wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

شريف صالح

شريف صالح

•           كاتب مصري

•           فاز بجائزة ساويرس عن مجموعة "مثلث العشق" عام 2011

•           فاز بجائزة دبي الثقافية عن مجموعة "بيضة على الشاطئ" عام 2011

•           فاز بجائزة الشارقة للإبداع عن مسرحية "رقصة الديك"

 

•           صدر له ست مجاميع قصصية أحدثها "دفتر النائم"

رابط الموقع: http://www.ahewar.org/m.asp?i=4282

الحارس الثاني

 

وارب المستشار "س.ل" شيش نافذته أكثر وأطفأ الأنوار عندما رآها تصعد. كانت ترتدي فستانًا يبدو مطرزًا بالورد. ملامحها الطفولية توحي أنها لم تكمل العشرين. انتبه إلى امتلاء ذراعيها المشدودين في كُمين قصيرين.  

معظم زملائه المستشارين كانوا يفضلون الطوابق العليا أما هو فيكره ركوب المصاعد، لذلك اختار السكن في الطابق الأرضي. حتى لو حدث زلزال أو حريق سيكون أول الفارين. عشر سنوات هنا لا يفصله عن غرفة الحارس سوى مدخل العمارة المضاء ليلًا ونهارًا.

نافذة شقته المحصنة بقضبان حديدية، تكاد لا تغلق، ومن يدقق قد يلمح ظله خلفها، وهو يراقب بعينين ضيقتين خبيرتين بالغرباء والمجرمين.

هذه الفتاة التي صعدت للتو، بالتأكيد ليست من سكان العمارة. على الأرجح أحست وخز نظراته تخترق فستانها الملفوف حول جسدها.

من تلك الفتحة المواربة رأى أرقام المصعد تضاء وتصعد بالفتاة حتى الطابق الخامس. حتمًا هي ذاهبة إلى عائلة يوسف الفلسطيني. لا يبدو أنها فلسطينية! إذا لم تكن قريبتهم فلماذا تصعد إلى هناك؟

عقب ثورة 30 يونيو، ظهر "س.ل" كثيرًا في القنوات التلفزيونية، دون أن يعني ذلك أنه تخلى عن ممارسة مهامه خلف نافذته، مراقبًا الصمت والفراغ ودبيب الأرجل المتجهة إلى المصعد. تكفيه تكة مفاجئة للمصعد كي يقفز مندفعًا نحو النافذة المواربة دائمًا.

قالوا إنه تم الاستغناء عن خدماته عقب ثورة يناير.. وعندما عاد للاهتمام بتصفيف شعره وصبغه بلون بني داكن قبل ظهوره في التلفزيون، قالوا إنه عاد إلى منصب أعلى.

وعندما يبادره سكان العمارة بالتحية، كان يعطي لنفسه الحق في أن يرد أو لا يرد.. هو دائمًا متأنق في كلامه وملابسه باستثناء الشهور التي أعقبت وفاة زوجته مال أكثر إلى الصمت وترك شعر رأسه منكوشًا، وفقدت ملامحه شيئًا من الهيبة وإن لم يفقد ولعه بمراقبة كل من هب ودب.

وعشية احتفالات رأس السنة لم يتردد في طرق أبواب عشرة طوابق كي يطلب منهم إخباره بأية معلومة مريبة تتعلق بعائلة يوسف الفلسطيني.

تنقله بين الشقق بسلاحه الميري المعلق في بنطاله، ألقى ظلالًا من الخوف والرعب، وهو يحدثهم منفعلًا عن العمليات الإرهابية والخطر الذي يهدد البلد.

كل يوم، كان يستوقف الرجال والنساء في مدخل العمارة كي يؤكد لهم أنه تطوع للسهر على راحتهم في هذه الظروف العصيبة، وبعدها يخبرهم بتعليماته الأمنية الجديدة. وهم بدورهم كانوا يخبرونه في حال شاهدوا سيارة مريبة تقف بالقرب من العمارة، أو انتبهوا إلى رجل غريبة تصعد إلى أحد الطوابق. وعلى الفور كان يصعد إلى تلك الشقة ويستفسر عن شخصية الزائر وهدف الزيارة والمدة التي قضاها.

وفي ذروة عودة السكان من أعمالهم، مرهقين ومحملين بالأكياس، إحدى الجارات احتدت يومًا عليه واتهمته بأنه ينتهك خصوصيتها ويتلصص عليها في ذهابها وعودتها. صرخت في وجهه أنه حتى لو كان ضابط شرطة أو صاحب العمارة فليس من حقه أن يراقبها هكذا!

وسرعان ما تجمع الجيران على الصراخ والسباب. بعضهم أشاد بحكمته إزاء شتائمها العاصفة.. والبعض الآخر أشاد بشجاعة الجارة التي شفت غليلها منه. وللمرة الأولى رفع مسدسه وأطلق عيارًا في الهواء لفض التجمهر، ثم لم يمر سوى أسبوع على تلك الواقعة حتى شاهد الجيران زوج الجارة الملتحي مكبلًا في الأصفاد ومتهمًا بالانتماء إلى جماعة إرهابية.

من يدري هل هناك ارتباط بين الحدثين أم مجرد صدفة؟! لا يمكن الجزم أنه شرير إلى درجة الانتقام بتلك الطريقة المروعة ردًا على بضع شتائم تطايرت في الهواء. ثم أليس هو نفسه الذي كان يحرس أطفالهم إذا عبروا الشارع ويعيدهم بمحبة ولهفة إلى داخل العمارة؟!

