wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الخميس, 04 مايو 2017 20:13

الفصل الأول من رواية "تسوباسا" لـ آية عبد الرحمن

كتبه

آية عبد الرحمن

 

تشو.. سايا.. تاكومي.. نانا.. دايكي..

انفجرت الأسماء الخمسة في مسرح أوكيناوا المفتوح، تشكلها الألعاب النارية، وفي مركز انفجارها كتبت آلاف النجوم الدقيقة اسمنا الأول.. تسوباسا.

علا صراخ الجمهور حتى بلغ النجوم، ولمس اسمنا المكتوب على صفحة السماء، وحملته نسائم المحيط الباردة ليجوب العالم مع موسيقانا. كنت أركض مع سايا لنضع لحن النهاية، ونانا ودايكي يتنافسان أيهما يبلغ أسرع نقطة من الإيقاع أولًا، وصوت تشو السلس يعلو ويعلو، ويبلغ ذروةً من الكمال خلابة.

عقارب الساعة شاركتنا السباق بدورها، وسبقتنا، وارتفعت الدقات البعيدة تعلن منتصف الليل، ونحن نضرب النغمة الأخيرة ونتوقف جميعًا في اللحظة نفسها.

ومض اسم تسوباسا في السماء بضوء أزرق كهربائي، وبدأ يخبو، ثم يتألق مجددًا بإيقاع ثابت لاحقه الجمهور بصياح موسيقي منتظم مثير، ترافقه أياديهم المرفوعة، وقد اتخذت أصابعهم وضعية قبضة موسيقيي الروك..

تسو.. با.. سا..

تسو.. با.. سا..

تسو.. با.. سا..

بدأت أضواء المسرح في الانطفاء التدريجي ونحن نلوح لهم، حتى اقتصر الضوء على خمس بقع مختلفة الألوان. لوَّحت سايا بكفٍ اتخذت وضعية أكف الجمهور نفسها، ثم انطفأت بقعة الضوء البنفسجي المسلطة عليها، بعدها انطفأت بقعة الضوء الأزرق الشاحب المسلطة عليَّ، ولوحت نانا ثم انطفأ الضوء الأصفر فوقها، ورفع دايكي عصويه عن الطبول ليدق فوق رأسه بتحية أخيرة، وانطفأ الضوء الأخضر القادم من خلفه، وأخيرًا تشو التي أرسلت بقبلاتها في الهواء، ثم انطفأ الضوء الأحمر المسلط عليها.

حين ساد الظلام شعرت بكيانٍ شاحبٍ يتجسدُ أمامي، يسبح في الفراغ الذي يفصل خشبة المسرح عن الجمهور.. فتحت عيني عن آخرهما لكنني لم أبصر شيئًا.. شبح أبيض خفيف غير مرئي لكنه موجود.. أكاد أقسم أنه أمامي مباشرة، لكنني واثق أنه غير موجود.

مادت أرض المسرح تحت قدمي، وشعرت بالغثيان يفور في معدتي، لكنني لم أكن متوترًا.. يبدو الأمر غبيًّا حين تصف الوقوف أمام فوهة بندقية توشك أن تقتلك بالتوتر.. كنت أموت ميتة صغرى، في ظلام حالك على مسرح مرتفع يعج بآلاف المهوّسين.

تنفست بقوة، وحاولت ألا أدخل في نوبة هلع، وتدريجيًّا بدأ جسدي يستجيب فتحركت، انسحبتُ إلى الممر المؤدي إلى الكواليس وصياح الجمهور يلاحقني، وإن لم يمح خوفي. جريت في الممر المظلم وأنا لا أكاد أبصر شيئًا، واستشعرت طول المسافة التي قطعتها بقلبٍ واجفٍ. كنت بحاجة إلى رؤية أي شخص قبل أن يتجسد الشبح حقًّا ويسحبني معه، وأخيرًا بلغت الكواليس ودفعت الباب فاستقبلني صياح آخر.

ناولت أحد العاملين جيتاري، وتركته ينزع السماعة المثبتة في أذني، ومكبر الصوت الذي ينزلق منها نحو شفتيَّ، ثم أقبلت عليَّ منسقة ملابسي حاملة المناديل المعطرة، وجففت العرق عن جبيني وعنقي، ثم خرج دايكي من الباب الآخر تتبعه تشو، ثم نانا، وبصيحات مرحة طفقوا يتعانقون مبتهجين.

ثم خرجت سايا من حيث خرجت، ووجهها يلمع بابتسامة ناعمة وحمرة إجهاد.. حيّت الجميع بعبارة كررتها آلاف المرات: "شكرًا لعملكم الشاق، أحسنتم عملًا اليوم. شيرو، يجب أن أقول إنك أروع مصمم أزياء في العالم".

احمر وجه مساعدها الأثير، وسحب منها جيتارها ملقيًّا به إلى أحد العاملين، وبتعجل شابه الارتباك ساعدها على خلع سترتها البيضاء اللامعة، وبدأ في تجفيف وجهها وعنقها، وعندما انتهى شكرته واستدارت إليَّ تهتف: "تاكومي.. لقد كنت عظيمًا، أنا أحبك".

ولفت ذراعيها حولي في عناق مبتهج، حينها هبطت عليَّ السكينة فأغمضت عينيّ، ورغم أن ذراعيّ بقيتا إلى جواري إلا أنني غصت بأنفي في شعرها، راغبًا في الاختفاء التام، لكن الثلاثة الآخرين هجموا علينا مشركين إيانا في عناقهم، فاضطررت للابتعاد مضطربًا.

نادتني سايا: "تاكومي، أثمة خطب ما؟"

-"لا".

ويممت وجهي شطر غرفة تبديل الملابس. قلت: "سأفقد وعيي لو لم نأكل الآن".

-"بعد قليل ستأكل كل ما تحب".

نادانا مدير أعمالنا منبهًا فتوقفتُ دون أن أستدير..

-"أحسنتم عملًا يا تسوباسا، والآن بدلوا ملابسكم سريعًا حتى ننطلق.. طائرتكم ستقلع بعد ثلاث ساعات".

استدرت إليه: "هل سنعود الليلة!؟"

-"نعم، سايا ونانا لديهما جلسة تصوير في الثامنة صباحًا...".

صحتُ في سايا: "قلتِ إننا سنأكل بعد الحفل!!"

-"بالتأكيد، في مطعم المطار".

-"لقد قلتِ إننا سنأكل بعد الحفل".

رنّت صرختي بعنف لتفزع الجميع، وتطلعت الأعين جميعها إليَّ وسط صمت قلق ساد المكان. بعد لحظة واحدة استرددت شعوري بنفسي وأجفلتُ لما فعلت، وإذ رأيت ذلك الجزع الأخرس في عيني سايا هممت بالاعتذار، لكن دايكي تدخل وسحبني من ذراعي، وبابتسامة حمقاء قال بصوتٍ عالٍ: "لا تقلق يا تاكويا سان، سنبدل ملابسنا سريعًا".

وجرجرني إلى غرفة ملابسنا ليلقيني داخلها، وأغلق الباب خلفنا وأستند إليه..

-"واااه!! انظر إلى نفسك حين تجوع، أنت تغدو مجنونًا!".

لم يحمل صوته أي لمحة من الدعابة التي حاول ضخها في كلماته، كان قلقًا ومترقبًا. قلت له دون أن ألتفت: "لا تنظر إليَّ هكذا".

-"أنظر إليك كيف؟"

انفجر غضبي مجددًا فركلت المقعد الأقرب إليَّ، وجعلني ألم أصابعي أتنفس للسيطرة على نفسي. استدرت أنظر إلى المرآة، وفتحت عينيّ عن آخرهما..

-"تاكومي، أأنت بخير؟"

تجاهلته كي لا نتشاجر..

خلعت سترتي وقميصي وألقيتهما جانبًا، وحدّقت إلى نفسي في المرآة باحثًا عن أي أثر للشبح المحيط بي، فلم أجد إلا نظرة قلقة تعلو وجهي وتخبرني أنني أتجاوز خطًا لا رجعة عنه. تنفست بعسر، ثم اتجهت إلى الحمام، وألقيت نفسي تحت ماء ساخن كان له مفعول السحر في إيقاف رأسي عن العمل.

رفعت وجهي إلى أعلى، وهززت شعري، فشعرت بالماء يتسرب من أطرافه إلى عنقي فظهري، ثم استندت بذراعي المفرودتين إلى الحائط المواجه لي. خفضت رأسي، وزفرت ملء رئتيّ، وفي تلك اللحظة المسروقة من السكون شعرت باحتراق في عيني.. اختنق حلقي وضاق صدري بألم فاق الحد، ولم أقاوم شعوري بالدوار فجلست أرضًا، رفعت يديّ أمامي وفردت أصابعي عن آخرها.. بدتا وكأنهما تنتميان إلى شخص آخر، فشعرت وكأنني سجنت في جسد لا أعرفه.

