wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأحد, 06 أغسطس 2017 13:21

حارس العشق الإلهي .. من التاريخ السري لمولانا جلال الدين الرومي

كتبه

 

أدهم العبودي

كيرا

قونية/ الأناضول -631 هـ

 

 

كنت أعرف أنّه لا ملائكة على الأرض غيري، وكلّ ما يحدث سلبًا له تفسيرٌ حتمي، أرّقني كثيرًا من ذي قبل التفكير في التفسير، لكنّ مَصْلًا ما، يأتي في وقتٍ ما، تفرضه منظومة الحياة ذاتها، عندما نعاني من التخبّط وعدم الاحتمال، مَصْلًا يجيء في صورة نسيان، عدم اكتراث، أو حتّى في صورةِ زهدٍ عن الحياة نفسها، كم أشعر أنّي هشّة، كفراشةٍ تحوّم حول دائرة من دخان، دائمًا ما يترجرج المدى البعيد أمام بصري في بطء ويهدهدني، تتلاحق بقايا الذّكريات على ذهني كما تتلاحق أنفاسي مصاحبة تلك الذّكريات، أشعر أنّ في الأفق تنتظر ملامحُ السّكينة والاطمئنان، يتناثر من حولي وفي داخلي دقّ الذّكريات، لكن روحي كانت أهمّ، هي التي تتطلّب الإنقاذَ العاجل، هي التي ستبقى لي براءة من عالم مدنّس.

أجل أكره الرجالَ، أكره رائحةَ رغبتِهم، أكره أشياءَ دفَنَها الماضي، ولم أعد أكترث، أرمق قريتَنا وأسخط على حالي، قرية بائسة بؤسًا خرافيًا، كانت قريتنا فرعين شبه متوازييْن للنّهر، يتهاديان في بطء وفي خمول؛ بضع تكتّلات من نبات الحلفاء، وبيوتنا بينهم، ها هنا كلّ صباح ألتقي بالأحلام المطلّة من بعيد، كنت طفلةً تأمل ركوبَ صهوةِ الموج وتنطلق إلى عنان الغد، كنت طفلةً لا تعي معنى النضوج، يتطابق شكل هذا الصباح بشكل كلّ صباح، وأعرف أنّ للجنّة منفذًا قد لا يبين، أبحثُ بعينَيّ عنه في الجوار، بين سباطات النّخل المتدلّية وبين أربطة الشّفق التي تكمّم فم السّماء، كانت شمسُنا تشرق وتغرب دون إبداء استياء، أشعر بالضّجر يلف أعوادَها الذّهبيةَ المغروسة في لبّ ماء الترعتين، دون مراوغة مسيرةِ زمنٍ جامد الوجه، كنت الوحيدةَ التي ينقضي عمرُها سُدَى، حتّى ولو تفرّعت بي دروب الحياة، إنّما أين هي الحياة إذًا وسط هذا الموات؟!

عمري كله أحلامٌ مؤجلة، تسافر عيناي مع الزّروع الهائمة دون قيْد بعد ضفّتي الفرعين شرقًا وغربًا، أساءل نفسي إلامَ أحتاج حقيقة؟ هل أحتاج إلى الخروج من تلك الدّائرة المرهقة إلى العالم؟ أم أحتاج إلى التقوقع والرّضا بالواقع؟ لكن كلّ شيء يدعوني للخروج، كلّما ضمر بداخلي حُلمٌ نَبَتَ آخر، كلّما حطّت عيناي على المدى شدّني نداءُ الرحيل، ارحلي.. ارحلي.. ليس هذا مكانَك ولا زمانَك، ليس يبقى من المرء غير التمرّد والإباء، فارحلي لدنيا غيرِ هذه، لا تحصري ملكوتَك في هذا المجتمع.

تبدو حوافُ الأفق البعيد متعرّجةً عابسة، يتشبّع الهواء برطوبة تكتم الأنفاس، وتبزغ تشكيلاتٌ من الطّيور من قلب نقطة على الحدّ الواصل ما بين الأرض والسّماء، لكنّها سرعان ما تحلّق عاليًا وكأنّها تزيح عن كواهلها عبءَ النّهار، تطير نحو الفضاء تختال بتحرّرها، تهاجر إلى مكانٍ أكثر راحة، تقترض عقلي وتخيلاتي، أطير معها في الجمع بجناحيْن من سعادة، أعانق صفاءَ الأفق واسترخاءَه، أرى قريتي مجرّدَ فجوةٍ معتِمة في براح الدّنيا، فجوة تتضاءل كلّما حلّقتُ مبتعدة، شظايا المشاهد الملقاة تحتي كبقايا من خيالٍ استعاد تأنقه، أودّعها بنظرةٍ متألقة، وأمخر عبابَ الهواء العليل وجناحاي يرفرفان بوداعةٍ واستكانة.

