wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

السبت, 13 مايو 2017 12:19

الحارس الثاني

كتبه

 

وارب المستشار "س.ل" شيش نافذته أكثر وأطفأ الأنوار عندما رآها تصعد. كانت ترتدي فستانًا يبدو مطرزًا بالورد. ملامحها الطفولية توحي أنها لم تكمل العشرين. انتبه إلى امتلاء ذراعيها المشدودين في كُمين قصيرين.  

معظم زملائه المستشارين كانوا يفضلون الطوابق العليا أما هو فيكره ركوب المصاعد، لذلك اختار السكن في الطابق الأرضي. حتى لو حدث زلزال أو حريق سيكون أول الفارين. عشر سنوات هنا لا يفصله عن غرفة الحارس سوى مدخل العمارة المضاء ليلًا ونهارًا.

نافذة شقته المحصنة بقضبان حديدية، تكاد لا تغلق، ومن يدقق قد يلمح ظله خلفها، وهو يراقب بعينين ضيقتين خبيرتين بالغرباء والمجرمين.

هذه الفتاة التي صعدت للتو، بالتأكيد ليست من سكان العمارة. على الأرجح أحست وخز نظراته تخترق فستانها الملفوف حول جسدها.

من تلك الفتحة المواربة رأى أرقام المصعد تضاء وتصعد بالفتاة حتى الطابق الخامس. حتمًا هي ذاهبة إلى عائلة يوسف الفلسطيني. لا يبدو أنها فلسطينية! إذا لم تكن قريبتهم فلماذا تصعد إلى هناك؟

عقب ثورة 30 يونيو، ظهر "س.ل" كثيرًا في القنوات التلفزيونية، دون أن يعني ذلك أنه تخلى عن ممارسة مهامه خلف نافذته، مراقبًا الصمت والفراغ ودبيب الأرجل المتجهة إلى المصعد. تكفيه تكة مفاجئة للمصعد كي يقفز مندفعًا نحو النافذة المواربة دائمًا.

قالوا إنه تم الاستغناء عن خدماته عقب ثورة يناير.. وعندما عاد للاهتمام بتصفيف شعره وصبغه بلون بني داكن قبل ظهوره في التلفزيون، قالوا إنه عاد إلى منصب أعلى.

وعندما يبادره سكان العمارة بالتحية، كان يعطي لنفسه الحق في أن يرد أو لا يرد.. هو دائمًا متأنق في كلامه وملابسه باستثناء الشهور التي أعقبت وفاة زوجته مال أكثر إلى الصمت وترك شعر رأسه منكوشًا، وفقدت ملامحه شيئًا من الهيبة وإن لم يفقد ولعه بمراقبة كل من هب ودب.

وعشية احتفالات رأس السنة لم يتردد في طرق أبواب عشرة طوابق كي يطلب منهم إخباره بأية معلومة مريبة تتعلق بعائلة يوسف الفلسطيني.

تنقله بين الشقق بسلاحه الميري المعلق في بنطاله، ألقى ظلالًا من الخوف والرعب، وهو يحدثهم منفعلًا عن العمليات الإرهابية والخطر الذي يهدد البلد.

كل يوم، كان يستوقف الرجال والنساء في مدخل العمارة كي يؤكد لهم أنه تطوع للسهر على راحتهم في هذه الظروف العصيبة، وبعدها يخبرهم بتعليماته الأمنية الجديدة. وهم بدورهم كانوا يخبرونه في حال شاهدوا سيارة مريبة تقف بالقرب من العمارة، أو انتبهوا إلى رجل غريبة تصعد إلى أحد الطوابق. وعلى الفور كان يصعد إلى تلك الشقة ويستفسر عن شخصية الزائر وهدف الزيارة والمدة التي قضاها.

وفي ذروة عودة السكان من أعمالهم، مرهقين ومحملين بالأكياس، إحدى الجارات احتدت يومًا عليه واتهمته بأنه ينتهك خصوصيتها ويتلصص عليها في ذهابها وعودتها. صرخت في وجهه أنه حتى لو كان ضابط شرطة أو صاحب العمارة فليس من حقه أن يراقبها هكذا!

وسرعان ما تجمع الجيران على الصراخ والسباب. بعضهم أشاد بحكمته إزاء شتائمها العاصفة.. والبعض الآخر أشاد بشجاعة الجارة التي شفت غليلها منه. وللمرة الأولى رفع مسدسه وأطلق عيارًا في الهواء لفض التجمهر، ثم لم يمر سوى أسبوع على تلك الواقعة حتى شاهد الجيران زوج الجارة الملتحي مكبلًا في الأصفاد ومتهمًا بالانتماء إلى جماعة إرهابية.

من يدري هل هناك ارتباط بين الحدثين أم مجرد صدفة؟! لا يمكن الجزم أنه شرير إلى درجة الانتقام بتلك الطريقة المروعة ردًا على بضع شتائم تطايرت في الهواء. ثم أليس هو نفسه الذي كان يحرس أطفالهم إذا عبروا الشارع ويعيدهم بمحبة ولهفة إلى داخل العمارة؟!

