wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأربعاء, 24 يناير 2018 19:57

بحرٌ لـجي .. فصلٌ من رواية "ممرات الفتنة" لـ مصطفى البلكي

كتبه

مصطفى البلكي

 يدخل الغرفة, يبدو جسده بين المكونات الجديدة, كشيء دخيل, سوف يلفظه المكان بعد قليل, يخلع سترته, ويلقي بها على الكنبة, ويستلقي على السجادة, بإحساس من سُرق منه شيء ما, لا يعرف ما هو, لأنه لا يدرك من يكون, رغم أنه يعرف أنه المهرج, الآن يرتدي نفس الملابس التي تخفي جسده وتجعله شخصًا آخر لا يرتبط بشيء, حتى صورته الموجودة بجوار صورة غصوب, تعيش في غربة منذ سنوات بعيدة, ألم قصير معتاد عليه لا يكبر لكنه ثابت وموغل, ربما المسافة الآن تعادل نفس المسافة بين بيت جده وبيت والده, خط مستقيم يصل بين العتبتين, تماما كتلك الإضاءة الباهتة التي يرشها المصباح الموفر للطاقة, مساحة خرساء, لا تجيد الحديث, تقطعها أقدام, تتمنى أن يطوى, ويتلاشى, لا بد من غلق الباب بعدها, حتى لا تدخل الأصوات في أثرهما, تلك كانت خطته, ولم يفلح في تنفيذها, فكل شيء أصبح خارج نطاق سيطرته, منذ اللحظة التي امتدت فيها يد غصوب, ووقع كشاهد على قسيمة زواجه من رقية.

 

 غابت أقمار وولدت شموس, فكانت الأيام, كبيسة كلها, ومؤلمة لحد الوجع المكتوم, ومع شخب القلم للحبر, وثبوت اسمه بمداد أزرق, كانت الحياة قد سقته من قنينة لا مثيل لها, وكان لا بد أن يعلم عينيه الرؤية في العتمة, فقام وقتل ألسنة النور الساقطة على جسده من اللمبة موفرة الطاقة, وعاد لمكانه, لم يتعثر, وحدثته نفسه, ربما لم يوجد جسده في مكانه السابق, سمع ولم يهتم, فقط أدرك الآن أن القدمين من الصعب بمكان أن يتم نصب شباك الخديعة لهما, كما يحدث للعينين, تسعده تلك الملاحظة, وتجعله يبتسم, هو يرى لون ابتسامته, أو هكذا يظن, فقط لأنه استعاد جزءًا من جسده, بعدما أحس بأنه يغادره في اللحظة التي طلبت منه تهاني أن يمسك بيد رقية التي زينتها بيديها, وينطلق لبيته, كما أصبحت تطلق عليه, قالتها صريحة:

-       خد مرتك وروح بيتك.

يغرس عينيه في العتمة, يخيل إليه أن هناك شيئًا ما يتحرك, من خلف الباب.

 يُفتح الباب, فيتمدد لسان ضوء كبير يقف عند حد جسده الملقى, وثمة جسد فارع يحتل الجزء المفتوح من الباب, يقيم له ظلا آخر, يرتمي على الجدار, يعوم هناك, مبديا مقدرة عالية على الثبات  حيث هو.

تسأله نفسه:

 "من يرى الآخر أكثر؟"

تتجاوز رقية الباب, فيتمدد ظلها حتى يختفي, يلفحه عطرها فيسترد وعيه كله, يوقن أن رائحتها لا تحمل شيئًا من غواية, من لهفة, من شوق, من جمر, من أية مسميات عبرته في حياته, هي جاءت بقدمين واثقة بأنهما لا تذهبان لوكر الخطيئة.

"إذا لماذا جئت؟"

يتردد السؤال داخلها, فتنهار بجواره, وعقلها يرغمها على النسيان, حتى تكون للحاضر, قالت سأنسى, فهو في مجمله مسالم.

ولأنها تعرف أين يسكن وجهه في العتمة, تتوجه إليه, وتخاطبه.

-       لو بت لوحدي, سأكون عاصية.

تمد يدها, تستقر على صدره, فيرتجف, فتشعر بملمس غريب, تحتار ويدها ثابته, والرجفة كما هي, وحيرتها تكبر, تتخيل يدها عشبا أخضر, يكبر ويلامس شاهد قبر, يرعبها الوصف, فتريح يدها, يحس صابرو بها, فيغرس عينيه  أكثر في الظلمة, فلا يرى شيئًا, يتمنى لو حرك قدميه لتعرفا أين هي, وليقول لها جزءًا من الحقيقة.