أعدو وراء الصّبية والفتيات، نتجمّع على ضفّةِ النّهر، يكبّون عليّ من ماء النّهر، لكنّي أسبّهم جميعًا، فيقول أحدهم:

- الماء لعلّه يطفئ نار الكُفر.

ويرفع ساعديه يضمّهما ليشكّل بهما صليبًا، يعبس وجهي، فلست أفهم، يتبادلون الضّحكَ السّاخر، أفطن أنّها لا تعدو كونها إلّا لعبةً من ألعاب الأولاد، أبتسِم ببلاهة وأمضي عنهم، وبيتنا الكائن قرب الضفة يضجّ بالصياح، صياح الدّيكة المتفرّقة على السّطح، أسأل أمّي:

- هل نحن كفرة يا أمّي؟

فتنهرني وتشدّني من شَعري صائحة:

- "يسوع" سينقذ العالم من شرّ الكُفر، كيف تقولين هذا؟

لم أرّ أمّي يومًا غيرَ منكفئةٍ فوق العجين أو طبخ الطعام أو غسل الأثوابِ، تستيقظ بعد الفجر، تبدأ أولًا في كنس فناء البيت بالمكنسة القشّ، حينها يكون أبي نائمًا، ثم تشرع في إعداد عجين الخبز في حلّة كبيرة، تتركه ليتخمّر تحت أشعة الشّمس الأولى، وتحمل من وراء الدّار القشّ والأخشاب وتحمّي الفرنَ الطين، أرافقها في كلّ خطوات الخبيز لأنّها تصرّ على هذا، تقول لي: تعلّمي، لا يبقى للسّت في الدّنيا غير مهارتها في شؤون البيت.

ينتفخُ الخبزُ المرصوص في صفوف طولية تحت عباءةِ الشّمسِ ببطء، عندئذ تكون الفرنُ قد سخنتْ تمامًا، تتناول أمّي رغيفًا رغيفًا بدقةٍ وتَعَوّد، تضعهُ داخل الفرن التي تتلقّفه بشهوة، أجوس فيها بعينيّ، كيف لا ينال منك التّعبُ يا أمّي؟ ترهقين نفسك طوال النّهار ما بين أبي وبين أعمال البيت وبيني، ولا أحسب أنّ لكِ شكوى من أيّ قبيل، تبدين دومًا سعيدةً راضية، لكن أخشى عليك، أخشى أن يهدّك الجهدُ في لحظة ذروةٍ ما حبيسة بأعماقك.

أبتعِدُ عنها، أغيب داخل الحظيرة الصغيرة المقامة بجانب البيت على مشارف النّهر، أتفقّد البهائمَ التي تخور خوارًا محببًا حين تراني، لا أعرف كأنّ نظراتِها تود لو تبلغني شيئًا! تطيل النّظرَ في عينَيّ بطيبةٍ واستجداء، أشعر أنّها ترجوني أن أُفرِج عنها، كأنّما موقنةٌ بأنّها ربّما مؤهلة للذّبح عمّا قريب، أتحسّس أجسادَها الملساء، فتقترب كلّ البهائم منّي، الأبقار والماعز والخراف، روائحها التي تنفّر الجميعَ تأتيني مستحبّة مريحة، ولا أدرك لِمَ؟! فكم تروقني هذه الرّائحة! كنت لا أبالي بعفن البهائم بقدر ما أبالي بحبسها داخل هذه الحظيرة، أدور بعينيّ فيها، كأنّ بي أقول: لو كان الأمر بيدي!

وحين نضجتُ، ومات أبي فجأة، أحسستُ أنّ أمّي هي اختزال الحياة كلّها، أيقنت أنّنا سنجابه حياةً شاسعة متراميةَ الأحزانِ وحيدتين.

كان أبي "زمّارًا" كبقية رجال قريتنا النّائية، لم أكن أدري إنْ كان هذا فِعلَ الإرثِ أم فِعلَ الفقرِ البليد الذي يمتلك القرية؟ ولكنّه كان يعشق حرفتَه، كنت أراقبه من حين لآخر وهو جالسٌ أسفل شجرة الأثل نافخًا مزماره، وأصابعه تدور من ثقب المزمار لثقب آخر في انسجامٍ وفي خشوع، كنت مِن فرط سعادتي بعزفه واختمار رأسي أتراقص معه، أتلوّى بخصري ذات اليمين وذات الشّمال في نشوة، يطير من مزماره النّغمُ فأطير معه، يميل هو مع ميل المزمار، فأشعر باندفاع الهواء السّاخن البعيد من فوّهة المزمار وكأنّه يلامس وجهي.

