wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

شرين يونس

شرين يونس

كاتبة وقاصة مصرية

صدر لها:

ـ في انتظار سانتا ـ مجموعة قصصية ـ مؤسسة عماد قطري 2014 

ــ صندوق لا يتسع للأحلام ـ مجموعة قصصية ــ دار كيان 2015 

سمكة تبحث عن أطرافها

أفتح عينيّ في كسلٍ، تداهمني رائحة زفارة تصيبني بالدوار، ألعن الحساسية التي جعلت أنفي مرتعاً لكافة الروائح وأسيراً لنوبات سعال مفاجئة، تحول مظهره لما يشبه أنف البهلونات الاصطناعية و فعاليته كأنوف كلاب التفتيش. الرائحة كمخدرٍ قوي يسيطر عليّ، كقوة عليا ترغمني على الاستيقاظ، وتجبرني على السير مترنحة حتى تجلسني على مقعد التواليت، وتدخلني رغماً عني تحت الدش لآخذ حمام صباحي علي أتخلص منها، ومع ذلك يبقى جسدي كالمنوم مغناطيسيًا ويبقى للرائحة خدرها.

أحاول مواصلة مقاومة تأثير الرائحة بإعداد فنجان مضاعف من قهوتي الصباحية، وحينما ابدأ تقليب المسحوق البني، يفاجئني صوت قرقرة صاخب، يشبه خرخرة المياه في أنابيب الصرف والبالوعات، أتوقف لحظات وأشحذ سمعي جيداً،واتتبع الصوت الآتي من حمام الضيوف.

أقطع الطرقة بتؤدة وحذر على أطراف مرتعشة، بينما تداهمني عشرات المخاوف والاحتمالات السيئة، أرفع غطاء الحمام، لأجدها، لا أرى منها سوى رأسها يعاني حشرجة ويجاهد لمقاومة الاختناق، بينما الماء يسحبها رغماً عنها للداخل، تقاومه محطمة كل قوانين الطبيعة، وتنجح أخيراً في الخروج، تتجاهلني تماماً أنا الواقفة المذهولة للمشهد، وتزحف حتى الصالة، لا أعلم لم حمدت الله في تلك اللحظة على أنني قمت بإرسال السجاجيد في اليوم السابق للمغسلة وإلا لما تخلصت أبداً من رائحة الزفارة، أنا المهووسة بالنظافة.

أرى زوجي جالساً على غير عادته في تلك الساعة الصباحية موجهاً ظهره لنا، وهي تزحف نحو عنقه العار، وتبدأ بالهجوم، فإذا بي أحمل أداة في يدي لا اعلم من أين أتت إليّ، تشبه شوكة طعام عملاقة، وأنجح في اختراق رقبتها بضربة واحدة. وحين تلوي عنقها إليّ، أفاجئ بوجهي يسدد نظرة لومٍ لي. وقبل أن استوعب الأمر استيقظ مرة أخرى، فأجدني مازلت في السرير، ولا أثر لأدواتٍ حادة ولا دماء بوجهي أو عنقي الذي اتحسسه بذعرٍ، ولكن مازالت رائحة الزفارة تملأ رأسي!

أقنعت نفسي بأنها مجرد "أضغاث حلم"، وبدأت لملمة رأسي وطرد النوم وسيرة السمكة منها. عدلت وضع الملاءات وأخرجت دجاجة من الفريزر، بدلاً من السمك الذي كنت أخطط لإعداده، ثم تراجعت عنه بسبب الحلم العجيب. غسلت بعض الأواني العالقة بالحوض منذ عشاء أمس. بينما استمر وجه السمكة الدامي أو وجهي على نحو أدق في مطاردتي، وشعرت برائحة الزفارة عالقة بين أصابعي فقمت بطردها بمزيد من نوبات الغسيل المتكررة.