ما الضرر الذي كان سيقع عليها لو أجابت على أسئلته السخيفة التي يطرحها عليهم في مقابل الشعور التام بالأمان؟ عمارات كثيرة تعرضت لحوادث سرقة وخطف أطفال.

وللمرة الثانية دار اللغط حول المبررات التي دفعت "س.ل" لإطلاق عدة أعيرة نارية في الهواء. قالوا إنه كان يطارد ثلاثة إرهابيين. لكن الحارس الصعيدي أول من خرج على صوت الرصاص قال إنه لم ير شيئًا.

وهذه هي المرة الثالثة التي يطلق فيها الرصاص بسبب فتاة مجهولة صعدت نصف ساعة إلى شقة يوسف الفلسطيني.. كانت أطول نصف ساعة عاشها "س.ل" على أعصابه وبمجرد هبوطها سارع إلى اللحاق بها وجذبها من ذراعها.. اندفع يطاردها بالأسئلة وهي تحاول أن تفلت إلى أن نجحت في الاتصال بخطيبها.

وخلال دقيقتين وصل خطيبها وهو شاب نحيل في العشرين من عمره وقف حائلًا بينها وبين "س.ل" الذي أصر على استجوابها.. فمن يدري أنها ليست إرهابية! لا يكفي أن ترتدي فستانًا مكشوف الذراعين كي يعتبرها بريئة.

دفعها الشاب داخل سيارته، والمستشار يلاحقها.. لو كانت بريئة حقًا لماذا أصيبت بالذعر؟ ربما لم تكن صاعدة إلى شقة يوسف الفلسطيني، وبعدما وصلت إلى الطابق الخامس في المصعد هبطت على قدميها إلى الرابع والتقت الجارة سليطة اللسان زوجة الإرهابي المعتقل! مستشار مثله لا يمكن أن تخدعه تلك التفاصيل.

دفعه الشاب برفق يطلب منه التفاهم. على الأرجح هو لا يفهم بدقة ما يجري.. فالمستشار "س.ل" كان منكوش الشعر، والرذاذ يتطاير من فمه وهو يصيح: "خونة.. إرهابيين.. خونة.. إرهابيين"

والشاب حائر لا يفهم ما علاقة خطيبته بالخونة والإرهابيين، فقط كان يرى الجنون في عيني الرجل.. والرعب في عيني خطيبته التي جلست مذهولة في السيارة.

أتى حارس العمارة مسرعًا على صياح "س.ل" ثم تراجع عندما رآه يخرج المسدس من حزام بنطاله. قفز الشاب مرتين لأعلى للسيطرة على ذراعه التي تشهر المسدس، وصرخت الفتاة وهي تحاول مغادرة السيارة لإنقاذ خطيبها.. دوت صوت رصاصة واحدة، ووجدت الفتاة نفسها تحضن خطيبها وتسقط معه أرضًا والدم الحار يلطخ يديها وفستانها.. رأت عينيه تدوران ببطء وتغيبان، فأخذتها نوبة صراخ:

"قتلته ليه؟ قتلته ليه؟".

أكثر من عشرين شابًا ورجلًا أحاطوا بهم. وصاح "س.ل":

ـ "ساعدوني يا شباب.. لا حول الله يا رب.. المسكين حاول يخطف مسدسي

ويقتلني"

الفتاة صرخت:

ـ "اصحى يا أحمد.. اصحى يا أحمد"، وهي تضمه إلى صدرها.

في غضون خمس دقائق كان "س.ل" يقف بسيارته بمحاذاة الشاب الغارق في دمه:

ـ "ساعدوني يا شباب".

أربعة شباب حملوه ووضعوه في السيارة، وفي الوقت الذي لفظ فيه الشاب أنفاسه في مستشفى السلام، كان "س.ل" يسلم نفسه إلى قسم شرطة السلام، وأبلغ الضابط أنه تلقى معلومات من جيرانه عن خلية إرهابية على صلة بعائلة الإرهابي المعتقل في الدور الرابع، وعندما ارتاب في صعود تلك الفتاة ووجود شاب ينتظرها قرب العمارة، حاول التحقيق في الواقعة، لكن الشاب دفعه بعنف وخطف مسدسه الميري، فانطلقت رصاصة بالخطأ. مرجحًا أن تكون أصابته في الكتف.

 

وفي الطبعة المسائية من جريدة "الحقيقة" نشرت صورة قديمة للمستشار "س.ل" مع تفاصيل مثيرة وعنوان جذاب: "مصرع إرهابي برصاص قاضٍ متقاعد".

إقرأ المزيد...

بروفايل الحاجة الطاهرة ... فصل من رواية حارس الفيسبوك

  

11:40 PM

حالة الفوضى التي ضربت الموقع قبل ثلاث ساعات فتحت شهية زيزو لجمع أكبر قدر من المعلومات، وهو يجلس مسترخيًا وراء مكتبه المليء بأجهزة الكمبيوتر وعلب السيديهات والأسلاك الموصولة، في شقة من غرفتين تطل على ثاني ناصية من شارع ناهيا.

كانت تتناثر حوله هنا وهناك بقايا الوجبات الجاهزة وسراويله الداخلية الملونة وجواربه وأكياس الطعام الورقية الفارغة. فرد أصابع يديه الاثنتين فوق أحرف الكيبورد، وراح يقفز برشاقة من صفحة إلى أخرى. بنقرات بسيطة، وعين فضولية، كان يتلصص على حياة الآخرين. وإن كان جسده الناحل لا يوحي بطاقة الشر الكامنة فيه. يعرف لماذا يحرص فلان على اللايكات لفلانة، ومن يتجاهل من ويعطيه كتفًا افتراضية!

