wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

السبت, 18 نوفمبر 2017 14:08

فصل من رواية "ألعاب الهوى"

كتبه

وحيد الطويلة

استقرت العائلات في البراري، وصار لها بيوت من الطين النيئ والبوص، وزرائب لمواشيها، وبدأت النعمة تدب في الأراضي المستصلحة واقتضت الحال أن يكون لكل عائلة كبير يقوم على شئونها ويحميها، يشرف على إعالة بطونها، والرأي رأيه، والمشورة مشورته في مسائل الزواج، وتمثيل العائلة في مجالس المصالحات، والصرف على كل كبيرة وصغيرة من إبرة وابور الجاز حتى كسوة السنة.. العائلة تزرع، والكبير يحصد، يقوم على تصريف الناتج في أسواق مدينة دسوق، أقرب المدن إليهم، يقبض الإيراد، يدبر شئونه إلى مطلع الإيراد القادم.ولأن طبع البني آدم لا يخرج إلا بعد طلوع الروح، عادت ريما مرة أخرى لعادتها، أخذت السرقة تفعل فعلها بين العائلات، شاعت سرقة المواشي في انصاص الليالي، وسرقة خزين السنة من أرز وقمح وذرة، واقتضى الأمر أن يكون لكل عائلة حرامي معتمد يدافع عنها ضد حرامية العائلات الأخرى.. تجاوزت سلطته وصورته صورة كبير العائلة في

كثير من الأحيان، الأمر كله لا يتجاوز قلباً ميتاً وبندقية، أو فرداً بروحين أو مقروطة بعين واحدة مع شنب محترم يرتفع كالصقر من الجانبين، وملفحة تغطي نصف الوجه، وتبين النصف الآخر، والويل كل الويل للعائلة التي لا تتشرف بوجود حرامي فيها، تصبح مطمعاً ومرتعا وأرضا طرية للجميع.

واقتضى الميثاق المقدس ـ غير المكتوب بالطبع ـ ألا يتعدى أحدهم على خوازن ومواشي عائلة أخرى لها حراميها الرسمي، ومن يخرق الميثاق عليه أن يتلقى وعده، ويحفر بنفسه حفرته الأخيرة في رمل الغبايشه المالح.وبما أن المقادير أتمت نعمتها عليهم، فقد تشرفت عائلة الشيخ بوجود عمه الشابوري، حرامي اصيل لا يشق له غبار، ولا تخطئ له طلقة، لذا امتنعت مواشيهم وخوازنهم على الجميع، وكان من حسن الطالع أن تمتعت العائلة دون غيرها بوجود حرامي آخر، الفرماوي بن عمه الحاج قرد، طلعة أسد، وشنب مهيب، يزر على عينه الشمال، ولد بها، وحتى لا يعايره أحد، أخذ يجهم وجهه يوما بعد آخر ويعبس

في وجه الجميع، قتل الديب وشوى كبدته، أكلها جهارا نهارا على قارعة كوبري المصرف، وأخذته الموجة في سلك الحرامية ليعوض عورته وليخشاه الجميع، إلى أن وقع المحظور.. خرج الشابوري صحبة الفرماوي في مهمة خارجية، بدت كأنها مساندة لأقرانهما في برية أخرى، وفي الصباح اكتشفوا أن الزريبة قد نقبت، والمواشي أصبحت في خبر كان.

قال الشابوري :

ـ أنا عارفه مفيش غيره، شحلط حرامي الحمير، لا عيل ولا تيل، اقروا الفاتحة على روحه الندل الضايل ابن الضايلة.

الشابوري يعرف أن شحلط يكرهه، يشوف العمى ولا يشوفه، يقول عنه إنه حرامي نتن.. حرامي حمير، يسرقها، ويبيعها في السوق البعيدة، وآخره وزة أو بطة.. يتندر عليه في مجالس الحرامية، يكش فيه، ويكشر في وجهه ليمتنع عن قعدتهم في دكان عبد السلام أبو السيد بعد نص الليل.

ـ وابن الهرمة عاوز يوريني انه دكر !!

لم يكذب خبراً، طلع مع الفرماوي إلى زريبة عائلة شحلط، نقبوا حائطها، والدنيا نائمة، أخذوا المواشي كلها وأبو قلب ميت خبط على باب وردة زوجة شحلط وقال لها:

ـ بلغي الندل بتاعك أن الشابوري خد البهايم، وان شفت وشه بعد كده حانتف له شنبه.

الطريق طويل والجو بارد، عز الشتاء، كان يمشي أمام البهائم دون أن تطرف له عين، والفرماوي خلفها لا يهتز له رمش، الأرض موحلة، والسماء تسح من قلبها وتقول خد يا بو خد وردي، آذان الفجر وصل مسامعهما، انتحيا، توغلا داخل الغيطان، ربطا البهائم إلى أقرب شجرة، وتوضأ من ماء المصرف المرصرص، لم يجدا عود قش ناشفا يوحد الله، فرد الشابوري ملفحته عند مدخل عشة وحيدة، أخذ الفرماوي يكبر، وعمه الشابوري يتقدمه، يبسمل ويستغفر، صليا السنة، وشرعا في إقامة الصلاة، لحق بهما شحلط على مشارف القرية، أخرج الشابوري المقروطة، طخه عيارين، وهج في الغيطان سنتين، والفرماوي وقع في يد الحكومة، وبعد أن وضعت النسوان خمسة أبطن أنهى العقوبة الخفيفة وخرج،

يعود إلى السبتية كل سبت مع راغب والمكاوي الصغير وبقية الحرامية، يقفون في صفين متواجهين، كل منهم يصفع الآخر على وجهه وبالتبادل، ينزحون خرارة مركز الشرطة، يذهبون بشنب كامل، ويعودون بنصفه، يحلقون لهم النصف الشمال أسبوعا، والنصف اليمين في الأسبوع الذي يليه، والويل لمن يتصرف في شنبه بعيدا عن الحكومة .. الشيخ حامد يفطس على نفسه من الضحك ويقول بصعوبة: الفرماوي الفتك ده ومعه بقية الحرامية كانوا يخرجون من السبتية إلى الشارع وهم يصيحون في نفس واحد.. أنا مره.. أنا مره، في طابور طويل يلف السوق.