وسط البخار الكثيف لفَّني اختناقٌ طاغٍ، نظرتُ حولي محاولًا البحث عن مخرج، عن مهرب، لكنني كنت واثقًا أن لا نهاية لما أشعر به. تساءلت بصوتٍ عالٍ: "ماذا يحدث لي؟"

ناداني دايكي متحققًا مما أقول: "تاكومي؟"

لم أجبه؛ كنت عاجزًا عن الرد، راغبًا في التمدد بلا حراك حتى أنتقل بسلاسة إلى عالم آخر بعيد..

نبهني دايكي بعد قليل: "تاكومي، نحن متأخران".

كان يرتدي قميصه حين خرجت إليه، ونظر إليَّ نظرة طويلة ثم أشاح بوجهه عني، وقال بشكل عابر: "لديَّ أخبار سيئة".

-"احتفظ بها لنفسك".

-"أسماك القرش بالخارج، جهّز نفسك للقاء قصير".

سحبت بعض الشمّاعات من حامل الملابس، لكنه أوقفني وأنا أنتقي سترتي مقترحًا: "الألوان الشاحبة لا تناسبك الآن، انتق شيئًا آخر".

قلت بسأم: "وكأن هذا يهم".

-"أنت عازف في أشهر فرق اليابان.. بالطبع مظهرك يهم".

ابتسمت ساخرًا، ثم اتجهت إلى البارافان العريض، والدوار لا يفارقني. أسرعت في ارتداء ملابسي، وخرجت بكنزة صوفية كريمية اللون، فدفع دايكي في وجهي سترة خضراء داكنة، وبعد قليل من تنسيقها مع الإكسسوارات أصبح مظهري خلابًا وفقًا للقواعد التي يتبعها (الآخرون)، لكنني لم أشعر بأي اختلاف.

تمتمت بحكم العادة: "ليس سيئًا".

كان منهمكًا في تجفيف شعره، لكنه أطلق صوتًا ساخرًا حين سمعني. جلست أمام المرآة بدوري متناولًا المجفف الآخر، ورششت مستحضرات التثبيت ثم مشطت شعري، وجمع دايكي شعره في ذيل حصان طويل، ورش المثبِّت عشوائيًّا، وبدأ وضع لمسة من الماكياج مخفيًا الهالات السوداء حول عينيه، ومرطبًا للشفاه، ثم استدار لي.

أعرضت عن دعوته الصامتة: "إياك أن تفكر، لن يلمس أحد وجهي إلا توموكو".

-"إنها مشغولة مع الفتيات، امنحني الفرصة...".

-"قلت: لا.. أخبرني فقط كيف أبدو".

-"مجهدًا".

-"ممممم...".

-"وستقتلك سايا شر قتلة لو خرجت إلى الصحفيين بهذا الشكل".

كان من الممكن أن يواصل إلحاحه حتى الصباح، لولا أن منسقة الملابس دخلت راكضة، واعتذرت: "آسفة للتأخير.. تشو تشان([1]) كانت تبدو مجهدة للغاية، واقتضت العناية بها وقتًا".

ودفعتني لأجلس، وبلمسة واحدة خربت تصفيفة شعري، فقلبت خصلاته على الناحية الأخرى، وكشفت الخصلات الشقراء المعدودة على جانب رأسي الأيسر، سحبتها بمشط رفيع لتظهرها بأناقة، وكومت شعري كله خلف رأسي، ودفعته قليلًا إلى الأمام، ثم رشت مستحضر التثبيت مجددًا، كانت النتيجة النهائية عظيمة.

عبر دايكي عن إعجابه بتنهيدة: "واو يا توموكو! كيف تفعلين هذا؟!"

ابتسمت، وبضربتين سحريتين أخفت الهالات السوداء حول عينيَّ كأنها لم تكن، وحين انتهت نظرت إلى المرآة دون أن أشعر بشبح ما يسكنني.. كنت مفعمًا بالحياة.

انعكس جمال مظهري على مشاعري، فابتسمت وتبدد بعض اضطرابي. شكرتها، وراقبتها تحرر شعر دايكي وتطلق مشطها السحري فيه، وخلال ثوان فرقت ثلاثة أرباع شعره من اليسار إلى اليمين، ونثرته بفوضوية أنيقة، منحته تصفيفة أفضل، وهيئة مفعمة بالحياة بدوره، ثم أوقفته ونزعت سترته قائلة: "هذه ليست مناسبة".

ووضعت عليه سترة أخرى داكنة بلون النبيذ، توافقت مع لون عينيه بشكل لافت، فأطلق صوتًا مبهورًا آخر. قال: "أنا مغرم بك يا توموكو".

دفعته نحو الباب، واستدارت لي تنسق ملابسي بسرعة، ثم أخرجت من جيبها هاتفي المحمول..

-"وجدته في الحافلة كالعادة، أرجوك احترس وإلا ستفقده يومًا".

خرجنا في لحظة خروج تشو وسايا ونانا نفسها، ومعهن مدير أعمالنا، فأفسح لنا الطريق لننضم معًا، ونتقدم في طريقنا إلى الخارج... كانت تشو في المنتصف تتقدمنا كالعادة، وسارت نانا إلى جوار دايكي، وانضمت سايا إليَّ.

همست لها: "آسف".

ابتسمت ولكزتني بخفة في ذراعي.

وإلى القاعة الرئيسية للمسرح خرجنا، فتلقفنا الصحفيون والمصورون، ووقفنا نتألق أمام وميض الكاميرات، والأسئلة تنهال علينا كشلال أعمى، فهتف مدير أعمالنا: "لن يمكنهم الإجابة إذا تحدثتم جميعًا في الوقت نفسه، فلنكن منظمين".

أسرعت إحدى الصحفيات بالسؤال: "ماذا نتوقع من تسوباسا قبل الانطلاق في جولتهم الأسيوية التي ستبدأ الشهر المقبل؟"

أجابتها تشو: "سنبدأ خلال أيام تصوير أغنيتنا الجديدة (همس النجمات)، وستعرض في الكريسماس كهدية لجمهورنا، بعدها سنتفرغ للتدريبات النهائية الخاصة بجولتنا الأسيوية والتي ستبدأ في الحادي والعشرين من نوفمبر، لمدة شهر".

-"ترددت بعض الشائعات مؤخرًا حول اعتزام أحد أفراد الفريق تقديم دراما تلفزيونية، فهل الأمر صحيح؟"

-"لقد ترددت الشائعة نفسها مرارًا من قبل، لكنها صحيحة هذه المرة.. نعم، لقد عرض عمل درامي على سايا، ودرسته خلال الأسبوع الماضي، ثم أعلنت قبوله صباح اليوم".

تركز وميض الكاميرات على سايا فواجهتها بابتسامة ساحرة..

-"إنه عمل درامي مغرٍ، وأنا أتطلع للتمثيل منذ زمن طويل، لهذا لم أستطع رفضه.. لكنني أعدكم أنه لن يؤثر أبدًا على أداء تسوباسا، وأتمنى أن تدعموني".

استمر اللقاء الصحفي ربع ساعة، بعدها بدأ الحراس في الإحاطة بنا تمهيدًا لخروجنا، لكن تنظيمهم وجهدهم الكبير لم يساعد كثيرًا في تخطي المعجبين الذين أحاطوا بنا، وأعاقوا وصولنا إلى الحافلة.. كنا نغرق في طوفان من الحب.

الحب البغيض الأعمى الذي لا أطيقه.

صعدت إلى الحافلة وتنفست الصعداء، واتجهت إلى آخرها لأرتمي على الأريكة الواسعة. مددت ساقيَّ وأغمضت عينيَّ، ولكم وددت لو استطعت إغماض أذنيَّ عن سماع الضجيج بالخارج، وتعليمات مدير أعمالنا، وضحك دايكي، وعبث تشو ونانا، وسايا التي....

فتحت عينيّ أبحث عنها، فوجدتها على المقعد الذي يسبقني مباشرة، وقد ارتمت نصف نائمة وهي تتنفس بإرهاق. للحظة أشفقت عليها وكدت أنهض لأجلس جوارها، لولا أن أوقفني وسواسي المعتاد: "توقف.. اهتمامك لن يعني شيئًا لأي شخص".

دمدمتُ حانقًا بيني وبين نفسي، واستسلمت للأمر الصارم، لكن الصوت الطفولي الكامن في جزء آخر مني اعترض: "العناية بالأصدقاء ليست مضيعة للوقت".

-"اعتنِ بنفسك وحسب؛ لن تكسب شيئًا من بذل مشاعرك للآخرين".