ـ "شكرًا يا عم مارك"!

قالها لنفسه، وهو لا يصدق حجم انهيار الخصوصية. أغلب المستخدمين مازالوا يواصلون دردشاتهم بالشكل المعتاد، دون أن ينتبهوا لحجم الكارثة! ربما هي الثقة المفرطة في تطمينات الشركة بأنهم في أمان، وأن كل شيء تحت السيطرة!

كل الأسرار كانت معروضة أمامه، دردشات ورسائل كافية لتدمير بيوت! ثمة رائحة مغوية، كانت تجذب أنفه وتقوده إلى صفحات بعينها. رائحة مستترة وراء تعليق..غمزة.. لسان أحمر مائل يطل من رأس فسفوري. لقد اعتاد أن يجلس على مقهى "سكر زيادة" في تلك المنطقة الفاصلة بين عالمين.. للاستمتاع بالمقارنة بين أرداف النساء العائدات إلى بولاق وأرداف النساء المتأنقات المتجهات إلى حي المهندسين. والآن كان يروق له أن يجلس على ناصية صفحته، وبضغطة بسيطة يستمتع بالاستعراضات نفسها.

الناس كلها تتصرف مثله حتى لو ادعت الفضيلة. فماذا يفعل الآخرون طول الوقت عدا عن مراقبة بعضهم البعض؟ الفارق الوحيد في المهارة، فملك السبام يصل إلى ما لا يستطيع غيره الوصول إليه. مجرد موهبة خاصة خدمها الحظ الليلة. مثلما يراقب أحدهم امرأة جميلة وهي تعبر الطريق، يفعل الشيء نفسه، لكنه فوق ذلك  اكتشف في نفسه موهبة كشف أسرار جسدها من تحت الملابس.

كلما انتقل من صفحة إلى أخرى، كانت تظهر على يمينه بروفايلات شبه إباحية. كل اسم يتنافس في اكتناز أعلى شحنة إثارة: موناليزا اللذيذة، سونيا الزانية، اسأل وجرب مع فاتنة الخليج. أسماء وصور تدعوه إلى المغامرة. بنات ونساء لا تظهر منهن سوى كتل عارية..صدور..أفخاذ.. سيقان عارية تتنزه على شاطئ البحر! وبعضهن كن يتخفين وراء أقنعة الأوركيد أو..نجمة مضيئة في سماء بعيدة. لا تروق له تلك النوعية من النساء، فلو كانت تثق حقًا في أي شيء لديها لن تتخفى وراء أقنعة بلهاء. ليس معنى ذلك أن اللواتي كن يتخفين وراء عري آنجيل دارك، وياسمين لافيت، أفضل حالًا، لكن صورهن كانت تعطيه وعدًا بمغامرة مجنونة، كما حدث مع صوفي هوارد التي من المفترض أن يلتقيها في الواقع، لأول مرة، في التاسعة صباحًا.

كان قد التقطها قبل ثلاثة أشهر من صفحة "المتعة الحرام للجادين فقط"، استوقفه اسم بروفايلها "الحاجة الطاهرة" حتى كاد أن يقع أسفل المكتب من الضحك لأن كل صورها لا علاقة لها لا بالحج ولا الطهارة! درس بتمعن تضاريسها في عشر صور تُظهر جسدًا لا يشبه بالطبع أجساد بطلات أفلام البورنو، وهنا مكمن إثارته. جسد حقيقي جدًا، بكل عيوبه، بخطوط الزمن وثنياته اللدنة. ضبط يده لا شعوريًا تعبث داخل الشورت وهو يعاود تأمل قبة "الحاجة الطاهرة". قبة عفية وعالية فلا مانع من عبث خفيف على شرفها! ما الذي يمنع أن تكون نظراته الشبقية اصطدمت لحظتها بنظرات شبقية لشخص آخر كان يشاركه نفس الإعجاب باندفاع مؤخرة "الحاجة الطاهرة" إلى أعلى؟ لم يتحمس كثيرًا لعرضها بممارسة "السكس فون" مقابل كروت شحن الموبايل. كانت تتباهى بأنها خريجة "كلية السكس" وتعرّف نفسها بأنها "قحبة...." ثم تضيف بكل فخر اسم بلدها.

ظل يتتبعها لأسابيع حتى بعدما غيرت صورة البروفايل من مؤخرة عريضة إلى ساقين عاريتين بجوارهما يقف وادعًا كلب لولو بفرو كثيف. كان الكلب الصغير مربوطًا بطوق جلدي في رقبته يمتد منه حبل، تمسك به يد لا وجود لها.

كانت تخفي وجهها أو تركته في الجزء الخفي من الصورة. إضاءة دافئة تلتف حول ساقيها وتخترق مسام جوربها الأسود المشجر، والذي ينتهي أعلى فخذيها بفيونكة بيضاء. مثلث منفرج على الإغواء تنتهي قاعدته بفردتي صندل بسيور جلدية حمراء.

أحس صندلها قاتلًا له بكعبه العالي ونعومته ولمعانه. بروفايلها آخر الليل كان له تأثير غامض ومغو. فلو جمع رسائل وتعليقات الرجال على حائطها بأن يكونوا بدل كلبها "اللولو"، لاحتاج إلى مجلدات. كانت لا تفعل شيئًا، ما بين الحادية عشرة والثانية عشرة مساء، غير الموافقة على طلبات إضافة تأتيها من عشرات الرجال. أقصى ما كانت تفعله أن تكتفي ب "لايك" على كل كومنت يتغزل في ساقيها.