..

غمزت له الفنجرية ليرسل لها الفلوس مع أحد الأولاد لأنها ستسافر بعد قليل إلى الجناين البعيدة تشتري خضار الأسبوع.. قال له بائع السمك إنه سيمر عليه في داره بعد العشاء كعادته ليأخذ ثمنه.في الطريق إلى الدار، أخذ يلعن أبا خاش اليوم الذي ذهب فيه إلى الغبايشه في آخر الدنيا ليخطب هناك، تنهشه الحيرة، تأكل قلبه، وتكاد تطفح على جلده البلاء، من الذي جرؤ على نشل المحفظة والبطاقة العائلية ؟، هل يكون راغب؟!.. أغلب الظن، نتن ويعملها.. دماغه تلف، يراجع نفسه، راغب في النهاية حرامي عاقل، يعرف تمام المعرفة أن الدمرداش ابن الشيخ يمكن أن يفرتكه، ولا يغيب عن باله أبدا ما حصل لأبيه شحلط الذي طخه المعلم الشابوري من  قبل، قد يكون واحدا من الذين احتضنوه بالغصب، وعبطوا فيه عند وصوله للصلاة في الغبايشه.. ما يحزنه ويكوي قلبه أنه كان قد نوى أن يمر على هنية بنت سيدنا ليعطيها المعلوم الشهري، لتبر نفسها هي وأختيها كوكب وصفية، وجد باب الدار مغلقا في الصباح، قال في العودة أمر عليهم، لا يعطيهم من باب العطف عليهم، يشعر تجاههم بدين معلق في رقبته.

هنية من الذين لطّمتهم الدنيا، شربت المر على حياة عينها، ظلت تخدم في البيوت لتصرف على أختيها العانستين، مات أبوهم، سيدنا الذي علمه، وترك لها البنات دون أخ أو معاش، وعندما ضحكت لها الدنيا وزهزهت خطبها فوزي الحمراوي، قالت تتزوجه، يستر عليها وعلى البنتين، ويعيش معها في دارهم، لكن الدنيا ضحكت عليها وغيمت، خطفته حرب الاستنزاف، كان الشيخ قد تمنى على فوزي أن يعقد قرانه عليها قبل أن يذهب للجبهة، كأنه كان يقرأ الغيب، وقلبه يشم رائحة الموت.يسرح بذاكرته وابتسامة خفيفة تتخايل على وجهه، يعد على أصابعه الأشهر المتبقية له قبل خروجه على المعاش،

سبعة أشهر، لا، ستة أشهر، قرر أن ينفذ ما نواه من زمن، يكتب كتابه على هنية أو صفية، زوجته نميرة مريضة، بينها وبين الآخرة فركة كعب، وعزرائيل ممكن يفتكرها في أي لحظة، وسناء ستتزوج قريبا، وهو على كف الرحمن، نعم، يعقد قرانه على إحداهما، أقل واحدة عندها خمسة وخمسين سنة، من سنه تقريبا، أصغر منه بخمس سنين يا دوب، والتي يقع عليها البخت تستطيع أن تقبض المعاش بعد موته هو ونميره.. الشر بره وبعيد.. والله فكرة معتبرة يا واد يا حامد.

كان عليه أن يخبر نميرة بما قرره، صحيح أنها بهيمة ومثل كل الستات يمكن تحرن، وفي هذا الموضوع بالذات، لكن متى كانت لنميرة أو غيرها كلمة عنده، المصيبة لو عرف أخوه النادي، الموضوع لن يعدي على خير، وهو يخاف منه أكثر من عزرائيل.

قال : إلى أن يعرف النادي أو يحين الأجل، ساعتها يحلها الحلال، اتسعت ابتسامته، راقته الفكرة، وشعشعت في نافوخه، وعلا صوت ضحكته.قال يونس الحمراوي شقيق المرحوم:

ـ حمد الله على السلامة يا با الشيخ.

نطقها في دقيقة تقريبا، ودعاه ليأخذ الشاي في دقيقة أخرى، لم يرم له الشيخ أذنه، دماغه مقلوبة، نصفها في الراتب الذي اختفى، ونصفها يفكر في طعام الغداء.

يونس حاصل على دبلوم زخرفة، لكنه من يومه يعشق الكهرباء، ويحشر مناخيره دائما فيها، ذات يوم هم بوضع الإبريز في الفيشة، أمسكته صاحبته، ثم نطرته بعيدا، انكتب له عمر، أخذ يولول، ومن يومها وهو يثأثأ في الكلام.

يقول الأولاد الملاعين في القرية، أن بشرة يونس المضروبة باللونين الأبيض والأحمر بسبب الكهرباء التي مسكته ونقشته، وأنه يضئ في الظلمة كالعفاريت، وعزرائيل ذات نفسه يخاف يهوِّب ناحيته.