-"حسنًا".

واختلست النظر إلى سايا ثانية فرأيت رأسها يميل بوضع مؤلم، وإن ظلت ثابتة.. لقد نامت.

أغمضت عينيَّ بدوري، ولم أدرك مدى إرهاقي وتعبي إلا حين أيقظتني توموكو.. بمشقة شديدة استطعت الاعتدال، وكنت في حالة من التذمر تقترب من الثورة، حتى أنني أزحت يدها التي تحاول ضبط هندامي وتعديل شعري.. نظرت إليها بغضب جعلها تتراجع مبتعدة. قالت بقلق: "آسفة يا تاكومي سان، ولكن الصحفيين...".

-"فليذهبوا إلى...".

قاطعتني سايا: "لقد وصلنا يا تاكومي".

صوتها كان منذرًا، فنظرت إليها زامًّا شفتيَّ غير راغب في الصدام معها، لذت بصمت غاضب جعل توموكو تختصر عملها، بينما شيرو يعتني بسايا متحدثًا معها بكلمات خافتة تتخللها ابتسامات. استغرق نحو دقيقتين ما جعل غضبي يشتعل مجددًا، إلا أنني لم أنطق؛ كان بوسعي رؤية مدى شحوبها رغم الماكياج.

في أحد مطاعم المطار استرددت بعض هدوئي، وجلست أفتح أنفي وصدري ومعدتي وحواسي كلها للرائحة الشهية، وابتسمت من قلبي، ثم تحولت ابتسامتي لدموع فرحة وشيكة عندما وضعت البيتزا أمامنا، فانقضضت عليها دون تمهل.

قال دايكي كأنما يوبخ طفلًا: "انظروا إلى هذا الشره!! ستكسب وزنًا يفقدك معجباتك إذا استمررت في الأكل بهذا الشكل".

صحت ألمًا وكورت شفتي ونفخت، فانبعث البخار الساخن مع أنفاسي، ولوحت بيدي أمام فمي محاولًا تخفيف حرارة البيتزا التي خرجت من مخبزها للتو، فضحكوا ضحكات مرحة.

أكلت بشهية وكأنني حرمت الطعام أعوامًا، وبرغم أنني أكره فقدان أعصابي بسبب الجوع، إلا أنني استمتعت بشعور الشبع التام بعد جوع طويل، وهو شعور طالما افتقدته في ليالي طوكيو الباردة، التي أمضيها وحدي متنقلًا من غرفة إلى غرفة في بيتي، أو من حانة إلى حانة في الضاحية القريبة، أو في سيارتي منطلقًا على غير هدى، معذبًا بشعور من الفراغ لا يستطيع شيء أن يملأه.. لا الصحبة، ولا النساء، ولا الطعام، ولا حتى الخمر. في أوقات الضياع تلك، كنت أتمنى لو أنني من هؤلاء الذين يستعينون بأصناف الطعام المميزة على وحدتهم، أو تبديل مزاجهم من النقيض إلى النقيض.

وقد بدَّل طعام اليوم مزاجي من النقيض إلى النقيض، ثم أخذنا بعض المشروبات رشفناها على مهل خلال انتظارنا، وعندما صعدنا إلى الطائرة كنت الوحيد المنتعش بينهم، بل إنني أخرجت مشغل الموسيقى، وتأهبت للاستماع لتسجيلات اللحن الأخير.

وبشيء من الابتهاج قلت: "ستكون جولتنا القادمة خرافية، أروع مما يتوقع الجميع. أليس كذلك يا سايا؟"

كانت تجلس جواري لكنها لم تجب، وانتبهت لي فقط عندما نظرت إليها..

-"عذرًا يا تاكومي. ماذا قلت؟"

-"أأنتِ بخير؟"

كانت شاحبة بشكل يفوق العادة..

-"أنا دومًا بخير.. أخبرني ماذا كنت تقول؟"

تخلت عن كذبتها في الحال، ودفعت رأسها للخلف لتغوص في مسند المقعد. انتبهت لحركة الطائرة الوليدة، وتذكرت خوفها غير المبرر من الطائرات، الذي يسبب لها المتاعب عادة خلال السفر.

ربت على معصمها لأطمئنها فابتسمت، ثم تخلت عن الابتسامة كما تخلت عن كذبتها، وأغمضت عينيها بقوة، وانحدرت قطرات العرق على جبينها ببطء، يلاحق بعضها بعضًا، وبلغ شحوبها أقصى مدى، ولم تتنفس حتى استقرت الطائرة تمامًا في السماء.

-"أنا آسفة، كان يجب أن أجلس جوار دايكي".

-"لا تمنحي الأمر أكثر مما يستحق، لكل منا فوبيا".

-"حتى أنت؟"

-"بالتأكيد".

-"لكنك تتصرف دومًا كما لو أن لا شيء يقدر على إخافتك يا تاكومي".

قطبت قليلًا، ثم تجاهلت الذكرى التي ألحت عليَّ..

-"أنتِ تبدين كذلك بالنسبة إليَّ أيضًا، لكن البشر يحملون في أعماقهم هشاشة توازي ما يتظاهرون به من قوة يا سايا".

فور نطق عبارتي شعرت وكأنني أوقعت نفسي في فخ، فلم أتركها تتأمل ما قلته، وأسرعت آمرها: "نامي وإلا ستفقدين وعيك خلال التصوير".

أغمضت عينيها وسكنت، فعدت أصغي إلى الموسيقى حتى نمت بدوري، واستيقظت والطائرة تستعد للهبوط.. لم تكن سايا جواري بل تشو، وكانت تقرأ رواية إنجليزية ضخمة كعادتها.

استقبلتني بابتسامة حماسية: "هل راقت لك الموسيقى التي اخترتها لك؟"

نظرت حولي دون تركيز، فأجابت السؤال الذي لم يولد في عقلي بعد: "سايا في مقعدي، دايكي سيساعدها".

دايكي؟

شعرت بالضيق لوهلة، ثم استعدت الأمر الصارم وأطعته، أومأت برأسي لها، ورفعت سماعات الموسيقى عن أذنيَّ، أمضيت لحظات الهبوط أنظر للسقف، وعندما نهضت رأيت دايكي يميل على المقعد المجاور له، لم أنظر، تجاوزته وهبطت من الطائرة أولًا، وأسرعت إلى حافلة المطار دون مبالاة.

عندما لحقوا بي أحاطوني بجو من الاستياء الصامت، ولمّا تحركت الحافلة استدار نحونا مدير أعمالنا. هتف: "مرحبًا بعودتكم يا تسوباسا، استريحوا اليوم لأن الأيام القادمة ستكون مجهدة".

صفق دايكي متحمسًا: "بعد أسابيع سنكون في كوريا، وهذا يكفي لأخضع لكل تدريبات العالم".

سخرت منه ببرود: "وكأنك لم تزرها من قبل!"

نظر إليَّ بخبث مبتسمًا، ورفع حاجبه الأيسر موجهًا لي نظرة عجيبة، فتأهبت للشجار معه إذا أزعجني بتعليق غبيّ، لكنه قال بحماس: "تاكومي، لنمض اليوم معًا؛ سايا ونانا ستذهبان للتصوير، وتشو ستتوجه إلى منتجع صحي، دعنا نمضي الوقت معًا".

-"لست مهتمًا بالبقاء معك".

قلت هذا ببرود، وتجاهلت انزعاج جزء مني يحب مرافقته حقًّا، وأشحت بوجهي نحو النافذة. سألني مدير الأعمال: "هل من شيء تحتاجه يا تاكومي سان؟"

-"سيارتي".

-"سائقك وحارسك الخاص بانتظارك خارج المطار منذ نصف ساعة".

لم أتكلم مجددًا، وأنهينا إجراءات الوصول سريعًا، ولحسن الحظ أن عودتنا لم تكن معلنة، فلم يحط بنا في المطار إلا عدد ضئيل من العابرين، تسابقوا على التقاط الصور، وبعضهم طلب توقيع تشو ونانا. كنت أختنق، لكنني ابتسمت والتقطت صورة مع فتاتين مراهقتين، لفّت إحداهما يدها حول خصري بتملك أخافني، وحين تملصت من هذا الإزعاج ركضت إلى السيارة دون تحية.. لم أتعمد هذا، لكن اضطراب مزاجي أعماني عن التصرف بأدب.

ارتميت في مقعد السيارة الخلفي، وألقيت حقيبتي بعنف جانبًا. أمرت السائق: "المنزل".

ونزعت سترتي شاعرًا بغصة حادة في حلقي، ثم فتحت النافذة لأسمح لهواء الصباح بتبريد وجهي، ومشاعري المشتعلة إلى درجة الألم.. لم أعرف لماذا توهج الألم في قلبي مجددًا بهذه الحدة، وساهم جهلي بسبب ألمي في إثارة المزيد منه.