لم أكن أعرف لماذا يُعيَّر رجالُ قريتنا بحرفتهم؟ إنّها حرفةُ فنٍ وتمكّن، لعلّ لا شيء يُعيّر به الرّجل في الحياة غير تذلّله من أجل لقمة العيش، وربّما هذا في الحقيقة ما كان يبعث في نفوس رجال قريتنا هذا الإحساسَ الباطن بالانكسار، فكلّهم يتذلّلون –بلا حيلةٍ- لأجل أجورٍ بخسة، يقتاتون بالنذر اليسير الذي يكفله سعيُهم بين القرى والمُدن المترامية في بقاع "الأناضول"، وفي الأفراح والمناسبات، تلك النّوبات التي يمارسون فيها مهنتَهم، والتي لم يكن ليعرفوا سواها، إضافةً لنتاج الأرض الشّحيح، والذي يكفي تقريبًا لسدّ حاجات البيوت من جبن ولبن وقمح وذرة ليس أكثر، تلك الكفاية الذّاتية، غير منتظمة المنسوب.

كان أثرَى رَجلٍ في قريتنا هو الإمام السّلطان "شرف الدّين"، صاحب الطّاحونة، أثراهم فقط لأنّه اشترى الطّاحونةَ القديمة في آخر القرية وأعاد تشغيلَها، وثراؤُه كان في أنّه امتلك -مع ما تدره الطّاحونة- بضعةَ أفدنةٍ من الأرض تطرح الفاكهة، وبضعةَ رؤوسٍ من البهائم، ولكنّه لم يكن ليُشرف على الطّاحونة أو يباشر سير العمل فيها إمعانًا في إضفاء صفة التوقير المبالغ فيها على نفسه، اكتفى بترك ذلك لبعض الموثوق فيهم والذين يتفانون في توكيد الثّقة تقرّبًا له.

كان آباؤنا يحملون فوق أكتافهم أجولةَ الأرزِ والقمح والذّرة لطحنها، بعد أن استبدل السّلطان حجر الطّحن القديم الكهل بحجر صوان جديد وغيَّر الغرابيل نصف الاسطوانية لمضرب الأرز بأخرى متينةِ المعدن وشديدةِ الصلابة، كنّا نرافق الآباءَ إلى الطّاحونة، ننتظر فيما وراء السّور المَبني بالطوب النيئ -والذي يلتف حول فناء الطّاحونة- جالسين على المصطبة الإسمنتية، أو في بعض الأحيان نتسلّل إلى الدّاخل لنراقب التّروس التي تَطحن في غير كلل ولا إنهاك، يشدّنا الفضولُ نحو الأصوات الطّالعة من ناحية القادوس المعدني المرمي في جوفها، ومن مضرب الأرز المكمّم بالخيش.     