وضع الشيخ قدمه على عتبة الدكان، لم يتجاوزها، أخذ عن بعد يتفحص ما بداخله، يونس منذ اعتزال الكهرباء يعمل في تنفيذ براويز الصور، كل من يريد أن يأخذ صورة في البندر يقوده يونس، يسافر على حسابهم ويحصل على عمولة من المصور، يشتري خشب البراويز اللامع لكبار الفلاحين،

يقوم بتقطيعها في دكانه، ويصنع لصغارهم براويز من أية قطعة خشب يصادفها، أخذته الحرفة، واتسعت معه الصنعة، يحضر الصور من البندر ويكمل بروازها في القرية.

ومرة بعد أخرى يهرب من الأولاد الذين يتحرشون به، ويتندرون على لونه، يتربس على نفسه الأبواب بسبع خوخات، يرسم الذين يكرههم بالفحم، يزيد في سوادهم ويمحي شوارب من كانت لهم شوارب، والذين يحبهم يرسمهم ثم يلصق على ملامحهم عيدان القمح اللامعة، بل يصنع لهم أحيانا عمامات بيضاء.

تمعن الشيخ في الصور، فتح حنكه عن آخره، كلهم بلباس واحد.. بالبدلة والكرافتة، فقع ضحكة عالية.. من أين لهؤلاء بالبدلة ؟!، الصورة الوحيدة بدونها كانت لأبيه المرحوم أبو عبده.

قال يونس: عندما يطلع إيراد الأرض وتجري الفلوس في أيدي الفلاحين، يذهبون إلى البندر، كل واحد يخلع جلبابه عند المصور، ويلبس الطقم الجديد بدون بنطلون بالطبع، وتلتقط له الصورة.

أعاد الشيخ النظر للصور مرة أخرى، كلهم بالبدلة نفسها، وكلهم ميتون.

طفرت من فمه شبح ابتسامة ساخرة .

.. واد يا يونس.. اسمك على اسم الأنبياء ياله، ما تتجوز هنية أو صفية ينوبك ثواب، واهو زيتكم في دقيقكم.

ـ ابعد عني يا با الشيخ، دا الواحده فيهم قد أمي، ماتتجوزها انت.

نطقها في دقيقتين تقريبا، استدار الشيخ في منتصف الجملة، آخذا طريقه إلى داره.

ـ عاوز أعمل لك صورة يا با الشيخ.

.. تاني .. بعيد عن شنبك، لسه قدامي عشر سنين.

في الدار، قفزت إلى حضنه حفيدته بنت الدمرداش.

ـ جبت اللي قلت لك عليه يا شيخ ؟.يفطس على نفسه من الضحك، وتغرغر عيناه كلما نادته يا شيخ، أو يا شيخ حامد، تذكر أنها طلبت منه في الصباح أن يحضر لها شعرا أسود بدل شعرها الأحمر القاني، حتى لا

يتندر عليها الأطفال، وينادونها : يا حمرا.. يا حمرا .. قال لها وهو يربت عليها : السوق مقفولة.

انسلت من حضنه باكية مسرعة، وهو يعدو وراءها.

..

يدور حول نفسه في الصالة الكبيرة التي يمرح فيها الخيل.. يخرج من غرفة ويدخل أخرى، بوجه متوتر، يفتش بعصبية عن أشياء لا يعرفها، يلعب الفار في عبه خشية أن يكون الدمرداش عبث بحاجاته كعادته، بسرعة تأكد أن دولابه كما هو، سرقة المحفظة هيجت خوفه، والفار بداخله يتقافز بشدة، قالت نميرة :

ـ فداك يا خويا، استعوض ربنا.

.. استعوض ربنا يا نميرة، مرتب الشهر كله، أنا حاسس أن السكته القلبية واقفه لي على الباب.

ـ بعد الشر عليك.

.. الشر !!.

فكر أن يصعد بسرعة إلى سطح الدار يعد الأرانب التركي التي أخذ أجداد أجدادها من إسماعيل، أو يدخل الخوازن يعد الإوز والبط.. هو يعرف الدمرداش أكثر من أمه وأبيه، عاجنه وخابزه أكثر من ألف مرة، صحيح أنه يحبه لأنه ابنه البكري، ولأنه خفيف الدم، لكنه يعرف أيضا أنه حرامي مقطوع اليد.

 

لمح حفيدته تخرج من غرفته، دموعها لم تنشف بعد، أخذ يعدو خلفها، هربت منه إلى غرفة السلالم.. توارى قليلا خلف الباب، يداعبها ويسلي نفسه، محاولا أن ينسى المحفظة، وعندما اندفع فجأة ليمسك بها، تعثرت قدمه بعقب الباب، وهوت رأسه على حلة نحاس كبيرة مخبأة أسفل السلم.

.. يا خبر أسود، دكر وز طايب وبايت، مش خايفين عليه من القطط يا ولاد الكلب.

القطط هي الشيء الوحيد الذي بقي لأمه من ذكرى أبيه، قط وقطة، تكاثرا حتى صارت القطط في كل مكان، أحيانا يزيد عددهم على الحد، لكن لا بأس، الأمر لا يخلو من فائدة، تأكل الفئران والثعابين التي تهبط من القش المخزَّن على

السطوح، ثم أن ابنه الصغير يبر نفسه أحيانا ببيع صغار القطط إلى الأولاد على كوبري المصرف.

قالت نميرة :

ـ دكر أمك يا حامد، جاي من عند النادي، سايقه عليك النبي أوعى تقرب له، تبقى فضيحة.