ظل يتابعها بصبر قناص وهي تتحول من "الحاجة الطاهرة" إلى "صاحبة الكلب لولو".. أخيرًا غيرت اسمها إلى "صوفي هوارد"، وبعد "المؤخرة" و"الساقين وكلب اللولو وضعت صورة لصوفي هوارد بإطباق شفتيها وتكويرة الثديين الكبيرين لكنها أبقت عينيها خارج الكادر.

كان خبيرًا بما يكفي ليتلقط من بين كل الصور العارية التي تضيفها، صور جسدها الحقيقي. مؤخرتها الحقيقية التي سربتها بين عشرات المؤخرات المزيفات. وقبل أن توافق على اللقاء به في الواقع دارت بينهما حوارات كثيرة عن الأحجام ومقاسات السوتيانات والسراويل الداخلية، كي تتأكد أنه رجل ويتأكد أنها امرأة.

غادر إلى صفحة مهلبية. سخر منها، في سره، وهو يراها مازالت تتمرغ على الوول بجسدها وشبقها ونكاتها. حتى عندما ترغب في التبول كانت تستأذن ممن تفترض أنهم ساهرون مثلها.

كان الرجال يلبدون في انتظارها.. مخلصين، إلى درجة مضحكة، مثل كلب يتشمم شيئًا أُلقي أمامه فجأة، قبل أن يهز ذيله باللايكات.

ثم دفعه الفضول لمعرفة رد فعل منال على رسالته، فاكتشف أنها لم تقرأها بعد. أيضًا هدى لم تكتب أي شيء منذ ثماني ساعات. تقريبًا هي تتعامل مع الفيسبوك كأنه فنجان قهوة في الصباح، ثم تنساه. ولا تكتب أكثر من بوستين في اليوم.

ظل هكذا.. منغمسًا في استقصاء تفاصيل وأسرار كل بروفايلات الحريم التي تلوح أمام عينيه. مثل قصاص الأثر الذي يتتبع حركات الأقدام الناعمة هنا وهناك.

كان وجهه صامتًا ونحيفًا بشكل لافت، يزيده الشارب الرفيع غموضًا، وعلى أنفه انحدرت نظارة من دون إطار. أراح ظهره بالكرسي إلى الخلف، بينما كانت تطل عليه من أعلى الجدار القديسة مريم. من زاوية معينة تبدو وكأنها تتلصص عليه. ومن زاوية أخرى كأنها تباركه بنظرتها الحانية.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 صدرت مؤخرًا عن الدار المصرية اللبنانية

 

 

إقرأ المزيد...

مسمط الشيخ مسعد فتة

  

·       بسترودس الأول (1870 ـ 1944)

اشترى الخواجة بسترودس تلك الأرض الجرداء الملاصقة للحديقة اليونانية وأنشأ كازينو "الخواجة بسترودس" أواخر نوفمبر عام 1899 وأصر على افتتاحه رغم هطول المطر وكرات الثلج التي بللت وجوه الحاضرين في ذلك اليوم.

كان شابًا محمر الخدين عندما بناه من طابقين على الطراز الفلورنسي، مستعينًا بحجارة بيضاء كبيرة الحجم كأنه يشيد قلعة ضد الزمن.. أعلى العواميد زخارف نباتية بارزة، وتماثيل صغيرة منحوتة، لا يمكن الجزم هل هي تشبه راقصة ترفع ذراعيها أم المسيح مصلوبًا؟

راح يتجول بضيوفه ويطلعهم على تحفته المعمارية بأقسامها الأربعة: هذا هو المطعم، وهناك قسم المخبز والحلويات، وفي الخارج المقهى الشرقي لهواة تدخين الشيشة، وأخيرًا البار شبه المعتم. كان يتحدث وفي عينيه لمعة فخر، ثم يقفز هنا وهناك كلاعب السيرك. يتحسس المقاعد المصنوعة من خشب الأرو، ومساندها الرقيقة المطرزة يدويًا.

في الزوايا، وبحذر وابتسامة ثابتة، توزع النُدل على مسافات متقاربة. كانوا يرتدون القفطان المغربي مع الطربوش والحزام الأحمر على حذاء أسود لميع، كأنهم أعضاء في فرقة شعبية، أعينهم جميعًا معلقة في نفس الاتجاه ترقبًا لأي إشارة تصدر عن الخواجة. على أكفهم الصواني الفضية محملة بكؤوس النبيذ والأطعمة الخفيفة. التفت الخواجة مداعبًا أحد الزبائن وهو يناوله الكأس: "خبيبي اعتبر نفسك في صالون نابليون موش في مطعم".

كان قد أبقى الجزء الخارجي المحاذي للبحر مكشوفًا تحت السماء الصافية، حيث توزعت طاولات ومقاعد البامبو الخفيفة بمساندها المزركشة بالزهور الطبيعية وبجوارها أصص الياسمين الهندي والريحان. فإذا ما هطل المطر أو اشتدت الحرارة صيفًا كان الندل يفردون مظلات باللونين الأزرق والأبيض مطبوع عليها Pastroudis

طوال النهار اعتاد الحمام أن يحط ويهدل على إفريز الكازينو كأنه يشارك الخواجة فرحته بهذا المكان الهادئ والمبهج. ومنذ اليوم الأول حدد بسترودس قائمة طعام وطبعها بشكل أنيق كأنها لوحة تشكيلية على الطاولات المغطاة بمفارش بيضاء تتوسطها مزهرية ورد طبيعي. كانت رائحة الوجبات شهية وتشمل خليطًا من الأكلات الغربية والشرقية مثل البط بصوص البرتقال والموزة الروستو بخلطة الزعفران وشوربة المحار والجمبري. أما أفخر أنواع النبيذ "عمر الخيام" و"البطالسة" فكان يجلبها بنفسه من مصنع صديقه الخواجة جناكليس.