قرأتُ مرة عن تأويلات الشيوخ لرؤية السمك في الأحلام، فأحدهم قال أن رؤية السمك في مجرى الماء في الحلم يشير إلي أن الحالم سيصبح من الأثرياء والمميزين، بينما بشّروا المرأة بحملٍ جديد إن رأت في حلمها سمكاً يسبح بالماء، وحينما تحلم أنك تتناول السمك فهذا يدل على أنك تتحمل المزيد من المتاعب في حياتك، والحلم بالسمك الميت يدل على خسارة المال والنفوذ، فيما لو حلمت بتنظيف السمك فهو يشير إلي أنك ستعتقد مزيد من الأفكار الجديدة في حياتك وستغير طريقة تفكيرك، ولكن ورغم كثرة التأويلات، لم تنجح جميعها في إيجاد تفسير لقتل سمكة تحمل وجه القاتل، أو الاستيقاظ ورائحة زفارة عالقة بأنفك.

سيرة السمكة ذكرتني ببشرتي الجافة تماماً، وكعب قدمي الذي تتراكم به طبقات الجلد المتيبس الذي طالما كان محط استهزاء فتاة الكوافير بي وهي تعايرني بالقدم التي تأخذ وقتاً مضاعفاً في التقشير، أتمنى أن أصبح سمكة رطبة وناعمة وملساء، دون أن أتحمل عبء الخلل في ميزانية الشهر بفعل بند الباديكير، أوارتفاع أسعار كريمات الترطيب.

أعقد النية على أن أدلل قدمي بجلسة تدليك وتقشير مجانية، باتباع وصفة منزلية قرأت عنها مؤخراً على صفحة نسائية على الفيس بوك، أحضر وعاءً بلاستيكياً، وأغمره بالماء الساخن، ثم أضيف بعضاً من المرطب، وامدد قدمي في استرخاء داخل الوعاء،وبعد قليلٍ امد يدي لتدليك أصابع قدمي، فتصطدم أصابعي بجسم أملس وشديد النعومة،وحينما أخرجها من الوعاء، تفاجئني بدلاً منها زعنفة طويلة بلا أطراف.

الغريب أنني لم أفاجئ بالأمر، بل استحسنته، فقط حاولت أن أتذكر أين وضعت تلك الأصابع المشاكسة أو متى استبدلتها بتلك الزعنفة الزاهية التي أعجبتني نعومتها،حتى لا تقع في يد غريب، وهي أطراف مستهلكة.فلعلّي فقدتها في إحدى نوبات نسياني لمفاتيح بيتي أو هاتفي عند بائع الخضروات.أو ربما استعارتها طفلتي لتكمل بها حفظ جدول الضرب لتكون الأسرع بين فتيات الفصل في الإجابة،أو لوضعها في حقيبة يدها كسلاحself defense”  تهدد بها معلماتها إن أسأن معاملاتها، أو لتواجه بها مدرب السباحة لذي يخلع حزامه ليفزع به المتدربين الصغار.

أليق جداً بفكرة كوني سمكة، وأتخيل وجه ابنتي حينما ترى تلك الزعنفة الطويلة، بالتأكيد ستسعد بتحولي إلى سمكة، وستفضلها للزينة، تضعني في دورق زجاجي وتتباهى بي أمام صديقاتها، وتبلغهن في براءة عن مميزات الأم السمكة، فهي تشبه بطلتها الكرتونية المفضلة، وستحقق لها أمنياتها دون شروط، ولن تصدر التنبيهات والأوامر المتكررة كآلة بوق.

سيفاجئ زوجي كذلك بهذا التحول، وربما سيشجعه ذلك على المكوث لفترة أطول بالمنزل، وربما سيختارني كطبق رئيسي مفضل، فالسمك حلو وخفيف، ويبقيه رشيقاً في عيون زميلات العمل، ومحط إعجابهن.متأكدة أنه سيتخلص أولاً من رأسي، فهي أكثر أعضائي إزعاجاً له، وكم كانت سبباً في معايرته لي، فنصف رأسي يأكله الهم، والنصف الآخر أفسدته القراءة، وكم من مراتٍ أبلغني باستهزاءٍ أن التفكير أصبح ضاراً جداً بصحتي،وسيبرر فعلته بأن رأس السمكة يتركز فيها كافة السموم، وتحتل مكاناً في المقلاة دون فائدة.