أذكر أنّنا -ولم نزل صغارًا- كنّا نخشى من السّلطان "شرف الدّين"، وهو مقبِلٌ من بعيد كنّا نهرول فرارًا منه، كانت مخاوفُنا مجرّد ترجماتٍ لثرثرة النّاس حول سرّ غامضٍ يخبئه السّلطان في سريرته ولا يقف على مضمونه أحدٌ بالتحديد، قيل إنّه يؤاخي الجنّ، وقيل إنّه يصعد كلّ يوم إلى السّماء ويعود قبل أول ضوء للفجر وقد عَرَف عن غيب الخلق ومستقبلهم، إنما أحيل السرّ عمّا بعد –بطبيعة فوت الزّمن- إلى تفسيراتٍ لا تعدو أن تكون في نظري أكثرَ مِن اجتهادات استقرّ عليها تحليل الجمع، ولا تكاد تخلو من يقينٍ ليس فيه موضعٌ لشبهة –ذلك لفطنة رجال قريتنا وفراستِهم الخارقة!- أنّ السرّ مِن عند الله، سرّ روحاني، كلّل اللهُ به السّلطان محبّةً وبَرَكة، وكان السّلطان يسير في القرية متباهيًا بالهالة المرسومة حول شخصه، والتي منحتها له قريتُنا عديمة الجدوى بكلّ يسر، ودائمًا ما كان يمشي بصلفٍ في صحبة الأقران من الدّراويش ومحبّي التزلّف والتملّق، يدكّ الأرضَ الصلدةَ بقدمه فنراقبه بفضول، والتّراب يوجّ من تحت قدميه في حلقاتٍ دُخانية اللّون يظلّ ينفضها عن ملابسه بخُيَلاء، لكنّه كان مَهيبًا، لم يكن يجالس أحدًا من ناس القرية في أيّ وقت، بمعنى أنّه لم يكن متاحًا للعموم، كما لم تكن رؤيتُه عابرًا في شارعٍ أو درب داخل متن القرية إلاّ محضَ صدفةٍ أو من باب الاستثناء، ولم يكن ذلك تعاليًا بقدر ما هو محاولة نسب غرابة أكبر وغموض أشمل لعالمه الخاص، لعلّي كنتُ الوحيدةَ التي باتت تشعر بعد وقت بأنّه ليس أكثر من صناعةٍ محلية، لظروف مادية بحتة أو لظروف معرفية غير واضحة المعايير، وفي الحقيقة لم يكن يُعرَف عنه إنْ كان متأصّلَ النّسب إلى قريتنا كما يدّعي، أم أنّه قَدمَ عليها منذ زمن محت ملامحَه سطوةُ فلوسِه، فلوس لم تكن كذلك معلومة المصدر على وجه التحديد، يُشاع عنه أنّه وفِد من إقليم " تركمانستان" بعد هجمة التتار، وكان هذا منذ قرابة ربع قرن، كان يمرّ على أهل بلدتنا فيلقي سلامًا مختالًا، ينظرون له في إكبار وهو دانٍ ويشدّون إلى أسفل أحبال الماشية التي تطوّق رقابها والتي يخرجون بها إلى الحقول، فتثبت عن الحركة، ثم يتسمّرون هُم بدورهم ولا يجرؤون على تكملة السير احترامًا ومَهابة، حتى يختفي من أمام أبصارهم، فيستأنفون مشيَهم المتأنّي صوْبَ الحقولِ القريبة، ويتهامسون عن تواضع هذا الرّجل، الذي يقابلهم بابتسامة مؤدبة، كأنّ مجرد إلقاء السّلام عليهم مِن رَجلٍ في مقام السّلطان لَهُوَ باعثٌ على الفرحة والتباهي، وكانت –في البداية- التّسلية الوحيدة المتاحة في قرية صغيرة كقريتنا، لا تسريةَ فيها ولا لهو، هي محاولة وهب عنصرِ التبجيل إلى هذا الرّجل، ثم سرعان ما تطوّرت التّسليةُ إلى توكيد لا يجوز التّشكيك فيه تحت أيّ بند، أو أيّ احتمال، فالرَّجل ثري، يجيء بكلّ ما هو عجائبي، يَعرف ما لا يعرفون، يطبّب مرضاهم بالبَرَكة والدعاء وبعلمٍ لا تُدرك معطياتُه إلاّ من العليم بمكامن الأمور، يبلغ أعماقَ أنفسهم ويكاشفهم صراحةً عمّا يبطِنون، يقيهم شرّ الحوائج والعمولات بالتعاويذ والقراءات والأدعية والأحجبة المباركة، من دون أن يتقاضى أجرًا قبيل هذه المنحة الربّانية التي لم ينلْهَا غيرُه، كما أنّه رَجلٌ كريم يفتح بيتَه طول الوقت لعابري السبيل ولمحبّيه، وكنت أسأل أبي في صغري:

- فعلًا السّلطان مكشوف عنه الحجاب؟

- الله أعلم يا بنتي.

- المسيح فقط مكشوف عنه الحجاب يا أبي، أليس كذلك؟

يمصمص شفتيه فأصرّ مستطردة بعند:

- لكن من أين أتى السّلطان بكلّ هذا المال؟

فينظر لي ويقول بعد تفكير وحيْرةٍ لا ينتهيان إلى إجابة شافية يقينية:

- علّمنا "يسوع" أننّا لا نسأل على أشياء لا تعنينا.