الكازينو لا يبعد سوى أمتار قليلة عن قلب المدينة الضاج بالأضواء وحفلات المسرح الروماني المكشوف ودار الأوبرا و"سينما باراديسيو"، حيث اعتاد العشاق أن يسيروا متشابكي الأيدي لاستكمال سهرتهم حتى الصباح تحت سقفه الخشبي الدافئ. كانت لمسات أيديهم الحانية وابتساماتهم تنعكس عبر المرايا والثريات المضاءة والمصممة على الطراز الإسباني.

وقد اعتاد بسترودس أن يستيقظ مبكرًا ويستمتع بنفسه كأول زبون، فيتناول الشاي مع الكعك المحشو بالمكسرات، ثم يمسح بودرة السكر عن شفتيه قبل أن يتناول القهوة التركي. وقبيل وصول الزبائن للغداء، يكون قد انتهى من تناول وجبة دسمة مع كأس نبيذ "عمر الخيام".. بعدها يخرج إلى الواجهة المكشوفة ويستمتع برائحة البحر ودوي السفن الآتية من بعيد. هذا هو الوقت المثالي لتدخين السيجارة الوحيدة التي وعد بها نفسه كل يوم. كان يغمض عينيه لنسمة الهواء ويتذوق مرور الزمن ببطء في رأسه.

هكذا مرت الأيام والشهور والسنون.. هادئة ومنعشة مثل نسمات البحر. وعندما أصبح بسترودس عجوزًا ابيض حاجباه الغليظان واكتملت صلعته باستثناء شعيرات بيضاء خفيفة على الجانبين، واضطر إلى استعمال نظارة بلا إطارات لمراجعة الحسابات.. أنفه فقط هو الذي احتفظ بحجمه الكبير وحاسة شم قادرة على تمييز ألف رائحة. وبسبب ضعف بصره كان يمرر سبابته على الكراسي كي يتأكد من عدم تراكم الغبار.

لم يفزع بسترودس لأن الزمن نال من وسامته، قدر فزعه من اندلاع الحرب العالمية الثانية. في تلك الأيام كثرت سرينات الإنذار وانقطاع الكهرباء، ولم تعد المواد الغذائية تصله بالجودة التي يطلبها، ما اضطره ـ في نهاية الأمر ـ إلى الذهاب بنفسه إلى أسواق بعيدة في الريف إلى أن قضت عليه غارة مباغتة، لا يُعرف إلى اليوم هل نفذها الإنجليز أم الألمان! رغم أنه مات في صباح مشمس لا يُنذر بوقوع أي تفجيرات.

 

·       بسترودس الثاني (1906 ـ 1977)

مات العجوز شهيد رغبته في توفير مذاق صحي رائع لزبائنه، ووضعت له صورة كبيرة، وهو في عز شبابه، عليها شارة سوداء، خلف مكتب الإدارة الذي جلس عليه أخيرًا نجله "بسترودس الثاني"، عن يمينه الخزينة الفولاذية، وعن شماله دولاب السجلات. وقد جاء الحكمدار بنفسه للتعزية وأهدى مفتاح المدينة البحرية إلى روح الفقيد. تم الاحتفاظ بهذا المفتاح الذهبي داخل الخزينة لأكثر من أربعة عقود.

كان بسترودس الثاني في سنوات النضج والرجولة، وربما تأخر قليلًا في استلام السلطة من العجوز. وكان أكثر إدراكًا من أبيه أن الحرب غيرت روح المدينة.. فالجنود من ست أو سبع جنسيات كانوا يعيثون فيها فسادًا، ولكي يرفه عنهم ويأمن شرهم، افتتح صالة الرقص، وظل يشرف بنفسه على اختيار معزوفات راقية ترقص عليها خيرة الراقصات. فهو أيضًا لا يريد أن يخسر التقاليد التي رسخها والده طيلة أربعين عامًا.

وفور انتهاء الحرب لم يمانع في إقامة حفلات الزفاف يومي الخميس والجمعة. كان يدرك أن "كازينو الخواجة بسترودس" لم يعد العش المفضل للعشاق الشباب الذين هربوا إلى كازينوهات منافسة، تسمح بما هو أكثر من مجرد لمسات الأيدي الحانية!

اعترض بعض الزبائن على صالة الرقص والأعراس، وقالوا إن العصر الذهبي للكازينو انتهى بوفاة بسترودس الأول، أما المولعون بالرقص فقالوا إن العصر الذهبي الحقيقي بدأ مع بسترودس الثاني، مع اعترافهم أنه يفتقد إلى صبر وصلابة أبيه.

كان يكفي دخول الكازينو وقت العشاء، لرؤية كرنفال من القبعات والطرابيش.. زبائن يتحدثون سبع لغات: الإنجليزية والإيطالية واليونانية والفرنسية والروسية والتركية إلى جانب العربية. لكن كل هذا تغير سريعًا بعد الحرب، فقد هاجر من هاجر، ثم قامت ثورة فتغير الناس أنفسهم.. وإن ظل بسترودس وفيًا لتقاليد الكازينو، حتى بعدما استغنى عن العزف الحي على البيانو بسبب سفر "مارج" العازفة المجرية للزواج، فاكتفى ببث الموسيقى من الجرامافون الذي ورثه عن أبيه.