آه لو تحولنا جميعاً إلى أسماك، فرأسي يمتلأ بمميزاتٍ كثيرة للأسماك، منها الدم البارد، الذي بالتأكيد سيهدئ من عصبيتي، كما أن أسماك السطح زاهية الألوان، تتمتع بجاذبية عالية، وحتى الأسماك التي تسكن الكهوف ورغم ألوانها الباهتة، فهي تستعيد ألوانها إذا ما تعرضت للضوء،ربما عالج ذلك مخاوفي من جفاف البشرة وتغير لونها بفعل أشعة الشمس فوق البنفسجية، والذي فشلت كافة الوصفات الطبيعية والمنزلية في علاجه.

كما أنه في مملكة الأسماك وفي موسم التزاوج يصبح على ذكر الأسماك مهمة إغراء الأنثى واجتذابها، لذلك فهو يبدو في أبهى صورة وأزهى لون، وهكذا ستعفى النساء من أطنان من أدوات التجميل، وسينخفض معدلات استهلاك المواد النفطية بناءً على ذلك، وسيزدهر العالم ويصبح أقل شروراً وطمعاً، بالتأكيد لن يسعد ذلك مصنعو المواد التجميلية ومصممي الإعلانات.

 

بينما أعدد مزايا التحول لسمكة تدخل ابنتي وزوجي دون أن يعيرا لوجودي إنتباه، في أيديهما أدوات للطعام بأحجامٍ غير اعتيادية،سكينة وشوكة كبيرتان تناسبا وليمة ضخمة، وقبل أن أبدأ في نهر ابنتي لاستخدامها أدوات لا تناسب سنها، يجلسان بقربي، ويبدآن في التخلص من رأسي، بينما وجهي تتجمد ملامحه من الخوف.

إقرأ المزيد...

صانع المحبة

 

يا من غدوتُ به في الناس مشتهرا

                                 قلبي عليك يقاسي الهم والفكرا

إن غِبت لم ألق إنساناً يؤنسني

                               وإن حضرتَ فكل الناس قد حضرا *

في دلال تستسلم بين يديه قطعة نحاسية مستديرة، قُطرها لا يتعدى السنتيمتر ونصف، يضغط بأطراف إبهاميه ليتأكد من "استواء" الوجه الدائري، في تركيز تام يتناوب الأدوات الراقدة في انتظار تلبية نداءاته على المنضدة الخشبية العتيقة التي لازمته عدة عقود، حتى بات وجهها كلوحة سريالية أبدعتها آثار "الطرق" والنقر، وشوائب "السنفرة" لتكون شاهدة عيان على عصارة فنه وروحه. في انتظام يرص أدواته،المطارق بأحجامها المختلفة، والمسامير المعدنية بنقوشاتها الجاهزة للحفر والنقش، وعصا لتحديد قياس محيط الخواتم. اعتاد العمل في تلك الساعة،كما اعتاد صبيته على عدم الاقتراب منه أثناء عمله،مهما طالت مدة اعتكافه،وحتى إن اقترب أحدٌ منهم فلن يشعر ولن يستجيب لأية نداءات، كالمعتكف في محرابه وصلاته.

كنقاش عثماني يسحره ويذوبه المعدن الأصفر،يشكله ويطوعه بحسب ما تمليه عليه نغمات روحه، يشعر بأن قلبه بين يديه، وعينيه، تختلط دقاته بطرقات المطرقة، فلا يعرف أيهما الأكثر طرباً،يجلي قلبه من شوائبه كما يسنفر وجه القطعة المعدنية، ورذاذها يلتصق بأطراف أصابعه حتى حدود قلبه فيلونه ويدلله بلمعانه، يخبر الجميع أنه نبياً ورسالته منقوشة على لوح محفور بمسمار فولاذي عتيق، ينتصب خاشعاً ينقش الحروف المنمنمة على الوجه المعدني. للكلمات أنينها وصدقها، يودعها بين أطراف قطعته ككنز ثمين داخل خزانة خشبية قديمة.