والإمام السّلطان –من وجهة نظري- لم يكن إمامًا بالمعنى الدّارج للكلمة، يعني لم يكن عجوزًا للدّرجة، ولا فقيهًا، ولا يحمل من سمات الإمامة أمارة واحدة، أو لم يعد -بالنّسبة لي- ذلك الرّجل الذي كنّا نخشاه في الصّغر، في الواقع، وكونه دجّالًا بمضمون المعنى، جعل أهلَنا البسطاءَ يطلِقون عليه هذه اللّفظة المجّانية التي تُطلق بسهولة، بل وتُنطق بسهولة أكبر، لكن حصوله عليها كان أكبر دليلٍ مع ذلك على أنّ طقوس الشّعوذة التي تتمّ في بيته قد خلقت آفة في أدمغة ناس القرية، عشّشتْ واستوطنت حتّى بلغت مبلغ الأسطورة، وصنعتْ مِن هذا الرّجل -بناءً على جهلٍ استشرى في بلدنا منذ أمد- زعيمًا وكبيرًا، له كلمةٌ لا يجوز بأيّ حال مراجعتها، يحكم فيمن يشاء ويتحكّم فيما يشاء –حتّى أمير "قونية"- بسطوة ماله ونفوذه وشخصيته المغلّفة بالهيبة، وقدرةِ لسانِه على تزيين كلّ الكلام وتجميله، بيته الكبير غرب القرية يلمّ في الغالب كلّ رجال قريتنا، هناك تَحدث طقوس الشّعوذة، وهناك –دون رقيبٍ أو معارض أو متفكّر- يستشرف مصائرَ الخلق برؤى لا يجوز المساس بمصداقيتها بأيّ حال، أو بكراماتٍ أعجب كيف انطلت على عقول الناس؟! إذ لا تخلو رقبةُ رَجلٍ أو امرأة من حجاب صنعه الإمام خصيصًا لغرضٍ ما، لحماية أو لتسهيل أمر، أو تبصير كلّ مَن له ضالّة مفقودة، العجيب أنّ شيئًا ممّا يتكّهن به في الغالب لا يتحقّق، ولم تعد ضالّة أحدٍ إلاّ مصادفة، الأعجب أنّ حضرته تزداد خلقًا يومًا بعد يوم، فسُمْعَتُه تزداد بريقًا، ولعلّ أكثرَهم –أغلب الظنّ- ممّن لا يجدون الزّادَ إلاّ عنده، حيث تمتد موائد الطّعام طيلةَ المساء، فيتوافد إليه رجالُ قريتنا ورجالُ القرى الأخرى ورجال المدينة، يمرّ بينَهم، يهرولون إلى يدِه يلثمونها، تنطلق أبخرة العطّارين الفوّاحة إلى أعلى، فتنطلق عيناه وراءها في زهدٍ ملفَّقٍ وغيبةٍ مصطنعة، ويشدّ يدَه مِن بين الأفواه وهو يصيح:

- أستغفر الله.

هو الذي غرس في رأس أبي فكرة التطيّر، حين قال له مرّة:

- احذر من الغربان يا مسيحي، إنّها تحوم حول بيتك، وهذا نذير غير حميد.

وأذكر أنّ أبي كثيرًا ما قرّر ألاّ يخرج للشّغل عند رؤية غراب يحوّم في السّماء، أو حتّى عندما يسمع نعيقَه، استحوذتْ على دماغه فكرةُ أنّ خَطْبًا ما سيحدث إنْ خرج لو شاهد بومة أو غرابًا، لهذا أعطى له الإمام رُقْية عبارة عن عصارة الثّوم والبصل، مضافًا إليها القليل من توابلَ غريبةِ الرائحة أجهلُ مصدرَها، خالَفَ أبي كلّ تعاليم ديننا والكنيسة، وصار يرش منها على كتفيه –إتّباعًا لتعليمات الإمام- أو على وِركيه، إلى أن باتت له نفس الرّائحة، كنت أشمّها تخرج من جسده منفرةً نفّاذة، وكنت أفهم أنّ هذه الأشياءَ لا تنفع ولا تضر، لكن كم كنتُ آنَفُ الارتماءَ على صدره كما تعوّدت! أمّي لجأت للدّير، لعلّها شعرت بخطر الإمام الذي يحيق بذهن أبي، ما زلت أذكر اليوم الذي زارنا فيه أحد القساوسة، حين استقبله أبي، رمق أمّي بنظرة مفهومة، كأنّه أدرك أنّها دافع الزيارة، قبّلَ يدَه واحتفى به بما يليق، ثم دخلا معًا في إحدى الغرف، وخرجا بعد أقل من نصف ساعة ووجهُ أبي يكبّ حُمرةً، ناول القسّ أمّي صليبًا وقال:

- علّقيه في بيتك، هذا مُبارك.

ثم التفت إلى أبي وأضاف:

- استمسك بالصّليب يا رجل، ودعك من التجديف، هل هناك مسيحي محترم يتبع كلام المسلمين الدجّالين؟

- كيفما ترى يا "أبونا".

كيفما ترى تعني انتهاءَ الموضوعِ وغلقَه، وأنّ أبي منذ اليوم سيقطع علاقته بالدجّال المسلم الذي نفذ إلى عقله بلا مقدمات.

أذكر تلك الأيّام، تحرّر أبي من سطوة الإمام على يدّ قسّ من الدّير، لذا؛ أرسلتني بعدها أمّي إلى الدّير في مهمة، وهي إعطاء القسّ بعض الهدايا للدّير، بضعة ألحفةٍ وأغطية ومخدّات، أذكر تلك الأيّام، وذلك اليوم تحديدًا، حيث لم أزُر الدّيرَ بعدها حتّى الآن.

أجل؛ بعدها، صرت امرأة مكتملة الألم والانكسار.

كان صباحٌ، وحمائمُ مستكينةٌ أعلى الصّليب الخشبي الكبير بمدخل الدّير، لم يكن في الجوار عابرٌ، ودخلتُ وقد كان الباب العتيق مواربًا، صادَفَني أحد الرّهبان الشّباب، سألتُ على القسّ، قادني لغرفةٍ طينية واسعة مظلمة بعض الشيء، وتفوح منها رائحة ثقيلة، أدركت أنّها حظيرة، كانت في جانب من الدّير، أجلَسَني محتفيًا بي في مبالغةٍ مريبة، ثم أغلق الباب، اضطربت، سألت عن القسّ ثانية فأومأ الرّاهبُ برأسه مردفًا:

- سيأتي فورًا، انتظريه.

