wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأربعاء, 13 سبتمبر 2017 18:33

يوم غابت الملائكة

كتبه

ولاء الشامي

 أغرقُ في الذكرى مع طفلة عمرها سبع سنوات، بيدها دُمية جميلة ترتدي زياً أحمر ملئ بورود بنفسجية فاتحة، اختارت هذه الدُمية من بين عشرات الدُمى، أحسست بأنها تنظر إليّ، تتفحصني، على وشك الكلام، يخرسها شيء، يخيفها ذاك الرجل الواقف بجانبي، أحتار، لم يخيفها زوج أمي؟!.

 

 

 أبي الجديد عيناه طيبتان، لمسته حانية ولكن على نحو مريب، أشعر أن الدُمية ستكون شاهداً على حدث جلل، نظرتها الطيبة تقسو، أرتجف، يسألني ما بك، لا أرد، أختارها هي بالذات، لكنها قبيحة، يخبرني، أصمم عليها، أهم بالبكاء، لكن يسكتني بقبلة خاطفة على عيني، سأحضر لك القمر إن طلبته، تتغير نظرة عينيه للحظة، ثم تعود طيبة، أنت ابنتي التي لو كنت سأختار لكانت هي.

أنت طفلة أفكاري المشتهاة، ما معنى مشتهاة أخجل أن أسأل، أخاف الكلمة، أعانق الدُمية، تكاد تدمع، لا أعرف لم تشعرني بأنها تأسى على مصيري، تنبئني بنبوءة ملعونة، تقسو نظرتها ثانية، أسمعها تضحك هازئة بي، يبكي داخلي شيء، أتأكد بأني سأكره تلك الدمية يوما، وسأتركها تصاحبني حتى أبغض نفسي أكثر.

 يربت على كتفي، أبي الجديد، هكذا كنت أدعوه في سري، كنت أتصور دوماً أن الملائكة أبدلت أبي القديم بواحد جديد، حين خاطبتهم دامعة من نافذتي" أيتها الملائكة الطيبة إن أبي لا يلعب معي الغميضة، يتعلل دوما بأنه مشغول وبأنه يحبني لولا عمله، لم أفهم معنى أن يحبني، كل ما أفهمه أنه لا يلعب معي، وأن أمي تظل تقوم بأمور كثيرة متلاحقة لا أفهم أهميتها، حتى يهدها التعب وتنام باكية بعد حوار مشحون مع أبي، هل منحتِني أباً كأب صديقة المدرسة التي تغيظني دوما بأنه يلعب معها بعد أن تنهي واجبها؛ حتى تنام على صوته الرحيم يحكي حدوتة المساء الطيبة؟ هلا أبدلته يا ملائكتي الطيبة؟

 ألوم نفسي حتى الآن وقد صار عمري ثلاثين خريفاً متساقط الأوراق، خطف الموت أبي سريعا، استيقظت مساء ذلك اليوم على غير عادتي. أتقيأ وأبكي، وأرتجف، كان أبي مريضاً لكن ليس بالمرض الثقيل، كانت أمس تجلس بجانبه تحنو عليه كأم رؤوم خشيت على طفلها المشاكس من لعبه وهروبه الدائم منها، تفزع أمي، تهرع إلي" قلت لك مية مرة ما توقفيش في البلكونة، الجو بره برد" أبكي وأسألها عن أبي، أحان وقت الرحيل؟! لا تفهم، تبدل ثيابي بأخرى نظيفة، تمسدني، ثم تربت جبيني وشعري؛ لأنام.

أغافلها ولا أنام، ولكن أدعي النوم لتذهب لأبي، لتخبرني ما هذا الأزرق الذي أراه أمامي. تتنهد وتذهب لأبي، أسمع صرخة مكتومة.أبكي، أيتها الملائكة لم أكن أقصد، كنت غضبى فقط، ما إن قبَّلني أبي على المائدة حتى نسيت، لكني نسيت أن أخبركم أني نسيت. آه يا أبي، كيف سأمحو عن نافذتي أني قتلتك.