اقترب من عقده الستين، وضعف البصر وتآكلت حواف الأصابع من أثر الحفر والدق والأدوات المعدنية، لم يعتد ارتداء القفازات الحامية، يراها تعوق الحميمية بينه وبين المعدن الأصفر، كحجاب سخيف. ولكن تطاوله وعناده أجبراه على التخلي عن المشاركة بعمل الطلبيات التي تأتيه لصنع الثريات أوالأطباق المزخرفة والأباريق والشمعدانات الأكثر سخاءً في مردودها المادي، واكتفى بالإشراف على صبيته الذين علمهم أصول الصنعة، ولكنه لم يتحمل أن يحرم كذلك من عادته الأثيرة وهي نقش وصنع الخواتم النحاسية.

كان يرى أنه لا متعة تعادل حفر كلمة أو عبارة ومنحها لحبيب أو صديق، الصدق وحده يبقى للأزل، كما هي عباراته التي يختارها بعناية،تربت ككف حنون على قلب حزين، ورغم محاولات صبيته الملّحة لإقناعه بالامتناع عن هدر صحته وموهبته في الخواتم التي لا يحتاج مردودها لكل هذا العناء، ولكنه كان يأخذ الأمر على محمل الجد، لا يصنع الكثير من الخواتم، ولا يختار لها كلمات اعتيادية، يستضيف على رفوفه الحلاج، وابن عربي والرومي، يبحث بين مأساتهم وأشعارهم وصوفيتهم عن العبارات المختارة، كما يختار من يهبه إياها، يذكر أن الصدق للصدوق، يبحث داخل القلوب عن أختامها، ويرى في الخاتم بصمة تليق بالشخصية كرتاج يفتح أسرار سرادبها.

أكانت تلك فلسفة أوحكمة؟ أم كانت لعنة أصابته منذ عقود،حينما لم تفلح التعويذات أوالأحجبة لفك شفرة ما أصابه من سحر، فاكتفى بالتكفير عن خطيئته وتذكر أن "الحواس تزني"، وعيناه لم تحفل بعاقبة "فعلها"فبقي عقوداً أسير لعنته.

تلك اللعنة التي أصابته حينما رآها ذات صباح من خلف مشربية المنزل العتيق،التي اعتاد التعلق بنقوشاتها وعناقيد زهورها الخشبية، حيث يحب أن يجلس خلفها وقت راحته أو قبيل موعد فتح الدكان بقليل، يتأمل الحي القديم قبل أن يتحول لمزار سياحي، تتعلق عيناه بالعبارات المرسومة بخط فارسي رقيق، ويتعجب لعاشق يكشف وجده ويعلنه: فكتب لعشقه الخلود:

أيحسب الصّبّ أنّ الحبّ منكتم ... ما بين منسجم منه ومضطّرم

لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل ... ولا أرقت لذكر البان والعلم

فكيف تنكر حبّا بعد ما شهدت ... به عليك عدول الدّمع والسّقم **

حينها وقعت عيناه عليها كأميرة آتية للتو من حكايات ألف ليلة وليلة، تتدثر بعباءة كتانية مزخرفة بالخيوط المذهبة والملونة بالأحمر والأزرق، ووجه صبوح ورأس معقودة جديلته للخلف،وقدم تخطو في خف مرصع بالخزف والدلال، وفي يديها تحمل ألواح ورقية كبيرة تبدو كالمنوم المغناطيسي وهي تتنقل بين أزقة الحي القديم، تملأ رئتيها بعبق الجمال والحنين، يتابعها من الشرفة المعقودة من الخشب العزيزي القديم، حتى تختار مقعدها قبالة المسجد الكبير،تتعلق عيناها بالمئذنة المربعة الممتدة للسماء كأيدي درويش، حتى حدثته نفسه أنها أميرة تليق بالتعلق بالعلا.

عاد لدكانه مع إنتهاء فترة راحته، وقلبه معلق بفتاته، حاول دون جدوى التركيز في طبق النحاس بين يديه، وحينما رفع رأسه، وجدها أمامه بابتسامة رائقة، تقلب عينيها بين الصحون المزخرفة، والشمعدانات، والأباريق، والثريات المتدلية، سألها إن كان عجبها شيئاً، فأخبرته أن النحاس عشق قديم، ولكنها تكتفي منه "بالخواتم"،فداعبها "إن رسمت له لوحة، سيصنع لها واحداً"، ردت طلبه بالقبول،وعدته بالعودة وتلبية طلبه.

