعين متعجبة، فقد مضى في طريقه صامتًا، ودون أن يتوقف صعد إلى منبر الواعظ ووقف هناك منتظرًا. واصل الواعظ صلاته مغمضًا جفنيه غير شاعرًا بحضوره، وفي النهاية أنهى الصلاة بذلك الابتهال الحماسي: " بارك جيوشنا... امنحنا النصر... يا سيد.. يارب.. يا أبانا وحامي أرضنا ووطنا"

لمس الغريب كتفيه وأشار إليه ليبتعد قليلا، وهو ما فعله الكاهن، فحل محله. في غضون لحظات قليلة مسح بعينيه الوقورة الجمع المسحور الذي احترق وسط نور خارق معجزي، ثم قال بصوت عميق:

  • لقد سمع الله صلوات راعيكم وخادمه، وسيستجيب لها إن كانت تلك رغبتكم ورغبتي أنا رسوله، وسيشرح لكم فحواها، أو يمكن القول سيشرح لكم أهميتها كاملا. فالأمر أن كثيرًا من صلوات البشر تطلب أكثر مما يعيه المرء إلا إن توقف قليلا ليفكر.  لقد صليتم أنتم وخادم الرب صلاتكم. هل توقفتم قليلا لتتأملوا الأمر؟ أهي صلاة واحدة؟ لا.. إنها صلاتين... إحداها تفوهتم بها، والأخرى لم تفعلوا. كلا الصلاتين وصلت إلى أذن الرب الذي يستمع إلى كافة التضرعات والابتهالات.. التي نطقتم بها والتي لم تنطقوا بها. تأملوا في ذلك. فكروا في الأمر. إن طلبتم البركة لأنفسكم فاحذروا... قد تكون طلبتكم بالبركة تتطلب اللعنة على جيرانكم في نفس الوقت. إن صليتم من أجل أن يهطل المطر على محاصيلكم التي في حاجة إليه، فنفس الفعل الذي تُصلون من أجله يعد لعنة على محاصيل جيرانكم التي ربما ليست في حاجة إلى المطر ويمكن أن تتلف بسببه.

لقد سمعتم صلاة خادمكم... على الأقل الجزء الذي تفوه به. أنا مفوض من الرب أن أكمل ذلك الجزء بجزء آخر؛ ذلك الجزء الذي ربما تتقد قلوبكم أنتم وراعيكم به في صمت. أحدث ذلك بجهل دون تفكير؟ لقد سمعتم تلك الكلمات: امنحنا النصر.. يا سيدنا وإلهنا... هذا كاف. إن فحوى تلك الصلاة بأكملها يتلخص في تلك الكلمات الحافلة بالمعاني. لم تكن التفاصيل ضرورية، فعندما صليتم من أجل النصر فقد صليتم من أجل نتائج أخرى كثيرة لم تذكروها ستنتج عن ذلك النصر؛ عواقب ستنتج عنه. أمام روح الله التي تستمع للصلوات صعد ذلك الجزء الغير منطوق من الصلاة أيضًا، وقد أمرني أن أكمل صلاتكم بها... استمعوا:

يا سيدنا وأبانا... لقد ذهب شبابنا الوطنيين .. أبناءنا الذين تحبهم قلوبنا إلى المعركة.. كن بجانبهم، كن معهم بالروح. نحن أيضًا ننتقل من حالة ذلك السلام الحلو الذي يغطي وطننا المحبوب لنُبتلي بالحرب. يا سيدنا وربنا.. ساعدنا لنمزق جنودهم إلى أشلاء بقنابلنا.. ساعدنا لنملأ حقولهم الجميلة بتلك الأجساد الشاحبة من الموتى.. ساعدنا لنغطي على أصوات أسلحتهم بصراخ الجرحي والغارقين في ألمهم. ساعدنا لنغرق منازلهم ببراكين من النيران. ساعدنا لنعتصر قلوب أراملهم بذلك الحزن الغير مجد. ساعدنا لنطردهم بلا مأوى هم وأطفالهم الصغار ليهيموا في مجاهل الأرض المهجورة وسط الأسمال البالية ليموتوا من الجوع والعطش وأشعة الشمس الحارقة في الصيف ورياح الشتاء المتجمدة.. كسيري الروح.. متعبين من الكدح ملتمسين الملجأ والملاذ في القبر.

من أجلنا نحن الذين نحبك يا سيد.. أعصف بآمالهم وأفسد حياتهم وأطل رحلتهم المرة وأجعل خطواتهم ثقيلة وأروِ طريقهم بالدموع ولطِّخ الثلج الأبيض بدماء جروح أقدامهم!

نحن نسألك ذلك بروح الحب التي تنبثق منك يا مصدر الحب... أنت يا ملاذ الرحمة الأبدي وصديق كل المتألمين والمنزعجين الباحثين عن المساعدة بقلوب كسيرة نادمة... أمين.

ثم توقف الرجل قليلا وقال: " لقد صليتم تلك الصلاة... إن مازلتم ترغبون فيها تكلموا! إن رسول الرب في انتظاركم!

وقد قيل بعد ذلك أن ذلك الرجل كان معتوهًا  فكلماته تفتقر إلى المنطق.

إقرأ المزيد...

سطوة النص... معول جديد في جدار السلطة.

 

تكلم حتى أراك...

تذكرت تلك المقولة مع قراءة كتاب "سطوة النص .. خطاب الأزهر وأزمة الحكم" الصادر عن دار صفصافة من تأليف الباحثة والروائية "بسمة عبد العزيز" ويختص هذا الكتاب في المقام الأول بتحليل خطاب مؤسسة الأزهر في فترة الأزمة العاصفة التي اجتازتها مصر في الفترة من يونيو إلى أغسطس 2013. 

إقرأ المزيد...