بدأ إحساسٌ مخيف يدبّ في كياني، والرّاهب يدنو منّي، ويجلس جواري، وفي بجاحةٍ تتسلّل يدُه لتقبع فوق كتفي، ارتعدتُ، وتلجّم لساني وأنا أتزحزح عنه قليلًا، غير أنّه أصرّ على المضايقة، ودَنَا أكثر، وتخشّبتْ أناملُه في لحم ذراعي، ونشب أظافرَه في عمق إحساسي، كانت الغرفة تشبه حظيرة بيتنا التي تطلّ على النّهر عن كثب، ومن ورائها يترامي بيتنا للداخل مطلًّا على دربٍ قصير ينتهي بالشّارع الرئيسي، ولم أعرف كيف تسنّى لي أن آخذ في تفقّد الغرفة شبه المظلمة والرّاهبُ يتحسّس كلّ جزء في كتفي بيديْن آثمتين!

كأنّ لساني قد شلّ، وددتُ أن أصيح فيه ماذا تريد؟ لكنّي كنت طفلة، لا أعي، وكان الخوفُ عصف بي، إنّما تراجعت قليلًا، وهو يدنو منّي وفمُه ينفرج عن ابتسامةٍ كبيرة قائلًا:

- أنتِ جميلة، هل تعرفين هذا؟ كم عمرك؟

وفجأة نهض، ابتعَدَ قليلًا، وأضاء الغرفة أكثر بموقد غاز، ثم أخذ يدنو ثانية، خطواتُه حذِرة، وكان وهو يدك الأرضية المملوءة بالقشّ وروث البهائم يفعل باحتياطٍ شديد، يخشى أن يزعج تلك البهائمَ القريبة التي راحت تتفقّده في عدم اعتياد، كنت قد نهضت بدوري، متقهقرةً للوراء، وصلتُ بالفعل إلى آخر جدار يمكن لجسدي أن يستند عليه، لم يكن ثمّة منفذٌ آخر لي، فبان هلعٌ فوق ملامحي، وبدأت شفتاي في الارتجاف والهمهمة وفي إبداء صيحة، لكنّه قفز ولجّم فمي بيدِه في سرعة وفي مفاجئة، وقال:

- لا تخافي، سأعطيكِ البركة، وبالمرّة نلعب.

أيّ بركة! كذلك بحثتُ بعينَيّ عن لعبةٍ في يدِه، أيّة حيلة في اللّعب، فلم أجد، تفكيري في كنه اللّعبة التي يرغب أن يلعبها معي أضعف قدرتي على أن أقاوم كتمَه لأنفاسي، كانت لمساتُه هي المعبر الأول لي إلى عالم النضوج، لا أدري، لعلّي كنتُ محمومةً بهذا الاجتياح الذي تسبّبه فورة الجسد الفجائية، لكنّه كان نهارًا غائمًا، تذكرتُ أنّي بالأمس فقط لا غير طرتُ نحو أمّي باكيةً وأنا أفتح ساقيّ ممسِكةً طرفَ ثوبي بين أناملي، لكنّها زغردت، زغرودة خاطفة، وتأمّلت قطرَتَيْ الدّمِ اللتيْن تقبعان فوق ملابسي قريبًا من فرْجي، وقالت في سعادة:

- مبارك يا "كيرا"، لقد صرتِ بنتًا كبيرة بالغة.

هل كان المفترض أن يتغيّر كلّ شيء؟ ألم يتوّجب أن تبقيني في البيت تحت نظرها أقلّه كي تمرّ تلك الفورة الطارئة على خير؟ لكنّي لم أشعر بأيّ جديد، فقط سخّنت إناء ماء على الموقد، ثم خلعتْ عنّي ملابسي، وراحت تدلق عليّ مِن فمّ الإبريق المخصص للتحمّم، وأنا مقرفصة في قلب حوض التحمّم مغمورة بالصّابون والماء، وفي الحقيقة كانت مغتبطة، راحت تغني: "ننتظر الفارس على حصان، يُشبِه رجال زمان".