تعلق الهوى بقلبه، حتى كاد أن يعصف به، طاوعته نفسه على ملاحقتها حتى خرجت من البوابة الكبيرة تجرها تعويذة محبته لحفظها ولتفي له بوعدها. ظل ساعات يبحث عن كلمات تليق بقلبه يصب فيها وجده، فلما وجدها اعتكف في ورشته ليفي بوعده لها، اختار قطعة دائرية مموجة تشبه تنورة الصوفي، وأودعها ترنيمته: "الله تَوحُد"....."ابن عربي"

حضرت أيام عدة،تجلس على الرصيف قبالته، تبدأ الحديث بطلبها بمواصلة عمله، ولكن هيهات له، فحضورها غلب مادونه، بين يديه طبق نحاسي بوجه أملس، فور خروجه من الفرن، وبعد تطهيره يبدأ بالحفر، حدثها عن أدواته والاختيار بين نماذج النقش التي ورثها عن والده، نماذج ورقية، وأخرى قوالب خشبية، بعضها يعود لقرون مضت، عن مراحل النقش المتعددة، وعن البكوات من زبائن والده، وعن القصور التي تزينت أرجاؤها بنقوشاته، عن عشق والده للنحاس وتحفه التي انتجها، وكيف تعلم الخط العربي لإنتاج نقوشات خاصة به، عن الزخرفة العثمانية وتداخلات الزهور والأشكال الهندسية.كسيل تدفق حديثه لعدة أيام متواصلة، وكفيضان النهر لم يستطع التوقف، ولكن انقطع وصاله كما يتوقف المطر دون سابق إنذار بانقطاع زياراتها فجأة، انتظرها أيام عدة تلاها بأسابيع حتى تيقن من رحيلها دون أن تتم لوحته ودون أن يهبها هديتها التي أنهاها في اليوم الأول دون إبلاغها حتى تواصل المجئ.

مرت سنوات وعقود ظل باقياً على وعده، محتفظاً بخاتمها لا يبيع هديتها مهما جاءته من عروض الشراء، وحينما أضناه الشوق، أغلق سره كحبة لؤلؤ داخل صندوق مرصع بالصدف، وتقديساً لمحبته أو حتى تكفيراً عنها ابتدع هوىً جديداً، فصنع خواتم عديدة، تليق بالمحبة وبالمحبين، جعلها كنذر يوفه لقلوب تقدس الحب، صار يتابع الزائرين ويكتشف كخبير مندل العاشقين بينهم، ويهبهم خواتم تليق بقدسية محبته. ...

لمح اتهامات المجون حيناً والجنون حيناً آخر من صبيته أو عملائه، وحتى مساعده الذي يعمل لديه منذ عقود أربعة يقسم بأغلظ  الأيْمان بأنه لم ير يوماً فتاة تجالسه بمواصفات ما يذكره،مشيراً إلى أن قصته ربما اختلقها لتبرير هلوسته التي يضبط متلبساً في غياباتها وهو يتحدث للخاتم أو يسرد في حضرته بعض أشعار المجذوبين من قبله.

يا سيدي، لا تـُسلِمني إلى نفسي

لا تتـركني مع أيٍّ سواك

لخوفي مٍني، أُسرع إليــك

أنا لــك.. فأعدني إليّ ***

....

في صباح شتوي تدخل إليه بسترة صوفية موشاة بنقوشات تراثية، وبنطال جينز، وجديلتين متدليتين في براءة على جانبي رأسها، وفي يدها ترقد ألواح ورقية عريضة، تتطلع بنظرة مفتوحة على الدهشة لعروضاته النحاسية، تتدفق بالأسئلة عن النحاس وأنواع الأحجار الكريمة، عن الخط المستعمل والزخارف وفروقاتها، ثم تسأله في حياءٍ عما إذا كان تسمح له برسمه، يقلب سؤالها مشاعر الذكرى، ويقبل طلبها، ولكن قبل أن تبدأ عملها يتناول صندوقه الصغير وبأطراف مرتعشة يهديها خاتمه الأثير.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ابن زيدون