أمرت السائق مجددًا: "قُدْ بأقصى سرعة".

فعل كما أمرته دون أن ينبس بكلمة، وعندما وقفت أمام الفيلا طرفت بعيني؛ شعرت بشيء من الصدمة، وبأني لم أرغب في العودة حقًّا، وللحظة فكرت في الرجوع إليهم، لكن الوسواس الآمر في أعماقي دفعني لتجاهل الفكرة. سحبت نفسي بتثاقل وهبطت، وبمجرد دخولي صفقت الباب خلفي واستندت إليه، وهبطت تدريجيًّا حتى جلست في وضع القرفصاء وأنا أنظر حولي.

شعرت بالجدران البيضاء باردة، غير مرحبة، تفتقر إلى الحياة، وتقطر جفاءً ثلجيًّا أشعرني بالبرد، فوضعت رأسي على ركبتيَّ وضممت ذراعيَّ من حولي.

"لا أحد هنا".. كذا ردد الوسواس الآمر مرارًا، وكلما رددها فقد بعض تسلطه، حتى خَفَت تدريجيًّا، واكتسب رنة مذعورة أخافتني. شعرت أن شيئًا ما أكرهه يوشك أن يتحرر مني، وأنا لا أريده أن يتحرر، لأنني لا أعرف ماذا سيفعل بي إذا فعل.

تحاملت على نفسي لأقف، وألقيت سترتي على أقرب أريكة، وخلعت قميصي، فكرت في الاستحمام ثم النوم، لكن ساقيَّ سحبتاني إلى البار، وأخرجت يداي زجاجة من التاكيلا، ثم صبتا كأسًا مترعة. حاول عقلي إيقافي عن ارتكاب هذه الحماقة، لكن يدي كانت صاحبة القرار، وهكذا رفعت الكأس إلى شفتيَّ، فانتهى كل شيء.

أفقت على صوت رنين الهاتف، تذمرت قليلًا ثم استسلمت وفتحت عينيَّ، ووجدت نفسي مستلقيًا على الأرض فوق البساط السميك، وكل بوصة مني تؤلمني. جلست فمال حجر هائل الحجم داخل جمجمتي إلى جهة اليمين، فسقط رأسي وجسدي كله بتأثير ثقله. تأوهت وتقلبت على البساط مرارًا، وصحت غاضبًا، لكن رنين الهاتف استمر عاليًا، خرق مخي وعذبني لدرجة أنني تهالكت عندما توقف، وكأنني غادرت مقعدًا كهربائيًّا.

مرت ساعة على الأقل قبل أن أعتدل، وجدت زجاجة التاكيلا محطمة جوار الحائط، وقليل من المشروب يلوث الجدار، وقد انكسرت كأسي الأثيرة بدورها فوق طاولة البار الرخامية. وكالعادة لم أتذكر ما حدث، ستمر أيام وتراودني أحلام عدة حتى أتبين طيفًا مما فعلت، وأتذكر السبب الذي دعاني لتحطيم هذه الأشياء، وهل نمت من فرط الإجهاد، أم فقدت الوعي كما يحدث عادة في نهاية نوبات السكر العنيفة التي أغرق فيها نفسي.

بدأ الهاتف يرن مجددًا، وجاءني صوت دايكي: "آه! ها هو أكثر رجال اليابان إثارة يجيب اتصالي أخيرًا".

-"ماذا تريد؟"

-"يا لتحياتك الدافئة! ماذا ستفعل إذن لو توجت كأكثر الرجال إثارة على مستوى العالم؟"

-"هل تتصل لتضايقني؟"

-"ومن أنا لأضايق أكثر رجال اليابان إثارة؟"

استفزني مرحه؛ بدا وكأنه يسخر مني، لكنني لم أجد إشارة واضحة لتلك السخرية حتى أتشاجر معه..

-"لقد أزعجت نومي، والآن لا تكف عن تكرار هذا الهراء! لماذا تتصل؟"

-"نومك؟ لا بد أنك شربت في الصباح الباكر كالحمقى، ثم انقلبت نائمًا. واو! ستكون أمامك ليلة أرق طويلة، ونهار شاق بالغد أيها المثير. معاناة ممتعة".

-"مادمت لن تجيب فسوف...".

-"إياك أن تقطع المكالمة يا تسوباسا تاكومي وإلا قتلتك. لقد اختارتك مجلة The Best صباح اليوم كأكثر رجال اليابان إثارة، في استطلاع للنساء من سن عشرين عامًا إلى أربعين".

لم أستطع منع ابتسامتي، لكنني اجتهدت لأحتفظ بصوتي البارد: "ليس سيئًا".

-"لن تفقد ساقًا لو عبَّرت عن ابتهاجك يا رجل!"

هزمني مرحه فقلت وصوتي يبتسم: "ماذا عنك في هذا الاستطلاع؟"

-"في المركز الثاني أيها الوغد، سأسترد تفوقي في الاستطلاع القادم. لا تظن أنك أفضل مني".

-"أنا أفضل منك".

ونهضت لأرتمي على الأريكة، ومددت ساقيَّ على المسند المرتفع مستمعًا إليه..

-"هيروماسا كينجي احتل المركز الثاني كأكثر الرجال أناقة، أما هيبيكي ساما فجاء في المركز الأول في هذا الاستطلاع بالذات، وحافظ على المركز الثالث في جميع الاستطلاعات الأخرى بعدي وبعدك. اتصلت بنانا لأخبرها فأغلقت الهاتف في وجهي".

اتسعت ابتسامتي، فشعرت وكأن بشرة وجهي تُشَدُّ بعد طول وجومي..

-"عليها أن تقبل بحقيقة تفوقنا على هذا الطاووس المتباهي، إنه حتى لا يقدم موسيقى (فيجوال كيه) حقيقية. بحق السماء! أتساءل عن سبب إعجابها به! بل عن سبب إعجاب الجميع به! لو أن الأمر بيدي...".

-"نسيت إخبارك أنه احتل المركز الأول في قائمة النجوم المحبوبين، في حين نأتي نحن في المركز الثالث".

-"حتى ولو كان الأول على مستوى العالم، فلن أفهم أبدًا سبب شهرته هذه، إنه مجرد متباهٍ مدعٍ.. هيبيكي ساما الطاووس العظيم".

ثم انتبهت بضيق لشيء آخر وسألته: "من جاء في المركز الثاني إذن؟"

-"فريق Vanity".

قطبت جبيني عاجزًا عن معرفة ما يجب أن أشعر به، فقرأ دايكي أفكاري: "هل تفكر في سايا؟ إنها ساخطة على الدوام ما لم تحصل على المركز الأول، لا تنزعج، سوف تنخرط في رثاء الذات قليلًا ثم تطحن نفسها في العمل".

-"وتطحننا معها".

قلت له ما قلت ببرود وجفاء، وتبدل مزاجي إلى الأسوأ في الحال..

-"هذا يجعلنا الأفضل على كل حال، فلا يمكننا الشكوى".

-"ربما".

وكاد عقلي يسرح لكنه انتشلني سريعًا: "هيروماسا كينجي اتصل بي قائلًا إن فريقه سيحتفل الليلة بعيد ميلاد الفوكاليست، وقد وجهوا إلينا الدعوة".

-"لتسوباسا كلهم؟"

سخر مني بضحكة هائلة: "لا تمزح! أنت تعرف كيف تكون احتفالات Vanity، إنها ليلة للرجال فقط".

-"حسنًا".

ثم انقلب مزاجي لما هو أسوأ من الأسوأ فقلت: "لا، تذكرت أن لديّ بعض الارتباطات".

كذبت على دايكي، فلم أكن أملك شيئًا يمكنني عمله، أو شيئًا يمكنني التفكير في عمله، فقط أنهيت المكالمة عائدًا إلى خوائي البارد الصامت. نهضت ألملم شظايا الزجاج المحطم، ولم أفكر بشيء أفضل من الاستحمام، ثم الارتماء على فراشي محدّقًا إلى السقف لساعة أو أكثر، ثم النهوض وارتداء شيء جديد من الملابس التي وصلت منذ أسبوع من كوريا، ثم الانطلاق بسيارتي على غير هدى في الضاحية القريبة.

وهكذا مضيت أجول في الشوارع شاردًا، توقفت عند أحد المطاعم فلم أجد شهية للأكل، ثم قدت إلى أحد البارات، لكن صداع السُكْر لم يكن قد فارقني بعد، فأشفقت على نفسي من المزيد. وبعد حيرة طالت توقفت في ساحة انتظار مركز التسوق المفضل لي. فتحت النافذة ليأتيني الهواء المعطر المألوف، فاستنشقته بعمق وأغمضت عينيَّ، وأخذتني الذكريات بعيدًا، حتى نسيت ما حولي.