النادي الذي ترك الدار من زمان، بعد أن فتحها عليه الفتاح، وأعطاه ربنا من وسع، يعرف طبع أخيه منذ الصغر، لذا يحرص من آن لآخر أن يود أمه، يرسل لها حوائجها، كسوة الصيف والشتاء وصندوق معسل كل شهر، وفي شهر رمضان يأخذها عنده، تقضيه كاملا معه، وتعود صباحية يوم العيد لترى أولاد حامد وأحفادها الآخرين.

بعد وفاة المرحوم أبو عبده، أخذ الشيخ حامد مكانه، صار كبير الدار، عزَلوا من عمهم الحاج حامد والذي سمي الشيخ على اسمه، انتزعوا ما استطاعوا من أرضهم، وتولى الشيخ مع اخوته شئونها وفلاحتها.

كان في السنة الثالثة قبل الليسانس، يرسب تقريبا كل عام، يفوت ثلاث سنوات وينجح واحدة، تساند مع أخوته

لزرع أرضهم وحدهم للمرة الأولى، يلعن عمه الحاج قرد كما يسميه، مرة علنا، وستين مرة في سره، لأنه ضحك عليهم في الميراث، ولهف أرض عماته، وترك لهم بالعافية ما يعادل ثلثي ميراثهم، ونهب الباقي بحجة مديونية الأرض كما ادعى، ولأن معلومات الشيخ في الفلاحة كانت على الحميد المجيد، لا زرع من قبل ولا قلع، لذا زرع الأرض كما تقول الحكومة وكتب الإرشاد الزراعي، الذي كان في أول أيامه، زرعها كلها قطنا على غير ما تعودت ، ورشها بالمبيدات في أول سابقة بالقرية، ولم يستعمل أنفارا لتنقية الأرض من دودة القطن، لذا جاءت النتيجة على غير ما اشتهى، عشرون فدانا، وقفتان فقط من القطن.

يصحو من النجمة، يسرح الغيط بجلبابه المقطوع، وبُلْغته البائسة، شغلته الوحيدة أن يدق على الصفيحة ليطيّر العصافير، لا يهدأ في مكان، يقطع الأرض حافي القدمين. مشغول على الفاضي، وان بدا من حركته وعلو صوته أنه أبو زيد زمانه، وعند عودته بعد المغرب، يجلس وأخوته النادي ومحيي الدين وإبراهيم حول طبلية العشاء، دكر وز أو

دكر بط يوم الخميس ـ البهائم لا تسرح يوم الجمعة ـ يكتفي الأخوة الثلاثة بأرغفة العيش، وبعض منالأرز، وصينية البطاطس أو البصارة أو الباميا الويكا التي يحبونها، تذكرهم دائما بأبيهم، ينال الشبع منهم قبل أن يفكر الشيخ في تقسيم الزَفّر عليهم.

في المرات الأولى كانوا ينتظرون، والدكر نائم في الحلة أسفل الطبلية، والشيخ لا يأتيه الوحي إلا بعد أن ينهضوا، تعودوا بعد ذلك على الأمر، وعروسة تداري صوتها وتقول : هو عبد العاطي دايما يجيلك متأخر يا حامد، اخص عليك يا بن بطني.. وعندما يتأهبون لغسل أيديهم يسمعون شهقته، وهو يرفع سلطانية الشوربة إلى فمه بكلتا يديه، وصوته يجيب آخر الحارة، لا يمزمز ولا يرشف، يغب بصوت عال، صوابعه اصفرت من شرب سجائر اللف، وحواف شاربه اصفرت من كثرة إدام الشوربة، وعندما يستقرون في حوش الدار أو على السطوح، يبدأ طقوس الخميس في فرتكة الدكر وتمزيقه، يهربده، ويأكله والقونصة والكبدة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل     

اكتشف ذات يوم أن رأس الدكر غير موجودة، وأن نميرة أعطتها لأمه من وراء ظهره، هاج وكاد يرمي عليها يمين الطلاق.

 

ـ الراس دي كوم اربعة يا نميرة.

الدكر دكر أبونا، والغرب يطردونا، قالت أمه وهي تنتش الحلة منه، وأردفت.. هم المشايخ كلهم كده، همهم على بطنهم.. لم تكن المعضلة الكبرى أن الشيخ يأكل زَفر الدار وحده ويحرم الآخرين، يبدو مغتاظا إذ رأى أحدا يأكل في الشارع.. الناس في القرية يأكلون وأبوابهم مفتوحة، والشيخ خائف أن يأتي الآخرون على طعام البرية ولا يخلو الأمر لديه من الجد، إذ كان يترك ـ دون طيب خاطر بالطبع ـ الحوايج لاخوته البنات قبل زواجهم، ولنميرة وعروسة والأولاد.لم يفلت الحلة إلا بعد ان أخذ النصف العلوي من الدكر، تناهى إلى سمعه صوت إسماعيل يبلضم مع آخر كأنه رفيقه الشيخ زاهي، ضريران سقطا من كشوف النعمة، إسماعيل يسحب زاهي دائما لأنه ابن القرية ويحفظ أزقتها عن ظهر

قلب، زاهي من قرية أبو غانم القريبة، كل يرشد الآخر في حتته، يتبادلان القيادة، ويسقطان على العزومات معا، يكفي أن ينتدب أحدهما ليحضر الآخر، لكن إسماعيل يتفوق على صاحبه، يقع واقفا، يدبر العزومات ويستطيع أن يشم رائحة أي دكر بط من على بعد كيلو.

أوعز الشيخ لحفيدته أن تقول لهما أنه غير موجود، ولم يعد حتى الآن من الغبايشة.

ـ جدي بيقول لكم أنه لسه ما جاشي.

بصوت خفيض.. طول عمره طفس، احنا عايزين ستك عروسه.