** البردة للبوصيري

 

*** جلال الدين الرومي 

يا من غدوتُ به في الناس مشتهرا

                                 قلبي عليك يقاسي الهم والفكرا

إن غِبت لم ألق إنساناً يؤنسني

                               وإن حضرتَ فكل الناس قد حضرا *

في دلال تستسلم بين يديه قطعة نحاسية مستديرة، قُطرها لا يتعدى السنتيمتر ونصف، يضغط بأطراف إبهاميه ليتأكد من "استواء" الوجه الدائري، في تركيز تام يتناوب الأدوات الراقدة في انتظار تلبية نداءاته على المنضدة الخشبية العتيقة التي لازمته عدة عقود، حتى بات وجهها كلوحة سريالية أبدعتها آثار "الطرق" والنقر، وشوائب "السنفرة" لتكون شاهدة عيان على عصارة فنه وروحه. في انتظام يرص أدواته،المطارق بأحجامها المختلفة، والمسامير المعدنية بنقوشاتها الجاهزة للحفر والنقش، وعصا لتحديد قياس محيط الخواتم. اعتاد العمل في تلك الساعة،كما اعتاد صبيته على عدم الاقتراب منه أثناء عمله،مهما طالت مدة اعتكافه،وحتى إن اقترب أحدٌ منهم فلن يشعر ولن يستجيب لأية نداءات، كالمعتكف في محرابه وصلاته.

كنقاش عثماني يسحره ويذوبه المعدن الأصفر،يشكله ويطوعه بحسب ما تمليه عليه نغمات روحه، يشعر بأن قلبه بين يديه، وعينيه، تختلط دقاته بطرقات المطرقة، فلا يعرف أيهما الأكثر طرباً،يجلي قلبه من شوائبه كما يسنفر وجه القطعة المعدنية، ورذاذها يلتصق بأطراف أصابعه حتى حدود قلبه فيلونه ويدلله بلمعانه، يخبر الجميع أنه نبياً ورسالته منقوشة على لوح محفور بمسمار فولاذي عتيق، ينتصب خاشعاً ينقش الحروف المنمنمة على الوجه المعدني. للكلمات أنينها وصدقها، يودعها بين أطراف قطعته ككنز ثمين داخل خزانة خشبية قديمة.

اقترب من عقده الستين، وضعف البصر وتآكلت حواف الأصابع من أثر الحفر والدق والأدوات المعدنية، لم يعتد ارتداء القفازات الحامية، يراها تعوق الحميمية بينه وبين المعدن الأصفر، كحجاب سخيف. ولكن تطاوله وعناده أجبراه على التخلي عن المشاركة بعمل الطلبيات التي تأتيه لصنع الثريات أوالأطباق المزخرفة والأباريق والشمعدانات الأكثر سخاءً في مردودها المادي، واكتفى بالإشراف على صبيته الذين علمهم أصول الصنعة، ولكنه لم يتحمل أن يحرم كذلك من عادته الأثيرة وهي نقش وصنع الخواتم النحاسية.

كان يرى أنه لا متعة تعادل حفر كلمة أو عبارة ومنحها لحبيب أو صديق، الصدق وحده يبقى للأزل، كما هي عباراته التي يختارها بعناية،تربت ككف حنون على قلب حزين، ورغم محاولات صبيته الملّحة لإقناعه بالامتناع عن هدر صحته وموهبته في الخواتم التي لا يحتاج مردودها لكل هذا العناء، ولكنه كان يأخذ الأمر على محمل الجد، لا يصنع الكثير من الخواتم، ولا يختار لها كلمات اعتيادية، يستضيف على رفوفه الحلاج، وابن عربي والرومي، يبحث بين مأساتهم وأشعارهم وصوفيتهم عن العبارات المختارة، كما يختار من يهبه إياها، يذكر أن الصدق للصدوق، يبحث داخل القلوب عن أختامها، ويرى في الخاتم بصمة تليق بالشخصية كرتاج يفتح أسرار سرادبها.