-       رقية؟

-       أيوه.

-       ولعي النور.

-       لأ..مش ضروري, على الأقل الليلة.

تقبض على أطراف قميص نومها, وتجذبه, وتتخلص منه, فيلفح جسدها شيء ما, لا تحس به, لكنه قادر على دغدغة كل شيء فيها, تماما كالدعوات المنذورة للسعادة, تعرف بلا مواربة من أرسلت له, وتسأل نفسها: هل عينه  رأت وشافت في العتمة؟ تبعد الاحتمال, وتنقل جسدها قليلاً, تحتك مقدمة ركبتيها بجنبه الأيمن, يشعر هو بها, لكنه لا يعرف ما حدث, أجزاء كثيرة منها بدأت تغادر مكانها, وكأنها تسلك نفس طريقه, تماما كوجود لحمها مع قماش قميصه الأبيض, ملمس لا يشي بشيء, ينقصه تجرد يماثل ما قامت به.

تجمع كل قواها, وتعيد يدها على صدره, وتتحرك ببطء ممل, حتى بداية مولد الكتف, فتمشي بأناملها على لحم ذراعه الأيمن, حتى تصل لليد, تمسك بها, وترفعها, تقربها لتلمس نهدها, فيتجمد جسده, ويصيخ السمع لتسارع تنفسها, ويفتح عينيه دهشة, لعله يرى شيئًا في العتمة, فلا يصله إلا الضجيج النامي في جسده, أما هي فتسمع صوت العاصفة, تماما كما كانت تسمع صوت الأحلام التي كانت تؤلفها مع بطلات السينما.

يسترد صابر بعضًا من وعيه, فيسحب يده, فتعود وعليها أول دمعة تسقط من عيني رقية, تستفز مسام جلده, فيتحول إلى سقف يثقله مطر الشتاء, فيريحها على صدره, وينشع جسده عرقًا غزيرًا, وينبت بداخله ما يشبه المرآة, فيرى جسدها, كما هو داخل العباءة, لم يسافر يوما إليها ليحضرها إلى غرفته ليعريها, ويمارس معها بعضًا من نزقه, ولأنه يدرك أنه بإمكانه أن يقنعها بعبثية الموقف, قال لها:

-       مش الليلة.

-       هنام معاك.. مش بايدي.

-       أمال بأيد مين؟

-       هو حلفني, أكون لك من الليلة.

-       طيب ليه دموعك؟

-       أسباب كتيره, محتاجة دعمك.

يقرصه صوتها , فيشعر به وبرنته المحملة بالجمر, ويتخلص من ملابسه حيث لا عيون تترصد ما يقوم به, إلا صوتها الذي يطلب منه الابقاء على العتمة التي سينتحران في معيتها بطريقة واحدة.

وبينما  يمد يديه ليجذبها إليه, يهمس:

-       أنا وأنت محتاجين لحظات غفلة علشان يحتل كل واحد التاني.

وهى تستجيب له:

-       قاصدك إيه؟

-       لما ننتهي, يكون الواحد مع التاني كأنه لسه في حضنه.

تسكت, فيسألها:

-       بتحبي إيه؟

-       عودني أنت, حتى لو شعرت بألمي, كون زي ما أنت عاوز.

بعد ساعة, تترك جسدها كما هو مستسلمًا على السجادة, تلملم نثار ما تفرق منها, مطلقة العنان للصراخ يتردد داخلها, صراخ ولد من فعل جاءت هي إليه بمحض إرادتها، وهي الآن تحاول إخضاع جسدها الذي يشتعل جوعًا, كما جردته ودفعت به للنار تنفيذا لوصية غصوب, كانت كل الرغبات تنام في صدرها, وما بين بداية القول وانتهاء الفعل, مسافة نسيت فيها وجودها,  وما خلفته الساعة الماضية, كان كفيلاً بأن يجعلها تسأل نفسها, وهى تثني ساقيها:

-       أين كنت سأكون الآن ؟ لو قلت لغصوب, لن أقدر.

في البداية وقفت أمامه, صامتة, لا تملك قدرة البقاء قدامه, وهو سألها:

-       مالك؟

-       خايفه من أني أعكر صفو لحظاتك.

-       ليه؟

-       أخشى من أني أشوف جسدي وهو عريان في عمق عينك.

