wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأحد, 12 ابريل 2015 00:00

الكوخو

كتبه

لم يرفع الإمام جبهته من على الأرض حين سمع الكوخو يصيح بأعلى صوته. كان يعرفه انطلاقا من ذلك الصوت بالضبط ومن تلك الحكايات التي تحكى عن شخصيته الغريبة.  لم تكن تلك أول مرة يدخل فيها إلى المسجد شاكيا باكيا مستنجدا. غير أن الجلبة التي أحدثها دخوله والناس ساجدون أقلقته

واصل الإمام، لنقل إنه كان يُعرف بهيدور،  سجدته الثانية  من صلاة ظهر ذلك اليوم. وبعينه اليمنى التي حوّل نظرها قليلا رأى المصلين يرفعون رؤوسهم.

- هذا مسخوط الوالدين قطع علينا خشوعنا، قال المؤذن.

تنحنح الإمام. وربما فكر في أن يسعل عمدا كي ينبه المصلين إلى ضرورة الاستمرار في الصلاة. كان الوقت زوالاً والسماء غائمة وثقيلة. طوال ليلة البارحة لم يتوقف المطر عن الهطول. وأن يسقط المطر في القرية معناه أن تقل الحركة بل وفي كثير من الأحيان أن تتعذر.

- لا بد أنه على صواب هذه المرة، قال أحد المصلين. انظر إليه. إنه يبكي حقا. وتلك الدموع لا يمكن أن يكون مصدرها رغبة شيطانية ما. هذا واضح.

- اختم آسّي الفقيه. اختم الله يرحم الوالدين، قال مصلّ آخر.

وختم الإمام الصلاة. للضرورة أحكام والله أرحم بعباده، قال بعد السلام.

   كان الإمام رجلا ستينيا يعرف بالتأكيد ما معنى أن يترك شخص دموعه تسيل أمام حشد من الناس. هو إنسان وفي كبده الرطب رحمة كما في كبد كل الناس ويعرف أن الكوخو لن يبرح الفضاء الخارجي للمسجد حتى ينال ما يريد.

- هيا بنا لنرى ما هناك، قال.

واقترب المصلون من الكوخو. كانوا يبدون كما لو أنهم أسنان مجرفة.

- لقد توفيت. توفيت أمي يا ناس. توفيت للتو. ولا مال لدي لأشتري لها الكفن. لا مال لي لأقتني ذبيحة. أنا في عاركم يا أهل الجود.

  كان  الكوخو ،وهو بالمناسبة رجل جوّالٌ، جادا في بكائه.  وتلك الدموع التي كانت تسيل على لحيته الزعفرانية  كانت بادية للكل.  دموع تشبه قطرات مطر على أشواك الصبّار. كان يبكي ويقول إنه ما كان ليأتي إلى الجامع لو أن أمه تركت قليلا من المال الذي  يرسله أخوه  الذي في فرنسا.

وانفطر قلب المصلين. حتى الهرماسي الساكن بالقرب من دار أم الكوخو تألم وقال بصوت مسموع لاحول ولا قوة إلا بالله. ودون أن ينتظروا  قول الإمام شرعوا في التبرع للرجل البكّاء.  فالخطب جلل والمؤمن مصاب في كل الأحوال. وجمعوا مالا. صحيح أن المبلغ المجموع  لم يكن كثيرا طبعا. غير أنه كان في عيني الكوخو كافيا.

كان الكوخو  يواصل البكاء بصوت مسموع وهو يرى جاره الهرماسي يمر على المصلين فاردا النصف الأسفل من جلبابه الصوفي الرمادي. لكن دموعه توقفت قليلا حين مُدتّ إليه النقود. تلك النقود التي وضعها بحرص لافت في الجيب الأيمن لمعطفه الذي ما عاد بالإمكان تمييز لونه.

اسمحوا لي يا إخوتي. لو كان هذا المعطف  يتكلم لقال  لكم إنني لا أكذب. لا لعب مع الله  والموت حق علينا. ماتت أمي. ماتت وتركتني وحيدا، أضاف .

    لكن  المعاطف بطبيعتها لا تتكلم ولذلك فهي لن تبوح بشيء. كان الكوخو فرحا بما جُمع ، مسرورا جدا لدرجة أن المؤذن لاحظ كيف التمعت عيناه كما لو أنهما عينا ثعلب حين كان يتسلم المبلغ من الهرماسي.

وتوقفت دموعه قليلا. ثم طلب من الإمام والمصلين أن يسمحوا له لأنه قطع صلاتهم.

سأذهب الآن. سأمر عند بائع الكفن ثم أعود إلى الدار. بارك الله فيكم، قال.

وابتلعه المسرب المؤدي  من وإلى الجامع. ولم يدرِ الناس الذين تحلقوا حول الإمام هل يكملون الصلاة أم يذهبون مباشرة إلى دار الميت.

الموت حق والصلاة حق. لنصلّ أولا، قال الإمام.

  وصلىّ الناس. والله وحده يعلم هل كانوا خاشعين في صلاتهم أم لا. كان واضحا أن بكاء الكوخو قد أربكهم قليلا.  لذلك حين أنهوا الصلاة اتجهوا مباشرة نحو الدار.  اتجهوا إلى هناك مدفوعين بالواجب. والواجب هنا هو كل ما له علاقة بالموت.  سيغسلون المتوفاة ويأخذونها للمسجد كي يصلى عليها ثم تحمل للدفن في مقبرة سيدي ناصر.

وطرق الهرماسي الباب. كان طرقا خفيفا. ربما ظن أن إزعاج الميت بالطرق القوي غير جائز. و أعاد   الطرق. وسُمِعَ وقع قدمين تتقدمان نحو الباب. كان يبدو أن القدمين  تتقدمان كما لو أنهما لا تعرفان أين تسيران.

وانشق الباب قليلا. ثم تسرب ضوء الخارج من ذلك الشق نحو الداخل متجاوزا عجوزا عمياء كانت تقف هناك.

شكون؟ قالت العجوز.

ولم تنتظر الجواب عن سؤالها. كانت تعرف الناس من أصواتهم. ومن المؤكد أنها عرفت أن جارها الهرماسي يوجد بين الرجال. لذلك قالت بارتياح وهي تتلمس فردية الباب الأزرق:

مرحبا بكم . تفضلوا. زارتني بركات. أهلا بكم أسيادي. أهلا بكم حبايبي. تفضلوا. تفضلوا.

....................

*ملحوظة: لا علاقة بين الأسماء التي في النص وتلك التي في الواقع وإن تشابهت

 

إدريس خالي

قاص ومترجم من المغرب

من أعماله:

ـ فوق رأسنا بومة