أكانت تلك فلسفة أوحكمة؟ أم كانت لعنة أصابته منذ عقود،حينما لم تفلح التعويذات أوالأحجبة لفك شفرة ما أصابه من سحر، فاكتفى بالتكفير عن خطيئته وتذكر أن "الحواس تزني"، وعيناه لم تحفل بعاقبة "فعلها"فبقي عقوداً أسير لعنته.

تلك اللعنة التي أصابته حينما رآها ذات صباح من خلف مشربية المنزل العتيق،التي اعتاد التعلق بنقوشاتها وعناقيد زهورها الخشبية، حيث يحب أن يجلس خلفها وقت راحته أو قبيل موعد فتح الدكان بقليل، يتأمل الحي القديم قبل أن يتحول لمزار سياحي، تتعلق عيناه بالعبارات المرسومة بخط فارسي رقيق، ويتعجب لعاشق يكشف وجده ويعلنه: فكتب لعشقه الخلود:

أيحسب الصّبّ أنّ الحبّ منكتم ... ما بين منسجم منه ومضطّرم

لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل ... ولا أرقت لذكر البان والعلم

فكيف تنكر حبّا بعد ما شهدت ... به عليك عدول الدّمع والسّقم **

حينها وقعت عيناه عليها كأميرة آتية للتو من حكايات ألف ليلة وليلة، تتدثر بعباءة كتانية مزخرفة بالخيوط المذهبة والملونة بالأحمر والأزرق، ووجه صبوح ورأس معقودة جديلته للخلف،وقدم تخطو في خف مرصع بالخزف والدلال، وفي يديها تحمل ألواح ورقية كبيرة تبدو كالمنوم المغناطيسي وهي تتنقل بين أزقة الحي القديم، تملأ رئتيها بعبق الجمال والحنين، يتابعها من الشرفة المعقودة من الخشب العزيزي القديم، حتى تختار مقعدها قبالة المسجد الكبير،تتعلق عيناها بالمئذنة المربعة الممتدة للسماء كأيدي درويش، حتى حدثته نفسه أنها أميرة تليق بالتعلق بالعلا.

عاد لدكانه مع إنتهاء فترة راحته، وقلبه معلق بفتاته، حاول دون جدوى التركيز في طبق النحاس بين يديه، وحينما رفع رأسه، وجدها أمامه بابتسامة رائقة، تقلب عينيها بين الصحون المزخرفة، والشمعدانات، والأباريق، والثريات المتدلية، سألها إن كان عجبها شيئاً، فأخبرته أن النحاس عشق قديم، ولكنها تكتفي منه "بالخواتم"،فداعبها "إن رسمت له لوحة، سيصنع لها واحداً"، ردت طلبه بالقبول،وعدته بالعودة وتلبية طلبه.

تعلق الهوى بقلبه، حتى كاد أن يعصف به، طاوعته نفسه على ملاحقتها حتى خرجت من البوابة الكبيرة تجرها تعويذة محبته لحفظها ولتفي له بوعدها. ظل ساعات يبحث عن كلمات تليق بقلبه يصب فيها وجده، فلما وجدها اعتكف في ورشته ليفي بوعده لها، اختار قطعة دائرية مموجة تشبه تنورة الصوفي، وأودعها ترنيمته: "الله تَوحُد"....."ابن عربي"

حضرت أيام عدة،تجلس على الرصيف قبالته، تبدأ الحديث بطلبها بمواصلة عمله، ولكن هيهات له، فحضورها غلب مادونه، بين يديه طبق نحاسي بوجه أملس، فور خروجه من الفرن، وبعد تطهيره يبدأ بالحفر، حدثها عن أدواته والاختيار بين نماذج النقش التي ورثها عن والده، نماذج ورقية، وأخرى قوالب خشبية، بعضها يعود لقرون مضت، عن مراحل النقش المتعددة، وعن البكوات من زبائن والده، وعن القصور التي تزينت أرجاؤها بنقوشاته، عن عشق والده للنحاس وتحفه التي انتجها، وكيف تعلم الخط العربي لإنتاج نقوشات خاصة به، عن الزخرفة العثمانية وتداخلات الزهور والأشكال الهندسية.كسيل تدفق حديثه لعدة أيام متواصلة، وكفيضان النهر لم يستطع التوقف، ولكن انقطع وصاله كما يتوقف المطر دون سابق إنذار بانقطاع زياراتها فجأة، انتظرها أيام عدة تلاها بأسابيع حتى تيقن من رحيلها دون أن تتم لوحته ودون أن يهبها هديتها التي أنهاها في اليوم الأول دون إبلاغها حتى تواصل المجئ.