ـ ستي بتعيط علشان جدي اخد نص الدكر بتاعها.

حول الطبلية جلس الضريران جنب عروسه، إسماعيل قريبها الذي يصعب على الكافر، ابن عمة خال زوجها الأولاني، الذي مات وهي حبلى، وبعد أن وضعت بأشهر قليلة تزوجت أبو عبده والد الشيخ حامد، لم تخلع ثياب الفرح، ولا لبست هدوم الحزن، الناس ينادونها، العروسة راحت، العروسة جت .

بدأوا يأكلون غصبا عن نن عين الشيخ وهو يتمتم :

.. بالسم الهاري يا شيخ سماعين.

ـ بتقول حاجه يا شيخ حامد، أمال فين الزَفر اللي لطشته من عروسه، باين عليه دخل الشونة .

.. احمد ربنا يا سماعين، أبوك مات من الحامض وأكل القوالح.

ـ يا سيدي.. هو كان لقى الحامض ومات .

كان إسماعيل قد تحسس الطبلية قبل الأكل ولقط سمكة كبيرة، وضعها أمامه، سرعان ما اختفت، ولم يجد إلا البساريا الصغيرة.

ـ أمال فين أمهم يا شيخ حامد.

بعد الشاي، قال زاهي :

ـ أنت عارف وفا زيت حار بن عمك عمل إيه النهارده يا شيخ ؟!

اعتاد الشيخ عند خروجه في بعثة يوم الجمعة لقرية مجاورة، أن يترك للشيخ علي عبد اللطيف زمام الأمور، يوكله في خطبة الجمعة، هو المفتح الوحيد بين العميان زاهي

وإسماعيل مؤذني الجامع، ومعهم مصطفى نشوان الفراش الذي يؤذن أحيانا في غيابهم، يكره الشيخ سيرته لانه فراش ملاوع لا دين له ولا ملة، ولانه كما يقولون عنه، له في الحشيش.

يعلو مقام الشيخ علي عبد اللطيف على الآخرين لأنه يحفظ القرآن، وعنده كُتَّاب، ويقرأ في بعض الكتب القديمة، صحيح أنه أحيانا له حاجات نص كم، مثل عمل الاحجبة وادعاء فتح المندل، لكنه على كل حال أفضل الموجودين، اثنان عميان وواحد بتاع أنفاس.. أوحى إليه الشيخ أن يخطب الجمعة مطرحه، لكن الظروف كانت أقوى منه، ستتزوج ابنته في قرية مجاورة، حضر العريس وبعض أفراد عائلته صباحا يرجونه أن يخطب عندهم، ليتشرفوا به أمام أهل القرية.

.. وخلا الجو لوفا زيت حار.

ـ فرصته جت له يا شيخ حامد لحد رجليه، طلع على المنبر من غير عمه، تصور، لابس طاقية زي بتاعة نهرو.

.. وأنت شفتها إزاي يا شيخ زاهي.       

وفا زيت حار بن عمه الحاج قرد، زميله في الدار والمعهد الأزهري يوما بيوم، الزوادة واحدة، والطبلية واحدة، فشل وترك الدراسة، وعاد للقرية يجر خيبته، لا شهادة ولا غيره، قفته فارغة إلا من زجاجة زيت حار سرقها من المطعم المجاور للمعهد الأزهري، الزيت الذي كان يأبى أن يذوق الفول بدونه، وطالته رائحته واسمه، ظل يضمر الحقد للشيخ الذي ركب القطار وتركه يسقط من العربة الأخيرة، لذا يشيل منه في نفسه، يتندر على أقواله وفتاويه دائما، وحبال الأسى كانت طويلة، وزادت وفاضت بموضوع الميراث، وعند قسمة الأرض التي لهف الحاج قرد أكثر من ثلثها وحده بمساعدة وفا.

ـ شق الصفوف يا شيخ حامد، وطلع على المنبر من غير حد ما يدعيه، وكان معاه كتاب قديم أظنه الخطب المنبرية، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه، اتكلم عن فضائل الصوم، مع إن إحنا مش في شهر رمضان.

إسماعيل أخذ طرف الحديث من زاهي وهو يكح ويقهقه:

ـ ولما وصل لنهاية الخطبة رفع أيده، وقال يا دعاء :

.. اللهم عافنا واعف عنا

.. اللهم ارزقنا واكرم مثوانا

.. اللهم انصر السلطان قطز وعساكره، وامحق بسيفه رقاب الطبقة الكافرة الباغية ، يا مالك الدين والدنيا ، يا رب العالمين ، وأقم الصلاة يا شيخ زاهي .

انقلبت صينية الشاي، بعد أن انقلب الجامع من الضحك .

ـ ألا الصلاه دي تجوز يا شيخ حامد، ولا نعيدوها ؟!.

في الطريق الواسع المؤدي إلى الجامع، يسير شاردا يحفه زاهي من ناحية، وإسماعيل من الأخرى، طريق واسع عريض.. البركة في الشيخ نادي، لولا وقفته في وجه الناس لضاق الطريق وأغلقت الأزقة والحارات، كل واحد يبني دارا يقتطع لنفسه مترا من هنا، وآخر يقابله، ماذا جرى للخلق، الصدور ضاقت والبطون عكرَّت، كل واحد يحاول أن ينهب مال غيره، ومال الحكومة بالمرة، لكن الحكومة تستاهل ما يجري لها، تضحك على الفلاحين الغلابة وتستقوي عليهم، تشتري القطن والأرز بتراب الفلوس، في الأول تعطيهم سلفة، تجر رجلهم، ثم تدوخهم السبع دوخات حتى تنعم عليهم ببقية حقهم، والذي غطى وفاض أنها رفعت أسعار المبيدات والكيماوي وتفرضهم فرضا على بطاقات الفلاحين رغما عنهم، تسرقهم بعين، وتتفرج عليهم بالعين الأخرى، والذي لا تسرقه يسرقه راغب وشركاؤه.