ما الضرر الذي كان سيقع عليها لو أجابت على أسئلته السخيفة التي يطرحها عليهم في مقابل الشعور التام بالأمان؟ عمارات كثيرة تعرضت لحوادث سرقة وخطف أطفال.

وللمرة الثانية دار اللغط حول المبررات التي دفعت "س.ل" لإطلاق عدة أعيرة نارية في الهواء. قالوا إنه كان يطارد ثلاثة إرهابيين. لكن الحارس الصعيدي أول من خرج على صوت الرصاص قال إنه لم ير شيئًا.

وهذه هي المرة الثالثة التي يطلق فيها الرصاص بسبب فتاة مجهولة صعدت نصف ساعة إلى شقة يوسف الفلسطيني.. كانت أطول نصف ساعة عاشها "س.ل" على أعصابه وبمجرد هبوطها سارع إلى اللحاق بها وجذبها من ذراعها.. اندفع يطاردها بالأسئلة وهي تحاول أن تفلت إلى أن نجحت في الاتصال بخطيبها.

وخلال دقيقتين وصل خطيبها وهو شاب نحيل في العشرين من عمره وقف حائلًا بينها وبين "س.ل" الذي أصر على استجوابها.. فمن يدري أنها ليست إرهابية! لا يكفي أن ترتدي فستانًا مكشوف الذراعين كي يعتبرها بريئة.

دفعها الشاب داخل سيارته، والمستشار يلاحقها.. لو كانت بريئة حقًا لماذا أصيبت بالذعر؟ ربما لم تكن صاعدة إلى شقة يوسف الفلسطيني، وبعدما وصلت إلى الطابق الخامس في المصعد هبطت على قدميها إلى الرابع والتقت الجارة سليطة اللسان زوجة الإرهابي المعتقل! مستشار مثله لا يمكن أن تخدعه تلك التفاصيل.

دفعه الشاب برفق يطلب منه التفاهم. على الأرجح هو لا يفهم بدقة ما يجري.. فالمستشار "س.ل" كان منكوش الشعر، والرذاذ يتطاير من فمه وهو يصيح: "خونة.. إرهابيين.. خونة.. إرهابيين"

والشاب حائر لا يفهم ما علاقة خطيبته بالخونة والإرهابيين، فقط كان يرى الجنون في عيني الرجل.. والرعب في عيني خطيبته التي جلست مذهولة في السيارة.

أتى حارس العمارة مسرعًا على صياح "س.ل" ثم تراجع عندما رآه يخرج المسدس من حزام بنطاله. قفز الشاب مرتين لأعلى للسيطرة على ذراعه التي تشهر المسدس، وصرخت الفتاة وهي تحاول مغادرة السيارة لإنقاذ خطيبها.. دوت صوت رصاصة واحدة، ووجدت الفتاة نفسها تحضن خطيبها وتسقط معه أرضًا والدم الحار يلطخ يديها وفستانها.. رأت عينيه تدوران ببطء وتغيبان، فأخذتها نوبة صراخ:

"قتلته ليه؟ قتلته ليه؟".

أكثر من عشرين شابًا ورجلًا أحاطوا بهم. وصاح "س.ل":

ـ "ساعدوني يا شباب.. لا حول الله يا رب.. المسكين حاول يخطف مسدسي

ويقتلني"

الفتاة صرخت:

ـ "اصحى يا أحمد.. اصحى يا أحمد"، وهي تضمه إلى صدرها.

في غضون خمس دقائق كان "س.ل" يقف بسيارته بمحاذاة الشاب الغارق في دمه:

ـ "ساعدوني يا شباب".

أربعة شباب حملوه ووضعوه في السيارة، وفي الوقت الذي لفظ فيه الشاب أنفاسه في مستشفى السلام، كان "س.ل" يسلم نفسه إلى قسم شرطة السلام، وأبلغ الضابط أنه تلقى معلومات من جيرانه عن خلية إرهابية على صلة بعائلة الإرهابي المعتقل في الدور الرابع، وعندما ارتاب في صعود تلك الفتاة ووجود شاب ينتظرها قرب العمارة، حاول التحقيق في الواقعة، لكن الشاب دفعه بعنف وخطف مسدسه الميري، فانطلقت رصاصة بالخطأ. مرجحًا أن تكون أصابته في الكتف.

 

وفي الطبعة المسائية من جريدة "الحقيقة" نشرت صورة قديمة للمستشار "س.ل" مع تفاصيل مثيرة وعنوان جذاب: "مصرع إرهابي برصاص قاضٍ متقاعد".

شريف صالح

•           كاتب مصري

•           فاز بجائزة ساويرس عن مجموعة "مثلث العشق" عام 2011

•           فاز بجائزة دبي الثقافية عن مجموعة "بيضة على الشاطئ" عام 2011

•           فاز بجائزة الشارقة للإبداع عن مسرحية "رقصة الديك"

 

•           صدر له ست مجاميع قصصية أحدثها "دفتر النائم"

www.ahewar.org/m.asp?i=4282