في سيارتي طلبت قهوتي بالمذاق القديم، وبمجرد تذوقها شعرت بالشبح الذي يطاردني دومًا يتجسد إلى جواري، ينظر إليّ في صمت نظرة ثابتة لا أريد رؤيتها، لكن توقي للشعور بها قد بلغ مداه. رحت أرشف القهوة ناظرًا إلى الأمام دون تركيز على شيء محدد، مكتفيًا برؤية الشبح بطرف عيني؛ لا يمكنني رؤيته إلا هكذا، مجرد شعور خاطف خارج مجال رؤيتي، لأنني لو نظرت إليه مباشرة فلن أراه، وسيختفي شعوري به هنا أيضًا، كما اختفى في البيت الواسع البارد.

احتشد وجعي في كلمات هممت بالنطق بها ثم ابتلعتها، حاولت أن ألقيها ببطء وجفاء لكن كل جهدي ذهب سدى، وخرج صوتي مبحوحًا: "لا أزال عاجزًا عن إيجاد إجابة".

ندت حركة خفيفة للغاية من شبحي المرافق، لكن الصمت ظل يلفني، لم تعد تلك الإجابات الخفيضة غير المقنعة تأتيني.. يبدو أنه سيختفي قريبًا إلى الأبد.

-"أريد إجابة، أريد أي إجابة".

لكن الإجابة لم تأت.

ازدادت الغشاوة التي تغطي عينيَّ سُمْكًا فانحنيت، أسندت رأسي إلى مقود السيارة سامحًا لدموعي بالتساقط، ومع تساقطها اشتعل الغضب المألوف في صدري، الغضب الذي يلتهمني ليلًا ونهارًا دون كلال أو ملال، ودون رحمة.

غادرت سيارتي، ومضيت أجول في مركز التسوق دون أن تتوقف عيناي عند شيء معين، ثم اجتذبني صوت عزف غاية في الانسيابيّة من أحد محلات الأجهزة الموسيقية. كان الصوت رائعًا، سحبني من عنقي فركضت، وبمجرد دخول المحل توقفت، واعتراني شعور بالسعادة وخيبة الأمل في آن واحد.

كان الرجال الموجودون في المحل مسحورين، يحدقون إلى العازفة بنظرات مبهورة، لا تتعلق فقط بتقنية عزفها واللحن الجميل، بل لأنها كانت سايا، قائدة فريقي، الساحرة الشريرة التي تستنزفنا في العمل حتى الموت، وقد تألقت الآن واستعارت هيئة ملائكية، بفستان أبيض قصير بسيط، وشعرها البنيّ الدافئ ينسدل في خصلات مجعدة حتى منتصف صدرها، ووجه هائم مع الألحان.

تنهدت وكدت أعود أدراجي، لكن اللحن توقف وسمعتها تناديني، استدرت فقالت ضاحكة: "ما خيبة الأمل التي تبدو على وجهك هذه؟!!"

-"ظننتني اكتشفت موهوبة لا يعرفها أحد، فإذا بي أمام الساحرة الشريرة".

قهقهت مرحًا كطفلة، وبدأت النظرات تتنقل بيننا، والابتسامات تنتقل لجميع الوجوه فابتسمت. اقتربت منها فناولتني الجيتار بحماس: "انظر، إنه أحدث إصدارات ياماها في الأكوستيك، لن تصدق روعته".

-"لقد سمعت".

-"ما سمعته لا يقارن بالعزف عليه، جربه".

أخذني الجيتار إلى عالم آخر وأنا أجربه، راحت أناملي تنتقل من وتر إلى آخر بلطف، والصوت يتردد كأصفى ما يكون، أسر قلبي تمامًا رغم عدم اهتمامي بالأكوستيك عامة.

كانت سايا تجرب الآن أحد الجيتارات الكهربائية، وقد أوصلته بمعدات الصوت فتردد عزفها بصوت هائل، وتسرب إلى خارج المحل بوضوح دلني عليه عدد من ينظرون عبر الزجاج نحونا، وهؤلاء الذين يلتقطون الصور بابتسامات فرحة.

اقتربت منها وحذرتها: "لو كنت تصنعين دعاية للمحل فقد نجحت نجاحًا باهرًا، ولكننا لن نستطيع الخروج من هنا".

ناولتني الجيتار بابتسامة مشاغبة، فلم أتمالك نفسي من تجربته، وفي الوقت نفسه بدأت هي تجربة أحد جيتارات البيز، فصنع الصوتان معًا مزيجًا رائعًا، كالعادة.

عندما ناولت البائع ما ستأخذه من جيتارات كنت أبتسم، تنفست بعمق وزفرت ببطء متأملًا إياها، واعترفت لنفسي بوضوح: حين أكون مع سايا أنسى تمامًا أمر شبحي المرافق، وبرودة بيتي، وكل شيء إلا بهجة وجودها.

كانت تتحدث إلى البائع عن شحن ما اختارته من آلات، وهو يومئ مستعدًا لتنفيذ أي شيء تطلبه، لا بد أنه سيكرر "كما تأمرين" حتى لو طلبت منه قطع رأسه. سألها: "هل أرسل الآلتين التوأمين أيضًا يا سيدتي؟"

-"بل سآخذهما اليوم، شكرًا لك".

-"أرجو ألا تخذلا توقعاتك".

-"أنت لم تخذل توقعاتي أبدًا على مدار أربع سنوات يا نوبو، بالتأكيد ستكونان أروع مما أردت".

والتفتت إليّ بابتسامة مشعة: "أنا سعيدة لأنك هنا يا تاكومي، هل أنت بخير؟"

سألتها: "آلتان توأمان؟"

توهجت ابتسامتها: "نعم، تحفتان عبقريتان تجسدتا في صورة آلتيّ هارمونيكا".

-"أين؟"

-"لا، هذه هدية، ولا أحد يرى الهدية قبل صاحبها".

هززت رأسي ودعكت جبهتي بقوة، فقالت: "تبدو وكأنك أسرفت في الشراب، هل أنا محقة؟"

-"أفقت منذ ساعتين، لكنني بخير".

لوت شفتيها موبخة وإن كانت تبتسم، فسمعت تأوهات انبهار من خلفي..

-"دعنا نأكل معًا، هل تمانع؟"

-"لا".

خرجنا من المحل تلاحقنا التحيات، فابتسمنا ولوحنا للجميع، ولم نبد انزعاجًا لالتقاط صورنا؛ نحن في مكان عام، وأمام محل للأجهزة الموسيقية، ولا نتجنب الصور، فلا يمكن أن تطاردنا شائعة غبية بأننا نتواعد.. لقاؤنا طبيعي تمامًا، لقاء صديقين.

همس لي وسواسي: "أمازلت تهتم بما يظن العالم عنك؟ لا تكن ضعيفًا يا هارونو تاكومي".

انفض الزحام المحدود من حولنا سريعًا، وهذه سمة عامة لمراكز التسوق شديدة الرقي هذه، فمضينا نسير في صمت نتأمل المعروضات. كانت سايا هادئة، وإن راحت تسير بخطوات استعراضية مبتهجة، وتدور حول نفسها كل ثلاثة أمتار، كانت كراقصة الباليه بملابسها البسيطة وحذائها المنخفض المرن.

-"لماذا أنتِ هنا؟ كان يجب أن تعودي إلى البيت وتنامي بعد جلسة التصوير".

-"رغبتي في النوم تتلاشى عندما أعمل، وقد عملت بجد اليوم، لكنني جائعة للغاية، ولم آكل شيئًا منذ الإفطار".

-"والجيتارات؟"

دارت حول نفسها وتقافزت وهي تصفق بكفيها..

-"أليس جميلًا أن نغير أدواتنا الموسيقية قبل جولتنا القادمة؟ أريد أن تخرج أغنيتنا الجديدة كأجمل ما يكون".

ابتسمت لمرحها المبالغ..

-"أنتِ على وشك فقد عقلك منذ عرفتِ بأمر هذا المسلسل".

ضحكت ضحكة طويلة، ثم تقافزت وهي تضم يديها أمام وجهها..

-"أليس كذلك؟ أنا أطير فرحًا منذ أعلنت قبولي، وأنتظر بدء تصويره بفارغ الصبر".

-"متى تبدئين؟"

-"عندما يختارون بطل المسلسل".

-"من؟"

-"الشائعات تقول إنهم بصدد اختيار ياماتو من فريق Close، أو دايسكي من فريق Orange".