ثم أن هذا كوم، وموضوع شح المياه كوم آخر، الترعة ناشفة طول السنة، بالكاد تروي الأرض والناس نشف ريقها، وإيراد الفدان لا يسمن ولا يغني والناس على وشك أن يقطعوا بعضهم.. قرية كلها مسلمين، حالها بالبلى، السرقة طالعه نازله منشار، والحكومة تغمض عين وتقلع بالأخرى، نعم، لولا أخوه الذي يقف بعقله ونبوته في وجه الجميع لصارت أزقة القرية ممرات خانقة.

يقول إن أخاه من النوع الذي يولد وعلى وجهه مهابة، يخشاه الجميع، ورغم ذلك يحبه معظم أهل القرية، هو الذي ينفق من حر ماله، يجري على السكك، يغيب غيبته ويعود أنصاف الليالي، لتنعم القرية بالماء والمدرسة، وهو الذي عمل لهم الجمعية الزراعية، ويكرهه آخرون، بعضهم من باب الغيرة وبعضهم من بوابة الحقد، يده تطال الغايبة والتايهة، هو الذي يستطيع أن يسعى عند الحكومة، يعرف المحافظ، وضباط النقطة، ومفتش التموين في البندر، وصراف مصلحة الأملاك.. يكرهونه لأنهم يكرهون هدومهم، وأنت أيضا ينوبك من الحب جانب يا حامد.

هو نفسه يخشاه رغم أنه الكبير، ويقطع جازما أنه لولا خوف الناس من النادي لنحلوا وبره، وقطعوا فروته في الرايحة والجاية، لكن لا بأس، كل ذلك بسبب لسانك المبرد وفتاواك الجريئة التي تطلقها كل حين يا حامد.

 

انتبه على نفسه، لا أحد حوله، وزاهي وإسماعيل عقبا في الطريق، وجد الفنجرية على عتبة دكانها، كما هي، مزروعة في مكانها منذ عشرين عاما، طرحتها الشبيكة على رأسها حتى ظهرها، والكحل يلمع في عينها، عايقه من يومها، لا يدري متى جاءت إلى القرية، ولا لماذا، حطت في غفلة من الزمن، كأن الأرض طرحتها، لا أحد يسأل عن أصلها وفصلها، كأنها سرقت لسان الناس ورمته في بير، تحيط نفسها بأشباهها الهاربين من بلادهم، من التار ومن الموت.

ـ عامل إيه يا شيخ حامد ؟.

.. غول، غول يا فنجرية، المهم أنت.

ـ زي الجن أهوه.

.. قومي روحي يا فنجرية لأحسن يشوفك وأنت حلوه كده.

ـ بعد الشر يا شيخ حامد، أنت فاكر عزرائيل ما عندوش نظر وألا إيه، لسه بدري عليا يا خويا.

.. المشكلة يا فنجرية أن عنده نظر.

تضحك وتطمر نصف وجهها في طرحتها، بطرف عينه لمح إسماعيل يكلم إحدى النساء، وهو يلوي عنقه يمينا ويسارا لأعلى.. إسماعيل لا يتأخر عن إبداء النصائح للنساء في مسائل الزواج والانجاب والذي منه، يبرطم دائما بألفاظ من عينة.. زيت الخردل.. فلفل أحمر مصحون.. صدر ديك رومي لزوجك يوم الخميس.. ورك معتبر لعمك الشيخ إسماعيل، يودع كل واحدة - وواحد أيضا - بوضع مؤخرة عصاه على صدرها أو فخذها، أو ما تطال يده، وهن يفقعن ضحكات مرقوعة، سرعان ما يخبئنها في طرحهن، ويغادرنه باسمات.. جاتك إيه يا شيخ سماعين.

.

عصاه طويلة لا تتناسب مع قصر قامته، ينتهي طرفها بشفاطة ثدي جلد لينة، أعطاها له مصطفى نشوان فراش الجامع، صاحب المزاج العالي.. وزاهي يزغده في جنبه ليلحقا بالشيخ ويقول كل قصير مكير.. كل ذي عاهة جبار..

انتبها على جاعورة الشيخ وهي تلالي، تناديهما، قال إسماعيل.. ربنا نجاك النهارده ياشيخ حامد، الحمد لله أنك صليت بره البلد.

لم يعره الشيخ أذنه، يعرف أن إسماعيل يهول الأمور دائما، لذا يسيب له فارغة، ويعذره لأن أخواله العمد أكلوا ميراث أمه بالتبات والنبات، ولم يتركوا له خردلة فالصو، وأفتى كبيرهم ـ الله يجحمه ـ بأن لا ميراث له، وقال متبجحا: الأعمى ما يخدش.ولأن الغلبان لا يشبع غلبا، والدنيا لا تعطي محتاجا، طفشت زوجته التي كانت حائطه ومخدته، لذا يشيل همه على قلبه، يوزعه، على الشيخ حامد حينا ، وعلى عروسه حيناً، ويرمي الحمل الثقيل على زاهي، يتقاسمانه معا، يسوحان في الأزقة والقرى المجاورة، يصنعان معا جوقة في الطهور

وليالي المشايخ، يقرآن ما تيسر، ويهيلان التراب على سواد البخت، وأحيانا يضحكان معا كأنهما ملكا الدنيا والآخرة.