مرت سنوات وعقود ظل باقياً على وعده، محتفظاً بخاتمها لا يبيع هديتها مهما جاءته من عروض الشراء، وحينما أضناه الشوق، أغلق سره كحبة لؤلؤ داخل صندوق مرصع بالصدف، وتقديساً لمحبته أو حتى تكفيراً عنها ابتدع هوىً جديداً، فصنع خواتم عديدة، تليق بالمحبة وبالمحبين، جعلها كنذر يوفه لقلوب تقدس الحب، صار يتابع الزائرين ويكتشف كخبير مندل العاشقين بينهم، ويهبهم خواتم تليق بقدسية محبته. ...

لمح اتهامات المجون حيناً والجنون حيناً آخر من صبيته أو عملائه، وحتى مساعده الذي يعمل لديه منذ عقود أربعة يقسم بأغلظ  الأيْمان بأنه لم ير يوماً فتاة تجالسه بمواصفات ما يذكره،مشيراً إلى أن قصته ربما اختلقها لتبرير هلوسته التي يضبط متلبساً في غياباتها وهو يتحدث للخاتم أو يسرد في حضرته بعض أشعار المجذوبين من قبله.

يا سيدي، لا تـُسلِمني إلى نفسي

لا تتـركني مع أيٍّ سواك

لخوفي مٍني، أُسرع إليــك

أنا لــك.. فأعدني إليّ ***

....

في صباح شتوي تدخل إليه بسترة صوفية موشاة بنقوشات تراثية، وبنطال جينز، وجديلتين متدليتين في براءة على جانبي رأسها، وفي يدها ترقد ألواح ورقية عريضة، تتطلع بنظرة مفتوحة على الدهشة لعروضاته النحاسية، تتدفق بالأسئلة عن النحاس وأنواع الأحجار الكريمة، عن الخط المستعمل والزخارف وفروقاتها، ثم تسأله في حياءٍ عما إذا كان تسمح له برسمه، يقلب سؤالها مشاعر الذكرى، ويقبل طلبها، ولكن قبل أن تبدأ عملها يتناول صندوقه الصغير وبأطراف مرتعشة يهديها خاتمه الأثير.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ابن زيدون

** البردة للبوصيري

*** جلال الدين الرومي 

إقرأ المزيد...

شجرة اللبخ..مركزية الواقع والسرد

في حركة دائرية تدور أحداث وكذلك أسلوب السرد في رواية "شجرة اللبخ" للكاتبة عزة رشاد، والصادرة عن دار الكتب خان 2014، دائرة مركزها الحدث الذي منه تبدأ وتنتهي الرواية وهو موت رضوان بيه البلبيسي، هذا المركز مرتبط بمركز آخر، هو شجرة اللبخ، تلك الشجرة التي وضع بذرتها جد رضوان، وعلى ظلالها نشأ درب السوالمة، ثم كانت شاهداً أخيراً على سر مقتل البيه وتحولت معه إلى مقام له.

ربما المركزية هنا تشبه أيضاً مجتمعاتنا، حيث السلطة واحدة، تتمركز فيها الجاه والسلطان، كقرية درب السوالمة التي يعيش فيها أبطال روايتنا، فرغم أن صاحبة "ذاكرة التيه" قسمت روايتها لفصول، كل فصل ترويه شخصية من شخصياتها الرئيسية، ولكل شخصية حكاية، إلا أنها ترتبط أيضاً بالبيه، تكشف جانباً من شخصيته، أوسراً من أسراره، إضافة لعوالم الشخصية ذاتها النفسية والاجتماعية، ثم تتسع الدائرة بعض الشئ لتكشف جزءاً من واقعها وواقع القرية ثم الوطن في دائرة أكبر.

 

إقرأ المزيد...