-"لا بد أن يكون عازفًا.. هه؟"

-"نعم، بطل المسلسل عازف، والشخصية التي أقدمها كذلك، والسيناريو فيه كثير من الحفلات الحيّة".

-"ومن منهما تفضلين؟"

-"أتقصد ياماتو ودايسكي؟ كلاهما رائع، سأحب العزف مع أيهما".

-"آهااا".

لكزتني بمرح: "ولكن ليس بمقدار حبي للعزف معك".

-"طبعًا".

-"أتمنى لو كانوا...".

-"لا تطرحي الفكرة، فحتى لو كنت الأخير في هذا العالم، فلن أقبل الانتحار هكذا".

عارضتني بحرارة: "تاكومي! التمثيل شيء رائع".

-"لكنه ليس موهبتي، ولو كنت أملك بعض الموهبة، فلن أنخرط في شيء كهذا قبل جولتنا القادمة".

-"آه! لن نعود إلى هذا الجدال مجددًا".

-"بالتأكيد، فقد ضربتِ بآراء أربعتنا عرض الحائط، وقررت الانخراط في حرب على جميع الجبهات في الوقت نفسه، وقد تعبت من إخبارك أنك معتوهة".

-"لن يقلل هذا من كونك شريك عزفي المفضل".

كادت ابتسامتها العابثة تهزمني، لكنني تمسكت بوجومي باستماتة...

-"أين ستأكلين؟"

-"في مطعم البيتزا طبعًا. وكف عن محاولة إخفاء ابتساماتك أيها المتعجرف، أتدري كم رجل في اليابان يقبل بالموت كي أخبره أنني أحب العمل معه؟"

لكزتها بدوري بخفة فضحكت.. وابتسمت معها دون أن أكابر.

جلسنا في مطعم البيتزا ننظر عبر الزجاج إلى الخارج، حيث الليل الخريفي الصافي الذي يزداد برودة يومًا بعد يوم. سألتني بعد صمت طويل: "تاكومي، هل تحب أن أتركك وحدك؟"

قال لي وسواسي: "لو كنت تملك بعض القوة اذهب الآن.. أنت لست بحاجة لوجودها معك".

أغمضت عينيَّ متجاهلًا الصوت الرنان في رأسي، وتجاهلت سؤال سايا وألقيت عليها آخر: "هل اطلعت على إحصائية مجلة The Best؟"

-"آه، نعم، جاء هيروماسا سينباي([2]) في المركز الثاني كأكثر الرجال أناقة، وجاء فريقه في المركز نفسه في إحصائية أكثر النجوم المحبوبين".

دهشت لابتسامتها الصافية، ونظرت لها حيث جلست تسند ذقنها ليديها المعقودتين، وعيناها تلمعان بسعادة.

-"توقعت أنك ستقلبين الدنيا، وتتوحشين كالعادة ثم تقتليننا في العمل!"

-"سنُقتل جميعًا بدءًا من الغد، لن أتعجل الأمر".

أسعدتني سعادتها، وتوارى الوسواس الآمر في أعماقي تمامًا.

-"... كما أنني لن أُعقِّد الأمور ما دام هيروماسا سينباي هو مَن سبقنا، إنه أعز أصدقائي".

وضحكت وأكملت: "حتى نانا ابتهجت لأجله، رغم ضيقها بمراكز هيبيكي ساما المتأخرة".

-"أنتم أشخاص ميئوس منكم".

وابتسمت، عقدت يديّ مثلها ونظرت في عينها مباشرة، وشردت.

لعل هذا ما جعل الفريق على القمة، لأن سايا لا تقبل أبدًا إلا بالمركز الأول، المركز الثاني بالنسبة لها كالمركز الأخير بالضبط، لا فائدة له، وقد نقلت عدوى تلك الفكرة الممعنة في غطرستها إلى الآخرين، نانا، وتشو، ودايكي، وأنا.

وبعد عامين من العزف إلى جوارها، أصبحت أرى مثلما ترى.. يجب أن أكون الأول، يجب أن أكون الأفضل، الأكثر إثارة، الأكثر وسامة، الأكثر مهارة، الأعلى أجرًا، أصبح التفوق بالنسبة إليَّ هوسًا، ثم استحال مرضًا لا شفاء منه، تمامًا كما أخبرتني في أسبوعنا الأول من العمل معًا.

كانت تأكل باستمتاع، وأنا أفكر أن هذا المرض الذي نقلته إليّ قد شتت عقلي فترة طويلة، شتتني بعيدًا عن نفسي وعن شبحي المطارد، لكنني الآن أنسحب رغمًا عني إلى الخلف، وأشعر بما كنت أشعر به في طفولتي عندما أقف على شاطئ المحيط، أراقب الأمواج مستمتعًا بكوني على الشاطئ، وأن ماء البحر يمس قدمي بالكاد، وبعد عدة موجات متلاحقات أجد الرمل قد غطى قدميَّ، ثم دفنهما، ثم ثبَّتني في الأرض بقوة تقتضي مني جهدًا كي أتحرر. في طفولتي كنت أستمتع بهذا الشعور، لكنني الآن خائف، لا أعرف ماذا يحدث لي؟ لماذا أنغرس في الرمل بعدما ظننت أنني ابتعدت عن المحيط إلى الأبد؟

في صدري ألم شديد، أعرف مصدره، وأعرف أنه لا يجدر بي الألم، وبرغم هذا أتألم، أستمر في الألم طوال الوقت، وأستمر في الهرب طوال الوقت، ولا ينتهي الألم. هل يجدر بي طلب مساعدتها؟

تأملتها وهي تأكل مستمتعة وترفع كتفيها كأنها توشك على الطيران، وقلت بلا تفكير: "سايا، لديَّ مشكلة".

توقفت عن الأكل، وعن الاستمتاع، ورأيت في عينيها نظرة قائدة الفريق التي تقلق بشأن كل صغيرة وكبيرة، وتجهد نفسها حتى الانهيار إذا ما اعترضنا مأزق يمكنها حله، القائدة المتسلطة المُهوَّسة بالسيطرة، والتي لا يفلت شيء من بين يديها، سواء يخصها أو يخص أحدنا.

-"أخبرني".

واتسعت عيناها بانتباه..

-"لا تكوني جدية إلى هذا الحد، أريد سؤالك عن جدول تصوير المسلسل. ألن يتعارض مع جدولنا الأساسي؟"

هكذا كذبتُ لكنها لم تنخدع، ازدادت عيناها اتساعًا فقلت مبتسمًا: "بحق السماء يا سايا! أنتِ تبدين مرعبة".

-"وأنت تبدو كاذبًا".

ومدت يدها وأمسكت بيدي، خفضتها حتى لامست المائدة وربتت عليها، وبإبهامها راحت تفرك ظهر كفي. قالت بقلق: "أنت لست على ما يرام، منذ فترة وأنت لست بخير، يمكنني رؤية هذا مهما أخفيته يا تاكومي، وأنا قلقة بشأنك كثيرًا، لكنني لن أتدخل في خصوصياتك ما لم تطلب ذلك بوضوح، نحن أصدقاء بالدرجة الكافية لتطلب مساعدتي صراحة دون أن تخشى حرجًا، أليس كذلك؟"

شعرت بدفء في صدري رافقه ألم غير متوقع، وقطبت قليلًا ونظرت إلى أسفل، فرأيت على صدرها تلك السلسلة التي تقبع أختها تحت قميصي، ويحملها الثلاثة الآخرون بدورهم، والتي تمثل شعار فريقنا المجنح.. ازداد الدفء، وتضاعف الألم، فقبضت على أصابعها، ولم أتكلم.

-"تاكومي، أنا أحبك، كلنا نحبك، فلا تعزل نفسك بعيدًا، ولا تفعل شيئًا بنفسك، أرجوك. اطلب مساعدتنا في أي وقت، لا تعاني وحدك يا تاكومي، أنا هنا".

هززت رأسي وابتسمت، لقد غسلت آلامي كلها بكلمة واحدة.

ابتسمت لي وسألتني: "هل أنت واثق أنني سأكون معك دائمًا؟"

-"بالتأكيد".

-"إذن، فأنا مطمئنة".

وتركت يدي، وناولتني قطعة من البيتزا تقول: "هيا، دعنا نستمتع بطعامنا".

أخذت المثلث الشهي منها وقضمته، ولم أتوقف عن الابتسام.

بعدما انتهينا خرجنا إلى المكتبة المجاورة، دخلتُ ووقفتُ عند ركن الروايات الإنجليزية، ناقلًا عيني على العناوين المكتوبة بخط مزخرف تستحيل قراءته، اعتمده أحمق ما كخطٍ رسمي للروايات الرومانسية. فكرت في شراء رواية لتشو، بما أنها تهوى هذا النوع الأحمق من الروايات، وهكذا رحت أقلب الكتب باحثًا عن رواية يحمل غلافها صورة مرسومة، تمثل فتاة نصف عارية بين ذراعي رجل مفتول العضلات ينافسها في التعري، فنوعية الروايات هذه تروق لتشو، وقد كادت تسبب لنا فضيحة بسبب رواية مماثلة.