لكن إسماعيل ليس من النوع الذي يفوت تاره، لذا يسوق الأولياء والبخاري والترمذي على الشيخ حامد لينتهز فرصة عند النادي المشغول دائما، يزن على دماغه شفاعة لله، هو الوحيد الذي يقدر على أخواله ويستطيع أن ينتزع له ميراثه من تحت باطهم.

ـ ربنا نجاك يا شيخ حامد وحاش عنك، أبو شبارة صلى النهارده في الجامع، أول مرة في حياته يغلط ويعملها.

.وأنا مالي.. يعني الركعة بقت بعشرة يا سماعين!!

ـ كان بيسأل عليك، وعايز يمسك في خناقك، فاكر أن الدمرداش ابنك سرق البط بتاعه، وما تستبعدش كمان انه كان ممكن يعارضك وأنت على المنبر، ما تزعلش مني يا با الشيخ.. قول له في وشه ولا تغشه.ركبه عرق الموت، جاءه اليوم الذي يخشاه، ويعمل له ألف حساب، يود أن يعيش حتى يشوف يوما في الحرامية والحاقدين عليه وعلى أخيه الشيخ نادي، لكن المصيبة لبدت له في الذرة، وعلقته من عرقوبه. كيف يقول للناس لا تسرقوا، والدمرداش كل يوم يحرق الأخضرين ويسوي الهوايل، لو كان فيه حيل لقعد عليه وبططه حتى آخر نفس فيه، يتمنى على الله أن يأخذه، أو يهديه، لقد رأى راغب بأم عينه، وهو يحمل زكيبة البط، ورآه وهو في عز الفضيحة أمام جامع الغبايشة. كيف يدرأ عن ابنه دون أن يفشي سر راغب.

........

هل هلال أبو شبارة، أول مرة يحضر صلاة الجمعة من سنين، رجل تخين فعلا، بمؤخرة منتفخة كأنما جمع مؤخرات العائلة في مؤخرته، لا ينفع معها كرسي ولا دكة خشبية ولا يحزنون، والأخيرة اشتكت حتى كلت، سقطت به، تهشمت وهشمته، كُسرت ساقه ولم تنفع معها الجبيرة، أخذ يعرج عليها من وقتها، اضطروا أمام عظم الأمر أن يبنوا له

مصطبة كبيرة بالطوب أمام دكانه، عريضة تليق بمؤخرته، مريحة تماما له، ولا تتسع للآخرين.

هو صاحب دكان التموين الوحيد في القرية.. يوزع الزيت والشاي والسكر بالبطاقات ـ والناس منهم لله ـ يقولون أنه يأخذ تموين من ليس معه بطاقة، ويضرب طناشا على الذين لا يستوفون حقهم قبل انتهاء الشهر، ثم يبيعها من تحت الطبلية، في السوق السوداء بضعف الثمن، وفي يوم وليلة أصبح من أغنياء القرية.

لكن بما أنه يوصل من هنا ويقطع من هناك، فالحرامية من جهة لا يتركونه في حاله، وأولاده ينغصون عليه لقمته من جهة أخرى، خصوصا عبود ونجاح التي ضاع لها دكر رومي، ونادوا عليه في ميكروفون الجامع، سماها نجاح يوم حصل على رخصة التموين من الحكومة، وهي كانت وفية لاسمها، لم تترك له نجاحا إلا وشاركته فيه.وقعت المصايب على رأسه، وما تجمعه النملة في شهر يأخذه الجمل في خفه، قبل سرقة البط بيومين، اكتشف اختفاء نصف إيراد الشهر، تكدر لكنه نام على الموضوع، وبحس

الغني البخيل شاهد عبود يضع حشوة قش أسفل رجليه قبل أن يحصيا معا إيراد اليوم، يعد النقود، يعطي أباه بريزة فضة، ويسقط أخرى في ثنيات الحشوة، ونجاح الملعونة، مقصوفة الرقبة، بتدبير مسبق قطعت تيار الكهرباء عن الدكان، وأبو شبارة الذي لطمته الدنيا فهم الملعوب، أمسك كالكهرباء بيدي عبود.

.. الله، الله.. فيه إيه يا با ؟!ـ فلوسي يا عبود يا بني.. فلوسي.

ومن يومها لا يسمح لعبود بالخروج من الدكان ولو لدخول الحمام دون أن يفتشه، حتى تكة لباسه، بعد أن طرده شهرا من الدار والدكان وأعاده أولاد الحرام، وبعد أن أقنع نفسه بأن يسرقه ابنه أفضل من أن يسرقه راغب والآخرون.

- الحمد لله، ربنا نجاك يا شيخ حامد.

.. جرى إيه يا سماعين، أنت حتمسك لي زلة والا إيه؟.

تدحرج أبو شبارة إلى الجامع مستندا على أبو دياب من ناحية، وأبو الفضل من ناحية أخرى، وعبود ابنه خلفهم، وصل قبل انتهاء الخطبة بقليل، وعندما وجد وفا زيت حار

معتليا المنبر.. هم متراجعا، لكن أبو الفضل استحلفه برحمة من ماتوا له، وأبو دياب طبطب على كتفه العريض، دفعاه بصعوبة للداخل، تساند على عمود الجامع ليأخذ نفسه، كاد يسقط من طوله عندما سمع زيت حار يدعو للسلطان قطز، هو أول من كشف الملعوب، ضحكته جلجلت في قلب الجامع، وراح يترجرج حتى أوشك أن يهر على المصلين، والجامع كله ضحك خلفه.