إيقاع المدينة كان قد تجاوز الجرامافون وحركة الأسطوانات المتموجة الهادئة تحت الإبرة.. ففي هذه الأيام انتشر الراديو والتلفزيون وموسيقى الروك.. ورغم إدراك بسترودس لسنة التطور لم يسمح بإدخال تلك الأجهزة وكان يرى فيها أدوات للضوضاء ولا تُقارن بذلك المزاج الصافي والبطيء في انتقاء كل أغنية يقدمها لزبائنه مثلما ينتقي لهم أجود المزات.. فأيهما أفضل أن يقدم لهم على العشاء إديت بياف بالرنين الشجي المتوتر في صوتها أم يترك الراديو يختار لهم أي أغنية عشوائية؟! ربما الحنين الخفي إلى روح بسترودس الكبير هو ما دفعه إلى التمسك بالجرامافون.

أما الحديقة اليونانية المجاورة فكانت قد احترقت مع نهاية الحرب فلم تبق سوى جذوع مسودة مثل الأرامل. وبمرور الشهور نمت حشائش برية تفوح منها رائحة العفن والموت. وفي الليل كانت الحديقة المعتمة تتحول إلى مأوى للعاهرات الرخيصات، والكلاب الضالة التي تحوم على الدوام خلف مطبخ الكازينو.. وما أكثر الليالي التي اختلط فيها النباح بتأوهات لذة مبتورة!

حتى الأشجار النادرة على امتداد الكورنيش تم اجتثاثها في وضح النهار من أجل رصف الكورنيش وإقامة سياج من القضبان والصخور الجيرية يعزل موج البحر عن المدينة.

وبعد أن كان والده يجلس بنفسه ويرحب بالأمراء والأدباء.. اكتفى بسترودس الثاني بالتباهي بصور الأبيض والأسود المعلقة فوق رأسه، والتي يظهر فيها والده مع لورانس داريل وكفافيس أمام البحر.

ذهب زمن الملوك والشعراء وجاء زمن الضباط والموظفين الكبار.. كانوا يدخلون ويغادرون بشكل فاتر ولا يعنيهم هل هذا العزف كان كونشرتو الكمان لتشايكوفسكي أم "قبلة الجنية" لسترافنسكي؟  ولأنه لا يعرفهم معرفة حميمية لم يهتم بالتقاط صورهم كما فعل والده الذي أكد له أن كفافيس كتب العديد من قصائده هنا على الطاولة رقم 9 على الواجهة البحرية.

مجاراة ما كان يحدث في المدينة، خارج الكازينو، لا تعني القبول بأي شيء.. لذلك أصيب بسترودس الثاني بالذهول حين طلب منه "عم حسن" كبير الطهاة إجراء تعديلات على قائمة الطعام التي لم تتغير منذ سنين.. ومازالت إلى اليوم تحمل توقيع والده بالقلم الحبر.

"عم حسن" هذا العجوز النوبي كان يمتلك حاسة استشراف ذوق الناس قبل أن ينطقوا، وهو الوحيد الذي تجرأ وأخبر الخواجة بأن وجبات الكازينو أصبحت باهظة الثمن مقارنة بظروف معظم الناس، فما فائدة الرائحة الشهية للمخبوزات الفرنسية إذا كان المرء مفلسًا؟ لذلك اقترح تقديم وجبات شعبية مثل طواجن البامية. يومها انفجر بسترودس الثاني في وجه الرجل الذي خدم مع والده بنزاهة: "خسن خبيبي.. دا كازينو الخواجة بسترودس.. مش مسمط!"

كأن المدينة كلها تتآمر ضد التحفة التي شيدها والده! ألم يشاهد بنفسه الزخارف وأيقونات الأعمدة بعدما رشها مجهولون بطلاء أزرق؟ وصور مرشحي الانتخابات التي ألصقوها ليلًا دون أن يستأذنوه؟! وأخيرًا اكتملت المؤامرة بنصيحة كبير الطهاة.

في الليل كان الخواجة يلتقط منظاره المكبر ويصعد فوق سطح الكازينو. ليس هناك هدف محدد وراء هذه الجولة الليلية بالمنظار. فقط يراقب أي حركة في الشوارع والميادين.. هذه تسليته منذ أن هاجرته زوجته الثانية اليهودية وسافرت إلى النمسا. كان يرى القصور التي عرف أصحابها يومًا ما، وهي تُهدم كأن لم تكن، وأبراج تشيد.. العشش والمباني العشوائية كانت تزحف ـ ليلة بعد ليلة ـ نحو قلب المدينة الهادئ. كأنها تزحف للانقضاض على الكازينو. لو أراد أن يعرف ما يجري حقًا كانت تكفيه جولة ساعة في التاكسي، لكنه قنع بالعيش في استراحته الخاصة الملحقة بالكازينو.. الخروج إلى الشارع يعني "الموت" الغادر كما حدث مع أبيه.. وقد يعود فلا يجد الكازينو في مكانه لهول ما رأى من قصور تمت إبادتها في ليلة وضحاها، أو تحولت إلى هيئات حكومية ومدارس، إن حالفها الحظ.

أصبح الخواجة مشغولًا بازدياد أعداد الكلاب الضالة في الحديقة المهجورة أكثر من اهتمامه بتناقص الزبائن. وبسبب عصبيته وكبر سنه، مال أكثر إلى العزلة مكتفيًا بالفرجة الليلية على المدينة وهي تتحول وتتبدد. لم يتبق له من أصدقائه القدامى سوى حنجل بك الشركسي بعينيه الضيقتين وشاربه المفتول والعصا الأبنوس، ورغم كبر سنه هو الآخر، لكنه احتفظ بقوام ممشوق ـ دون أن يتخلى عن الطربوش الذي تخلت عنه المدينة كلها ـ وكانت ترافقه زوجته تمارا هانم حفيدة بيسا باشا الذي كان مسئولًا عن الاسطبلات الملكية.