كانت للرّاهب نظرةُ ثورٍ هائج وهو يكمّم فمي بيده، ويقرص نهدَيّ بعنف، حاولتُ عضّ يدِه، لكنّه لم يبد أنّه شَعرَ بألم العضّة، كان أشبهَ بتمثالٍ حجري لا روح فيه، حيوان خرج من أساطيرَ بائدةٍ وبدأ يعبث بمنظومة حياتي، كانت بداخله رغبةٌ فجّة لم يستطع كبْتَها ناحيتي وهو يحدّق فيّ ببلاهةٍ ونشوة، لمعة آثمة تطلّ من عينيه وهو يلتقط أنفاسَه في عُسر، يكتم بكفّ فمي، وبالأخرى يلفّ مِن خلف ظهري ويبدأ في النّزول إلى أسفل ويرفع ثوبي، كانت أنامِلُه مرتعدةً وهي تزحف فوق مؤخرتي، ثم بأسنانه راح يمزّق رقبتي في نهم، ويجري بلسانه إلى صدري، أرى في عينيه انعكاسًا لحلمَتيّ، كانتا ورديتَي اللون، حوْلَهما بضع نتوءاتٍ بُنيةٍ دقيقة وكأنّها تطريزٌ لعذوبتِهما، كان الصّمت قد لفّ المكان، عدا أنفاسه المعتملة بالشّبق، البهائم راحت تشاهد ما يحدث من دون فهم، وربّما بنوع من استمراء، ولكن كلّ أوصالي أخذت تئِن بحنقٍ وألم، لا أعرف، هل كان يجب أن أفعل المستحيل لأصرخ؟ هل كان يجب أن أكوّر قبضتي فأضربه قدر ما أوَفق؟ غير أنّ قداسةَ المكان أثقلتني، وجثومه فوق جسدي كان مطبقًا، كان ثقلًا لا أقدر أن أطيقه ولا حتّى لوهلة، كلّ شيء يخنق، وقاحته وسطوته وعدم تركيزي، كنت أستصرخه من داخلي: هذا الجسد لا ينتمي إليك، لا تستطيع أن تلعب معه حسبما تشاء.

كيف عجزتُ عن الحركة؟ لا يتوقّف عن التحسّس ولا أجد وسيلةً للاعتراض، يسحق قِمتيّ نهدَيّ تحت أصابعه دون أن يعتدّ بصدري الذي يحترق ألمًا، أحاول الإفلاتَ، يزمجر، يشدّ جسدي داخله في قسوة، يطغي على كلّ مقاومة ممكنة، يطلق الخوار مثل عجل يتضوّر جوعًا، يمسكني بكلّ رغبة، ولا أعد أميّز، غالبًا أبي هو المكلّف بحمايتي ومنْعِ مثل هؤلاء مِن هتك براءتي! أين أمّي؟ لماذا لم تأتِ بنفسها للدّير، ربّما لم يكن لراهبٍ أن يجرؤ معها على فعل ما يفعله الآن معي! ولكن كلّ شيء بدا مرتّبًا للخلوة الآثمة، كلّ التفاصيل تآمرت ليَتِمَّ هذا الهتك الأليم، رحت أغوص في ظلمة، راجيةً أن أنصرف عن هذا الجسد العاجز الضعيف، وأصوات كلّ الحكايات القديمة تختلج في عقلي، كأسراب من ذباب نافق، يضرب داخل الأذن والرّأس على غير هدى، والرّاهب يلهث في فجور، يحملني ويرفعني عن الأرض، ثم يرتمي بثقله فوق ظهري، فأرتمي تحته وتنفلت كفّه التي تكبّل صوتي، لكن ذرّات القشّ الهائشة التي تفرش أرض الحظيرة تقوم بالدّور على أكمل ما يكون، تُكمل في قسوة كتم أنفاسي، تعبّئ جوف فمي وتتسرّب داخل فتحتَي أنفي، أشعر أنّي بالفعل قد غبت عن وعيي باختناق، والرّاهب مِن ورائي يكلبش على مؤخرتي ويرفع عنها ذيل ثوبي، كانت أمّي قد طبّقتْ خرقةً نظيفة ووضعتها بين وِركَيّ حتّى تحجّم نزول قطرات الدّماء الضريرة التي تقابل دنياي لأول مرّة، لكنّه لم يكترث، كبس بقضيبه المتصلّب على المنفذ السليم المواتي كسيخٍ من حديد متوقّد، ثم ضغط بقوّة، ضربه بداخلي ضربة عنيفة، فبدا وكأنّه سقط على ظهري بهراوة ثقيلة، وللحظة أفقتُ، اتسّعت عيناي وهو ينتهكني في مجون، كأنّ وتدًا من إسفين قد أطاح بجسدي من أولِه لآخره، خرج صوتي مسرسعًا مغلّلًا باللا احتمال، لكنّه أسرع بسدّ فمي، كان الوجع أكبرَ مِن أظلّ مغشيًا عليّ بهذه البساطة، أحسستُ أنّي هشّةٌ ووحيدة ومستهلَكة، أحسستُ كأنّ سكّينًا حادّةً قد عاثت بأحشائي، فصرتُ عرضةً للتشظِّي وعدم الثبات، كنت بحاجة لمن ينتشلني من هذا البرد الذي لحق بأطرافي، وكنتُ مفجوعةً أكثر مِن أنّ هذا الرّاهبَ هو الذي بات يشاركني صُنْعَ قدري الآن، يا للكارثة! كيف صار مكتوبًا أن أقف على حافة الجرح الأبدي في مثل هذه السّن؟ لم تعد الأمورُ تسير نحو اتجاهاتها الطّبيعية، يا للمسخرة! هل سأصبح سلعة لا تُشترى؟ وهو مِن خلفي يواصل السّلخ، لا يكتفي بمجرّد الذّبح فقط، بل يحاول أن يبلغ أعمقَ موطنٍ للألم في داخلي، ويُمعن في خلق لذتِه مِن خيوط واهية باقيةٍ متساقطة من داخلي للخارج هي التي توثقني بالحياة، يضغط أكثرَ فأكثر، يُغرقه باللّعاب ثم يدفعه مرّات ومرّات، أئن، يمزّق نهديّ بأظافره من النّشوة، ويفحّ، وصوتٌ خافق يعلو من جرّاء الاحتكاك، يضرب ويضرب، ويجتاحه الهياج، فيحاول أن يصل به إلى مدخل الرُّوح، إلى أن تتسارع نبضاتُ وطرِه، ثم يتراخى جسدُه دفعةً واحدة، وتتصلّب ساقاه فوق مؤخرتي، وهو يبخ في عمقي دفقاتٍ مِن سائله الدافئ؛ دفء الفجيعة الصامتة.