انتقيت رواية وردية الغلاف، مرسوم عليها فتاة عارية الظهر والساقين، ويحملها رجل نصف عارٍ على كتفه ملوحًا بسيفٍ بتار، وتتناثر حولهما مجموعة من القلوب الرقيعة، والشفاه المضمومة في قبلات. ابتسمت متأكدًا أنها كافية لاستفزاز تشو. اقتربت مني سايا وألقت نظرة خاوية على الرواية، سألتني: "أأنت واثق أنها ليست رواية إباحية؟"

-"لغتي الإنجليزية لا تؤهلني للجزم بهذا".

-"إذن ما مبرر شراء هذا الهراء؟"

-"لتشو بالطبع. من وضع في رأسك فكرة أنني مهتم بهذه التفاهات؟"

ونظرت إلى ما تحمله ففسرت لي بمرح: "اشتريت دفترين موسيقيين لدروس الهارمونيكا".

-"دفتران!"

-"واحد لي والآخر لهيروماسا سينباي؛ إنه يشاركني الدراسة، وسيحل عيد ميلاده قريبًا".

-"يا لها من هدية!"

لوت شفتيها تذمرًا ووبختني: "ليس الدفتر فقط، هل نسيت الهارمونيكا؟ لقد صممتها بنفسي، وهي تحفة ستجعلك تبكي إعجابًا".

-" حسنًا، ستجدين شريكًا غيري يُكملك في شيء آخر غير الجيتار".

نقرت جبيني بسبابتها وهي تبتسم، وتركتني متجهة إلى ركن المجلات، أما أنا فاستدرت نحو ركن الهدايا. قلَّبتُ الأقلام وحافظات الأوراق مبتكرة الأشكال، ثم بدأت أتفحص الأقداح المخصصة للقهوة، والتي نحتت عليها بالرموز الصينية عبارات حب مؤثرة، وأخرى مضحكة.

"إلى أن يفرق الموت بيننا"

اقتحمت العبارة عينيَّ، ونفذت منهما إلى قلبي، قطبت محاولًا التنفس، لكن الشبح الأبيض المطارد ظهر، شعرت به أقرب ما يكون إليَّ، ولفني البرد المصاحب له، أغمضت عينيَّ هاربًا منه، واستدرت محاولًا اللحاق بسايا، لكنه لحق بي أولًا، أخذني، احتواني أو سكنني، وألقاني من علٍ، من أعلى عليين. أفلتُ الكأس الصغيرة فسقطت محطمة تحت قدميّ، ومددت يدي أتشبث بالرف المواجه لي، تشبثت بقوة وأنا أحاول التماسك وتصفية أفكاري، والهرب من ذلك الوجود المفاجئ المخيف، ولكن سُدى، انزلق الرف كاملًا، وتردد دوي تحطم باقي الأقداح.

بصعوبة انتزعت نفسي من نفسي، خطوت مبتعدًا، وقبل أن أخرج من ذلك الركن رأيت سايا قادمة بوجه مضطرب، وعندما رأتني ازدادت اضطرابًا، مررت بها وقلت: "سأذهب".

وركضت، وخرجت ليتحول ركضي إلى عَدْوٍ، ثم إلى انطلاق لا تعقل فيه، كنت أهرب، من الشبح المطارد، ومن الشيء الساكن في أعماقي، والذي أخشاه كل الخشية، ومن كل شيء آخر.

جريت حتى تقطعت أنفاسي، وبلغت سيارتي والعرق ينبت على جبيني، ثم انطلقت بأقصى سرعة، انطلقت وتلك الأمنية القديمة تبعث في قلبي على استحياء، الأمنية في ألا أصل إلى بيتي أبدًا، وأن ينتهي كل شيء في لمح البصر، ودون ألم.

دون ألم.. هذه هي المشكلة.

عدت إلى البيت ودخلت كمجنون، صفقت الباب خلفي ناسيًا أنه زجاجي، وتوقعت للحظة أن ينهار فوق رأسي محطمًا، ثم جريت إلى الطابق العلوي، إلى غرفتي القديمة التي أتجنبها، أردت دخولها والصياح: "لم يحدث شيء، أنا بخير، لن أدعكِ تدمرين حياتي، أنتِ اخترتِ خيانتي، وأنا الآن أختار أن ألقيك من عقلي إلى الأبد".

لكنني لم أستطع، عجزت حتى عن إدارة المقبض والدخول، رأيت بعين الخيال المشهد الأخير الذي لا ينفك يطاردني، وجعلني أعيش ميتًا ثلاث سنوات كالجحيم.

لا أريد هذا بعد الآن.. لا أريد.

تركت مقبض الباب وتوجهت إلى الحمام المجاور، دخلت في ظلام تبدده الأضواء القادمة من الخارج قليلًا، وقفت أمام المرآة أنظر إلى ملامحي الغارقة في الظلال، فقال لي الوجه الذي أكره: "إنها مسؤوليتك، ويجب أن تتحملها".

رددت الكلمة، وتراجعت ببطء وجلست على حافة حوض الاستحمام، ملت للخلف حتى لامس رأسي الحائط البارد، ومن ثم سمحت لجسدي بالانزلاق.. انزلقت حتى لفتني ظلمة تامة، تبدو وكأن النور لن يقدر على تبديدها.

كنت نصف ممدد في حوض الاستحمام عندما أجاب دايكي مكالمتي: "هل قررت المجيء؟ الحفل رائع هنا...".

-"أنا... أنا في حالٍ سيئة...".

-"ماذا تقول؟ انتظر لحظة".

كان صبري ينفد، وحرب طاحنة تدور بين جانبين في عقلي، وقلبي يقترب من نقطة الاستسلام التي لا عودة منها، لم يكن ثمة شيء يجعلني أتصل به اللهم إلا هذا الجزء الضئيل الخائف الكامن في صدري، الجزء الجبان الذي يخشى الظلمة والوحدة والألم.

-"تحدث يا تاكومي، أنا أسمعك".

الهدوء من حوله شجّع الجزء الخائف مني...

-"أنا....".

-"هل أنت بخير؟"

شعرت أنني أوشك على الغرق، تنفست بقوة، وتردد صوت أنفاسي عاليًا، بدا غريبًا للغاية، وكأنه خطأ يجب أن أصححه بأسرع وقت...

-"لا شيء يا دايكي، سأتصل بك لاحقًّا".

حاول استيقافي بقلق: "انتظر...".

لكنني أغلقت الهاتف وتركته ينزلق من بين أصابعي، وانزلقت بدوري في حوض الاستحمام.. وفي أعماق الظلمة غرقت تمامًا في بحرٍ كئيب، كنت أستمع لصوت أنفاسي شاعرًا بمدى غرابتها، وقلبي يتمزق ما بين شعور وحشي يريد تصحيح هذا الخطأ، وشعور آخر أكثر توحشًا بالخوف من هذا التصحيح الذي لا تصحيح له. تمزقت، حقًّا لا مجازًا، وكاد عقلي ينفجر فصرخت، تمنيت لو يأتي أي شخص ينتزعني رغمًا عني ويأخذني بعيدًا.. أين هم؟ أين الجميع؟ سائقي والطباخ والخادم وحارسي الخاص؟

"لا أحد هنا"

كذا همس الوسواس المدمر الذي يسكنني، ففتحت عيني عن آخرهما وحدقت إلى السقف، صارت أنفاسي في سباق رهيب، وكأنها ستنهار فورًا وأموت، هذا مستحيل، مستحيـل، لا يمكن أن يكون فراغي متسعًا إلى هذا الحد، لا يمكن أن تستمر هذه الجحيم إلى الأبد، هذا لا يعقل، هذا غير عادل بالمرة.

شيء ما جعلني أقاوم نفسي لأنتشلها من غرقي المخيف، أسقطت أشياءً عدة حتى وقفت، وتعثرت في أشياءٍ أُخر حتى غادرت الحمام، فالطابق الثاني، فالمنزل كله. ركضت وكأنني أهرب من شبح حتى ارتميت في سيارتي، حللت الوشاح الملتف حول عنقي، وأغمضت عينيَّ فشعرت بنفسي أغرق من جديد.

-"تاكومي سان، هل أنت بخير؟"

انتزعني صوت حارسي الخاص، ففتحت عينيَّ وأمرته: "افتح البوابة".

-"تاكومي سان....".

-"افتح البوابة الآن".