-       عارف أنك مش هتعصي لي أمر, وكمان عارف أني النداء اللي بيحول المرأة لفراشة, تحوم حول النار رغم معرفتها بأنها هتموت, موجود جواكي, صحيح هو مش باين لكنه موجود, وبعد ما تهوي الفراشة في قلب النهار, لحظتها بس ممكن يولد السؤال جواها: ليه أنا هنا؟

تتنفس في عمق, وتستعيد ما تم منذ اللمسة المفاجأة التي ألصقت جسدها العاري بجسد صابر المتحرر, جسده كان أكثر سكونًا, من جسدها المتخم بالحرمان, رعشته قريبة من تكسر البوص, أو لحظة اشتعاله بعود ثقاب وحيد, فتعلو النيران من فعل الشفاه على أماكن بعينها, تدفع في أوصالها مزيجًا من البرودة والجمر في لحظة واحدة, شعرت به وهو يلهث, وهو يصب نيران الرغبة داخلها, أيقنت أنه عارف في ممارسة الحب معرفة من دانت له الأجساد فاستنزف طاقتها, ترنم بكلمات من قبيل دفعها إليه, كلمات ألصق بها أوصافًا لأجزاء في جسدها.

وهي تحته, ثمة حالة غريبة كانت تجذبها نحو البعاد, ورويدا رويدا تمتص كل طاقتها, وتجعلها كعشب أخضر, امتصت الشمس كل طاقتها, فتركتها جافة, تبحث عن يد تولد فيها العاطفة, لتعيد جلدها كما كان, تركته ليبحث في جسد تحت سيطرته عن ثغراته, لينال منها, وكما لم تتوقع, من فرط ما به من هوس, أوجد حربًا, لن تخمد إلا بعد أن تحرق كل شيء, وينخر الفكر عظام رأس بدده الوله, وجسدًا تصله رعشة وليدة تقارب الشفاه في العتمة.

تلمس الصمت الشفيف بتنهيدة, وتراقب انسحاب كل العيون التي كانت تراقبها في العلن والخفاء, ترتخي, وتشعر بجسدها, والخدر يغادره, فترنو إلى الظلمة, والألق يغتال كل ما تراكم في بؤبؤ العينين, يشعر هو بها, فيعرض أن يعيد الإضاءة للغرفة, فتعترض, وحينما يسألها:

-       ليه؟

-       خايفه من هزيمتي لو شفت وجهي.

-       عرفت أسعدك.

-       مفيش حزن بيدوم, وكل مشوار بيتكون من خطوات, وأنت سرقت حاجة منى.

يسكت ويسألها:

-       شعرتي بأنك خنتي نفسك لما جيتي هنا؟

-       لا..أنا أكبر من ده, فأنت تمارس حاجة أحلها الله, وأنا تورطت معك, ودخلت الحكاية التي لا خروج منها.

-       عارفه أنا عاوزك تركزي أكتر على اللي بيدور جواكي أكتر من اللي بيدور حولك, فكل شيء محتاج لتغذية من نوع يخصه حتى يدوم.

-       هنكون زي ما أحنا عاوزين بس بالإرادة, لنعوض ما سرق منا.

يجتاحها شعور بالندم لأنها قالت آخر جملة, وتسأل نفسها, ماذا سرقه هو؟ ربما ظل الحزن, وربما ستر اللهفة وحريق الرغبة, وتقطع الصمت وتخبره, بأنها كانت تخشى أن ينام في حضنه ظل العجز, فمن كانت هنا هي امرأة لم ترغب في الوجود لكنها دُفعت إليه, وكان عليها أن تختار بين أن تدفن كل ضجيج الحزن, أو أن تجعله يشعر به هو, وهي تميل على جنبها الأيمن, تكمل:

-       عمري ما خرجت عن المعقول, وما طلبت بغير المألوف, ومش كده وبس, وكنت بكتفى بالقليل, ولم أتعب نفسي في يوم من الأيام في البحث عن مواصفات الرجل اللي عوزاه, كنت دايما مشغولة بنفسي كأنثى.

يوقن  أنه لا بد أن يخرجها من بوابة الذكريات, ليعيش معها في الحاضر, وليغادر بوابات الألم ليغرقها في بحيرة اللذة, فيشدها إليه, ويخرس كل ثقب يريد أن يعلن الثورة, ويغير من واقع اللحظات, فيكون كحامل المسك يعلن عودة الريح من جديد, تستقبلها بكل شغف, وتسأل نفسها: "كيف سأكون في الصباح؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روائي مصري ـ الرواية صادرة مؤخرًا عن الهيئة العامة للكتاب