إنّ الأقدارَ مُضحِكة، يتحوّل كلّ شيء في لحظةٍ غاشمة إلى ضبابٍ يبدو ألاّ انقشاع له، كلّ ما تسعى نحوه طفلةٌ صغيرة لا يعدو كونه أكثر مِن محض سراب، تدور الحياةُ في بطءٍ وألم، لكنّها أبدًا لا تتوقّف، حتّى وإنْ كانت الأمنية الوحيدة أن تتوقّف، فكيف لا نصدّق أنّ القدرَ جبروت؟ وأنّنا قد نعيش الباقي من أعمارنا في لهفة للرّحيل عن الحياة؟ لم تعد لي حيلةٌ في جرح، ولا شفاعة في ألم، كفّنتُ بيدي كلّ أحلامي ذلك النّهار البائس، ودفنتُ نبضَ الحياة داخل أرض الحظيرة الملوّثة بالاشمئزاز، كان يبدو أنّي سوف أعيش الجرحَ الخالد، وأنه سيلثّم سوادُ الدّمعِ عينيّ ما حييت.

في ذلك النّهار الرّمادي طار نواحي حولي متبدّدًا، وفي الحقيقة لم أكن أبكي نفسي، كنت أبكي عجزي وقلة حيلتي، لم أجرؤ على أيّ انفعال، فقط رحتُ أشهق وألملم بقايا ثيابي وبقايا عزّتي وكرامتي، والرّاهب يمسح بقايا سائلِه في الجدار كيفما يتّفق، ثمّ يفرّ خارج الحظيرة في انتشاءٍ وفي ظفَر، أخذ يهرول بعيدًا عنّي في حركاتٍ هستيرية مليئةٍ بالفرح والعشوائية، إذ بدا أنّي أولُ انتصارٍ لرجولته المحبوسة، أول انتصارٍ حقيقي، بعيدًا عن قيد المحرّمات، من غير ضجيج أو تربّص أو لهو، انتصار صافٍ، خام، ذاقَ فيه معنى جديدًا لتحقّق الذّات الشّهوانية، رحتُ بعدَه أبكي بكثير من التوسّل والاستجداء، حتّى للبهائم التي أخذت ترمقني في لا مبالاة، أقول لها: ساعديني على لملمة نفسي، لا تكتفي بمجرّد النّظرة العابرة غير المهتمّة، فقلبي الآن يفتل جدائلَ مِن وجعٍ لم يكن ليعرفها على الإطلاق، وكلّ قلاع اللّوعة تذوب في آهةٍ مكتومة بلا مصير.

كان وجهي مبللًا بالعرق، وكانت الرضوض تملأ جسدي المتهرئ؛ الذي لم يعد يخصني في شيء.

أذكرُ ذلك اليوم، بعدَه مات أبي، رأيت عينيه وهو يحتضر، كان في عينيه حزنٌ، كأنّه عايشَ معي نحري.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روائي مصري صدر له: خطايا الآلهة ــ الطيبيون ـ باب العبد ـ متاهة الأولياء

الفصل من رواية "حارس العشق الإلهي" ـ الصادرة مؤخرًا عن دار المصري ـ القاهرة