كان حنجل بك يشارك الخواجة نفس الاهتمام بعد الكلاب الضالة والأشجار التي عثر عليها مقطوعة في طريقه..  فكان بسترودس يرد عليه بمقطع شعري حفظه من كفافيس:

 "سأذهب إلى أرض أخرى..

 سأذهب إلى بحر آخر..

 مدينة أخرى ستوجد أفضل من هذه".

وفي أحد الأيام وصل حنجل بك حاسر الرأس وفي حالة أقرب إلى الجنون. جاء ممتطيًا حصانه الأبلق وهو يجر خلفه شجرة مقطوعة، إرضاء لصديقه الذي طلب رؤية شجرة ميتة.. آنذاك كان من النادر امتطاء حصان بعد انتشار السيارات والباصات.. لكن حنجل بك كان آخر من امتطى حصانًا في المدينة.

اقترح بسترودس أن يقيما جنازة تليق بشجرة التين البنغالي هذه.. كان العرق يتصبب من حنجل بك أكثر من حصانه، وانفجر غاضبًا بأنهم ذبحوها بلا رحمة رغم أنها ظلت واقفة في مكانها خمسمائة عام! أجل.. خمسمائة عام! انفعل بسترودس بدوره واهتز جسده وراح يحفر بسكين المائدة على جذعها مرثية تليق بها، ثم فجأة توقف ولم يدر ماذا يكتب! فاكتفى بحفر نفس المقطع الشعري لكفافيس، وقبل أن ينتهي من جملة "مدينة أخرى ستوجد أفضل من هذه" وصلت دورية الشرطة واتهمت العجوزين بالتعدي على المال العام، لولا أن أحد اللواءات من زبائن الكازينو كشف فجأة عن هويته وأنهى الموضوع وديًا، بتسليم "الشجرة الميتة" إلى الشرطة. وصادف في اللحظة ذاتها أن الجرامافون كان يصدح ببرولوج سوناتا البيانو والتشيلو لديبوسي.

لم يمر سوى شهر واحد على واقعة الشجرة حين علم بسترودس بوفاة حنجل بك، فأوقد شمعة وعلق له بضع صور نادرة إلى جانب المشاهير. من يومها، يمر نهار كامل ولا ينطق الخواجة بكلمة. كانوا يلبون طلباته بمجرد النظرة أو حركة يده تطلب علبة سجائر.

ظلت تمارا هانم تأتي وحدها، وكانت كعادتها ترتدي ملابس قطنية بيضاء لا تغير لونها أبدًا. لا تغير جلستها على نفس الطاولة مقابل الكرسي الذي كان يجلس عليه زوجها.. وكان  "سعيد" أصغر أبناء "عم حسن" كبير الطهاة، يتولى خدمتها. وعندما غابت لأكثر من أسبوعين، سأل عنها الخواجة فانفجر غاضبًا: "تمارا هانم تعيش أنت يا خبيبي.. كله موت.. موت.. أنت حمار يعيش وهي يموت"!

راح الزبائن العواجيز يختفون ببساطة كأن الهواء يبتلعهم فجأة. فقط قلة منهم، ظل بسترودس يتعامل معهم بوصفهم أصدقاءه المقربين، فكان يجلس ويستمتع معهم بدفء الشمس والذكريات، ويبادلهم التهاني في أعياد الميلاد والزواج، ولم يكن بحاجة إلى تدوين تلك التواريخ المبهجة لأنه كان يحفظها عن ظهر قلب، فيطلب تحضير تورتة هدية لزوجين يحتفلان بعيد زواجهما الخمسين! هؤلاء الزبائن كانوا يجلسون في حميمية لكنهم بالكاد يتكلمون بل يرشفون القهوة ويتأملون البحر في صمت.

وإذا كان المسرح الروماني أصبح مهجورًا وسينما باراديسيو تحولت إلى مول تجاري من ثلاثين طابقًا، فها هو كازينو الخواجة بسترودس مازال صامدًا يتحدى الزمن.

كان العجوز عنيدًا، مثل قبطان يقود سفينته بكبرياء إلى الغرق.. كان متشبثًا بالصمت ومنظاره الليلي، ورغم أنه كان ينهي خدمات بعض العاملين دون إبداء سبب لكن انفعالات وجهه تكابر في إخفاء شعور بالعجز والألم.

إلى أن زاره اللواء الذي أنقذه من محضر الشجرة الميتة، وكان رجلًا ضخم الجثة، يرتدي نظارة سوداء تحجب نصف وجهه، وشعره خفيف ومصبوغ. وبلا مقدمات، عرض عليه توسيع الكازينو مقابل أن يدخل شريكًا بالنصف.

لم يدفع الرجل فلسًا أحمر، لكنه جاء بأوراق تثبت ملكيته للحديقة اليونانية المهجورة. فتهكم بسترودس على العرض وأطلق عليه ساخرًا لقب "اللواء إكس"!

 خلال شهر واحد تعرض الكازينو لحملات تفتيش من الصحة ومباحث التموين والآداب والبلدية، لم يتعرض لها طيلة تاريخه كله، وفشل الخواجة في إقناعهم بأن هذا الكازينو محترم ولا يرتاده إلا أولاد الذوات، وأخيرًا اتصل بشريكه الجديد للاحتفال بتوقيع العقد على الواجهة البحرية. يومها اعتذر "اللواء إكس" عن شرب الشمبانيا وفضل القهوة التركية.