 كبرت وأدركت أن أبي كان يستر قلبا موجوعا وراء لا مبالاته بي وبأمي، قلبا هشَّاً ينهشه المرض والخوف على مستقبلنا، كل ما فكر فيه هو أن يعمل ليجمع لنا المال. ما كان ضرك يا أبي لو لاعبتني ساعة، سأظل أنانية على ما يبدو، ولكن ما ذنبي يا أبي، ما ذنب تلك الطفلة التي كانت تتعلق بخيط الحياة الوحيد متمثلا في عودتك حاملاً الحلوى. انقطعت الحلوى، وانقطعت عني، لم تعد تزورني الملائكة بعد أن أخذوك، لكأنهم كانوا يأتونني وصيةً منك. يبدو أنك ما زلت غاضباً، لم أعد أراك في أحلامي السوداء.  لكن ما لم أسامحك عليه أنك تركتني له.

 

لم أعفُ نفسي من مسؤولية قتل أبي، لكن ما فعلته أمي كان غريبا بحق، كانت تضحك في العزاء وتخبر كل من يعزيها أن لا يأسى على حالها، أنها كانت تنتظر موته على الورق منذ زمن ثم تنفجر باكية وتحكي كم أحبته وكم كان حلمهما يكتمل كل يوم بي، يبدو أن لوثة قد أصابت عقل أمي. دخلت على إثرها مستشفى الأمراض النفسية والعقلية، كانت صدمة موت أبي صدمة محققة.

 تسعة أشهر قضيتهم في عطف خالتي، وحسام الذي يكبرني بعشر سنوات كاملة، وتخفي عيناه شيئا غامضا دوما. تختلط الذكريات وتتزاحم في عقلي بأيها أبدا، سأكتب رواية كما نصحتني دعاء صديقتي من قبل، سأتحاشى فيها زوج أمي.

 خرجت أمي من المصحة ليست كمن دخلتها، صارت عصبية لأتفه سبب تنسى على الدوام حتى أنها نسيتني أكثر من مرة، تدقق النظر فيَّ بنظرة غريبة تتحول لنظرة بلهاء بعد قليل ثم تتعجب كيف عشت أنا ومات هو! تلومني على تلك اللحظات التي تركته فيها من أجلي، يبدو أنك مريضة جدا يا أمي ولكني لن أبدلك أبدا كما سبق وأن فعلت مع أبي

 انتهى اليوم الغارق في الذكريات كغيره من الأيام، شهران على هذه الحال، سأزور طبيبا نفسيا في الغد، غير أني أخشى أن أنسى ككل يوم، أدون هذا الميعاد المرتقب في دفتري، وأركض نحو البيت.

 استيقظت ونظرت من النافذة، الجو دافئ اليوم على غير عادة شهر ديسمبر الحزين، هذا الدفء كله يذكرني به، ذكرى غائمة بعيدة يكسوها روح بها من اللطف ما يكفي ليتوزع على الغرباء.

 " يداك تلوح للعائدين وتحمل خبزا إلى الجائعين، أحب يديك"

سأدون هذه الأغنية غدا، في قهوة يكاد يهجرها النور، إلا ذاك الشعاع الخارج من أعين محبة، تحنو يده عليّ، تنسيني للحظات شعوري بالذنب نحو أبي، ونتابع سويا أخبار العالم، حروب ومجازر هنا وهناك، أكاد أنهار كلما رأيت مشهدا داميا تذكرت "العراق" وذبح صدام، تفتح وعيي على ضحالة العرب، وتحولت المعرفة لجرح يدمي القلب.

 

 يأخذني لحلم سرمدي كعادته، تحررت كل الأوطان ياحلوتي، أترينني؟! أنا هناك أجمع الأطفال، أقبلهم ويزفون لي البشرى، انتهت الحرب وتحررت الأوطان. مم تحررت يا حبيبي؟، أرجو أن تكون تحررت منا، ومن أحلامك التي تبعدني عني وعن حزني. لا يا مُشاكسة تحرر القلب من التي كسرته يوما، تحررت الأيدي ممن كبلها، تحررت يدي، أتفهمين؟ يوماً ستتحرر يدي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 كاتبة مصرية