بدأوا في إقامة الصلاة، أوسعوا له مطرحا لأربعة، ثلاثة لجسمه، وواحدا يتحرك فيه، ويأخذ نفسه على أقل من مهله، عملوا حسابهم أنه سيصلي واقفا، اصطف خلفه رفيقاه، أبو الفضل وأبو دياب الهاربان من ثأر في الصعيد، لم يقدرا أن يخرجا للصلاة في قرية أخرى، خشية أن يغضب عليهما أبو شبارة، يبيتان معا في غرفة أعلى سطوح داره، أو في الخبيئة التي تقع تحت منبر الجامع، أو في أية داهية تشيلهما بعيدا عن العيون، لا يعرف أحد كيف يعيشان، يساعدان الفنجرية بعض الوقت في دكانها، وأبو دياب يسافر معها إلى الجناين مرة ويغيب عنها مرات، ترضى عنه حينا، وتغضب عليه أحيانا، يقول النمامة ـ منهم لله ـ إن أبو دياب يعاشرها في السر، لكنه لا يستطيع أن يفتح فمه خشية ترحيله خارج القرية، أو يبلغ عنه أحد، وهو الذي يقول يا حيطة داريني، مثله مثل أبو الفضل، الذي يمر كل صباح على أبو شبارة، يرمي الصباح، يشعل القوالح والخشب، وعلى نارها يسوي له براد شاي، ويعمر له الشيشة، يعاود الكرة مرة أخرى في العصاري مقابل كوب شاي أو تلقيمة ناشفة يدخرها لحين حضور أبو دياب، كما أنه يشرب ما تبقى في كوب أبو شبارة.

كَبَّر أبو شبارة بصوت جهوري يليق بتخنه وفلوسه، قرأ الفاتحة خلف الأمام، وعندما هم بالوقوف بعد الركوع، انحشر جلبابه بين فلقتي فخذيه العظيمتين، وبان مشدودا عليهما، تردد أبو الفضل، ثم مد يده من الصف الخلفي وشد الجلباب للخارج، لكزه أبو دياب الذي يقف بجواره، فهم اللكزة على نحو خاطئ، أعاد الجلباب لمكانه مرة أخرى، حشرجت الصفوف الخلفية ثم انفرطت ضاحكة، وأبو شبارة خرج من الصلاة متوعدا يهز طوله وتخنه، يبحث عن عصاه ويحاول

الجري خلف أبودياب وأبو الفضل اللذين هرعا مع المصلين خارج الجامع.

.........

رفع مصطفى نشوان آذان المغرب، والشيخ حامد يلقي درس العصر، بالأمس شرح لهم ما ينقض الوضوء، كعادته يلقي الدرس ويعود في اليوم التالي يسأل المصلين.. يتبع طريقة السؤال والجواب والتلويح بيده، والعد على أصابعه، من لا يحفظ بذاكرته يحفظ بعينه. التفوا حوله، بينهم أبو الفضل وأبو دياب في خزي بعد عملتهما السوداء.. لا يجلسان وحدهما أبدا، يتقصدان أن يكونا وسط الناس، لا يهشان ولا ينشان، يستدران عطف الناس، ولا يجيبان على أسئلة أحد، يحاولان أن يقطعا بينهما وبين ماضيهما.. واتفقا ـ دون اتفاق ـ على ألا يبوحا بأسرار بعضهما، تكفيهما الغربة والخوف واللقمة القليلة، وما يفعله الحرامية بهما، والذي زاد وفاض ما حدث منهما أمس بحسن نية مع أبو شبارة، يظلان في قلق دائم خشية أن يفاجئهما العفريت، وحين يستبد بهما الخوف لا ينامان، رغم أن أحدا بالقطع لا يعرف لهما طريق جرة، لأنهما على آخر حدود الدنيا، بينهما وبين البحر فركة كعب، لكن الفزع من الغدر وغربة الموت، جعلهما دائما على شفا يقظة مُرة موجعة.

.. واحد يقول لي إيه اللي بينقض الوضوء ؟.

انسحب أبو دياب من لسانه، والضحكة على طرف منخاره.

ـ الواحد لو يعني...

..الواحد لو ايه يا بني ؟!

ـ الواحد لو نسي يعني، ومد ايده في اللباس ومسك العدة.

انفلتت الضحكات كالرهوان، ثم دخلت الأشداق بنفس سرعتها، وحط الوجوم.. تجهم وجه الشيخ.

.. العدة، العدة يا كلب، الواحد لو نسي ومسك العدة !!، اطلع بره، اطلع بره.

بعد الصلاة، اقترب إسماعيل من الشيخ ووجهه ينفخ من الغيظ.

ـ عارف أنت ربنا نجاك النهاردة ليه يا شيخ حامد ؟

.. تاني يا سماعين !!

ـ وفا زيت حار شاف مصطفى نشوان الفراش وهو بيدور في جيبه بره الجامع، وبيدي حاجة لواحد منهم، ولما طلع المنبر قال : إن الذين يشربون الحشيش في انصاص الليالي حيروحوا جهنم، وأدي واحد منهم قاعد تحت العمود أهه، وشاور على مصطفى نشوان، ونشوان خد مداسه وطلع بره الجامع.

.. هو الجامع كله طلع بره النهارده ولا إيه ؟!.

 

 

عودة إلى الملف

وحيد الطويلة

روائي مصري

صدر له:

ألعاب الهوى ـ رواية

أحمر خفيف ـ رواية

كما يليق برجل قصير ـ مجموعة قصصية

خلف النهاية بقليل ـ مجموعة قصصية

باب الليل ـ رواية

 مائة غمزة بالعين اليسرى ـ مجموعة قصصية 

حذاء فيلليني ـ رواية