انتفض إثر صرختي لكنني لم أهتم، أدرت المحرك، وحالما فتح البوابة انطلقت بسرعة جنونية، كنت أطرف بعينيَّ محاولًا التركيز، جزء مني يريد أن ينتهي كل شيء في لمح البصر ودون ألم، وجزء آخر يريد نجدة، نجدة كنت أعرف أنني لن أجدها إلا في مكان واحد.

لو لم أطلب هذه النجدة الآن، فلن تتاح لي فرصة طلبها في المستقبل؛ لن يوجد مستقبل لو أنني استسلمت الآن.

هذه هي الليلة الأخيرة، الفرصة الأخيرة.. كلي ثقة في هذا.

كلما اقتربت من هدفي، كان شعورٌ بالنجاة ينمو في صدري، حتى ليكاد يتحول إلى شعلة دفء تبدد بعض الظلام المطبق عليَّ، فأسرعت لدرجة أنني لم أر السيارة الضخمة المندفعة من أحد التقاطعات، وتفادتني بصعوبة في آخر لحظة قبل الاصطدام، وبفرملة هائلة لا بد أن صوتها بلغ المحيط.

كنت مذعورًا وسيارتي تدور بي بعنف بعدما تفاديت الاصطدام بدوري، ثم ارتميت على مقود السيارة محاولًا التنفس، وبلغ الألم في صدري حدًّا محسوسًا مزعجًا، ولم أجد في نفسي من الشجاعة ما يؤهلني للتحدث مع السائق الآخر، أبقيت رأسي منخفضة، واختلست النظر أطمئن لسلامة السيارة الأخرى، ثم أدرت المحرك وانطلقت بأسرع ما أمكنني.

كانت يداي ترتجفان، وقلبي يوشك على التوقف من عنف خفقانه.. الموت ليس بالسهولة التي يصورها لي الجانب المتوحش مني، هذا الألم ليس سهلًا، ولا يمكنني المرور به.

أنا لا أريد الموت أبدًا.. ليس الآن، وليس بعد ألف عام.

بلغت هدفي وروحي تكاد تبلغ الحلقوم، نظر إليَّ رجل الحراسة متحققًا ثم أشار للآخرين بفتح البوابة الضخمة، فانزاحت كاشفة الطريق الصاعد بميل بسيط، والمنتهي بالمنزل العزيز.. أسرعت بسيارتي إليه، ورأيت أضواءً تعد بالصحبة والدفء، والأمان والحماية.

توقفت أخيرًا، بحثت عن هاتفي لكنه لم يكن معي، فغادرت السيارة مقاومًا تشوش الرؤية، وصعوبة التنفس، واقترابي السريع من الغرق التام.

كان الصداع يحطمني، لكنني تمالكت نفسي حتى بلغت الباب، رننت الجرس مرتين، ثم مرتين أخريين، ثم وضعت إصبعي عليه ولم أرفعه.. كنت راغبًا في أن أعود أدراجي، لكنني كنت أعرف أنني لو فعلت فلن أهرب من نفسي ثانية أبدًا.

سمعت سبابًا، وصيحة غضب، ثم انفتح الباب بعنف، وصاحت تشو بوجهي: "هل جننت؟ أهذه طريقة تطرق بها الباب في التاسعة مساءً؟ أأنت معتوه؟"

-"تشو...".

واصلت صياحها: "ماذا تريد؟"

التقطت نفسًا عاليًا، وحاولت النظر إليها لكنني لم أرها، فهززت رأسي محاولًا الرؤية بوضوح..

-"سايا.. قالت لي...".

امتدت يدها تمسك بيدي فتشبثت بها بجنون، كانت حركتي مفاجئة لدرجة أنها أجفلت وشهقت، صاحت بي: "ما.. ماذا أصابك يا تاكومي؟!"

-"لا تتركيني وحدي، أنا لا أعرف ماذا سأفعل بنفسي".

أدخلتني وهي لا تفلت يدي، وأجلستني على الأريكة، فلفني دفء آمن، إلا أن صوتي بقي مهتزًا ومضطربًا..

-"لا أريد أن أبقى وحدي الليلة، أشعر أنني سأفعل أشياءً مجنونة".

-"حسنًا، أنت معنا الآن، لا تخف".

ابتسمت في شيء من السخرية، لأن صوتها الذي تحاول به طمأنتي كان خائفًا أيما خوف. حاولت أن تترك يدي، لكنني ازددت تشبثًا بها.

-"اتركني يا تاكومي، سوف أوقظ نانا وأتصل بالآخرين".

-"لا، ابقي معي فقط".

شعرت أنها خائفة مني، كدت أخبرها أنني حتى لا أراها من عنف الصداع الآخذ بناصية دماغي، لكن لساني تثاقل، وبقيت الكلمات معلقة على طرفه.

بعد قليل دفعتني لأرقد، وتخلصت من يدي بلطفٍ وتركتني، عندها بدا كل شيء واضحًا.. صفا عقلي ورؤيتي تمام الصفاء، وملأتني رغبة في النوم، والاستسلام لدوامة سوداء لا رجعة منها. بشعور أقرب إلى الوحشية عرفت أنني سأموت إذا استسلمت للنوم الآن، وتأهبت لرمي نفسي إليه، لكن لساني الثقيل استغاث..

-"لا تتركيني يا تشو، أنا حقًّا لا...".

أنا حقًّا لا أريد الغرق، لا أريد الهرب، لا أريد الموت..

هذا ما أردت قوله، ولا أعرف إن كنت قلته أم لا؛ فقدت نفسي قبل أن أدرك ما قلت أو فعلت، وكأنني كومة رمل أطاحت بها رياح عاصفة، لم أعرف أين ذهب كل جزء مني، لكنني كنت أتألم، كل جزء مني تألَّم، حاولت التشبث بأي شيء يحفظ كياني ويشعرني بنفسي فلم أفلح، لم يكن ثمة شيء يمكنني التشبث به.

-"تاكومي...".

هكذا ناداني صوت لا أعرفه، وأمسكت بي يد لم أتعرفها، لكنني تشبثت بها، تشبثت بأي شيء يجعلني أحتفظ بنفسي..

رأيت وجه سايا يميل عليَّ، تهبط لتجلس جواري، فأدرت رأسي أتابعها، وأنا أتمنى لو كانت قادرة على استشفاف الحرب الدائرة داخلي. شعرت بلمسة أصابعها على خدي، وانحدارها على عنقي ثم صدري، وشعرت بيدها الأخرى تحتضن أصابعي المرخاة الباردة.

همست لي بوجوم من يرمق جثة ممزقة: "يا صغيري! ماذا حدث لك؟"

سمعت شخصًا يتحدث، لكنني لم أميز صوته، ولم أفهم ما يقول، وربما كنت أتخيل هذا، لأن سايا لم تبعد عينيها عني.

-"اتركها يا تاكومي، أطلق سراحها وامضِ بعيدًا، هذا يكفي".

أغمضت عينيّ، فضّلت الضياع خلف شبحي المطارد عن الثبات والاتزان المشعين من كلماتها.. لكن يد سايا تشبثت بي أكثر، ازدادت قوة، واكتسبت قسوة..

-"أطلق سراحها، إلى متى ستعذب نفسك؟ كل هذا بلا فائدة".

لكن العذاب لم يكن كامنًا في ضياعي، كان كامنًا في اعترافي بأن هذا الضياع لا جدوى منه، لن يصحح أخطاء الماضي، ولن يسترد ما فقدته...

لا جدوى، لا جدوى من أي شيء، لا جدوى...

اعترفت بهذا، ولم أعرف في حياتي قط ألمًا كالذي شعرت به وأنا أقر بهذا الاعتراف..

التفت يد سايا حول خدي، أمالت رأسي نحوها، وشعرت بجبيني يلتصق ببشرتها الباردة، همست لي بأن أهدأ، عندها أدركت أني أشعر بالبرد، وأني أرتعش وجعًا..

دار العالم وانقلب رأسًا على عقب، وهب إعصار هائج أطاح بكل شيء، وحملني إلى حيث لم أدرك حتى أني موجود.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روائية مصرية، حصلت على المركز الأول في مسابقة الشارقة الثقافية عن روايتها الأولى "أيام برائحة عطرك" تسوباسا روايتها الثانية صادرة عن دار زين

 



[1]) ) تشان: لقب ياباني للتدليل، يلحق بأسماء الفتيات عادة، أو الأطفال، أو الأصدقاء المقربين جدًّا، أو الحيوانات الأليفة المدللة.

[2] سينباي: أحد ألقاب التشريف اليابانية، يستعمل مع من يفوقون المرء درجة في مجال ما، مثل طالب في الصف الأول يخاطب به زميله في الصف الثالث.. إلخ.