رشف بسترودس كأس الشمبانيا وحده متأملًا صورة أبيه كأنه يعتذر له عن خطيئة لا تغتفر، رغم أن "اللواء إكس" لم يظهر بعد ذلك إلا نادرًا طالما كان واثقًا من أمانة الخواجة وإيداع الأرباح في حسابه بانتظام. كانت طلباته محددة من حين إلى آخر، مثل استضافة الراقصة كهرمانة في حفلة مغلقة على ضيوف غامضين.

أمور كثيرة أصبحت متروكة لتقدير "سعيد" بعدما أعفاه بسترودس من مهمة النادل كي يتولى الإدارة نيابة عنه. وإلى جانب اهتمامه بعد الأشجار الميتة والكلاب الضالة والقصور المهدمة، انتبه إلى ظهور أول رجل ملتحٍ يرتدي جلبابًا ويمشي في الشارع أمام عدسة منظاره.

وفي ليلة حارة من ليالي يونيو، طرق سعيد مرتبكًا، باب الاستراحة وأخبر الخواجة أن "اللواء إكس" باع نصيبه في الكازينو لأحد البنوك التجارية، ولرجل ملتحٍ عائد من الخليج يدعى "الشيخ مسعد". هو ليس شيخًا وإنما جزار بالكاد يجيد القراءة والكتابة، أطلق لحيته فأطلق عليه الناس لقب "الشيخ مسعد".

هز بسترودس الثاني رأسه ولم يتكلم. خمن أن الرجل الملتحي الذي ظهر أمام عدسته هو نفسه شريك "اللواء إكس". ظل صامتًا كمن تلقى الحكمة الأخيرة في حياته.

في الصباح عثروا عليه مستلقيًا على جانبه الأيسر ورجلاه عاريتان ومتشنجتان خارج السرير. كانت يده اليمنى قابضة بشدة على مفتاح المدينة البحرية.

 

·       بسترودس الثالث (1949 ـ 1988)

آلت ملكية ما تبقى من الكازينو إلى بسترودس الحفيد، الذي كان يعيش آنذاك مع أمه في اليونان.

كان شابًا منفتحًا يدرك أنه في مهمة انتحارية لإنقاذ مجد غابر، رغم أنه ليس لديه ذكريات خاصة مع الجرامافون ولا أشجار التين الميتة، ولم يجد حرجًا في إدخال شاشات التلفزيون الكبيرة.

 ومنذ أول يوم جلس فيه وراء المكتب، علق صورة لأبيه بنفس حجم صورة جده، وعليها نفس الشارة السوداء. وإن لم يأت المحافظ ـ كما وعدهم ـ لتأبين أبيه.

كان عليه أن يواجه بشجاعة أطماع جاره "الشيخ مسعد" الذي حرك عشرات الشكاوى كي يجبره على منع البيرة والخمور، وقد نجح في استصدار قرار من النيابة بإغلاق صالة الرقص. أيضًا المخبز كان قد أُغلق في آخر أيام أبيه، فلم يتبق عمليًا سوى المطعم والمقهى الذي مازال يطل على الواجهة البحرية.

باع بسترودس الأب الثريات الإسبانية العملاقة لسداد ديون، بينما اضطر الحفيد إلى الاستعانة بأوان وملاعق من الستانلس، بعدما اكتشف سرقة الملاعق الفضية المدموغة. كما استبدل مقاعد البامبو بمقاعد البلاستيك، لأنه لم تعد هناك مصانع تنتج مقاعد البامبو تلك.

حلم آل بسترودس الذي شيدوه في ثمانين عامًا، كان يتلاشى ببطء أمام عيني الحفيد، لكنه ظل ممسوسًا بلعنة تقديس تقاليد الكازينو، ومع زحام زبائن مسمط الشيخ مسعد من الملتحين وزوجاتهم المنقبات لم يعد بإمكان رواد الكازينو الدخول إليه بسهولة. طغى ضجيج المسمط على موسيقى بحيرة البجع!

رغم ذلك، تودد "الشيخ مسعد" إلى بسترودس الثالث للاستفادة من الواجهة البحرية وتخصيصها لعلية القوم من عشاق الكوارع والمخاصي. أقنعه أن الشراكة بالحسنى بينهما هي الحل، وأنهم كان بإمكانهم أن يكسبوا الملايين لو طوروا أنفسهم حسب مزاج المدينة وليس حسب مزاجهم الخواجاتي، وبنبرة مازحة قال له إن بيع الخمور هو سبب إفلاسهم، ودعاه إلى تغيير اسمه إلى "عبد الحميد بسترودس" جلبًا للفأل الطيب!

كان بسترودس يخشى أن يخسر معركته مع "الشيخ مسعد" مثلما خسر والده معركته مع "اللواء إكس". لا يتخيل نفسه يصافح شريكه المحتمل بيديه المشعرتين الغليظتين هاتين.

ـ "على آخر الزمن.. عبد الخميد بسترودس!"

 كان يكلم نفسه أحيانًا، لكنه لم يصل بعد إلى غرابة أطوار أبيه. اهتدى إلى حيلة ماكرة بأن يرسل "سعيد" للسير أمام المسمط، وإغراء بعض الزبائن الذين يتوسم فيهم أنهم أولاد ناس، كي يدخلوا إلى الكازينو.. ليس سهلًا أبدًا في هذه الأيام أن تقنع هؤلاء الأوباش بقيمة الجلوس على كرسي فرنساوي عمره مائة عام!

أجرى أيضًا بعض اللقاءات الصحفية والتلفزيونية، فتحدث عن مجد الكازينو في عهد أبيه وجده، وعرض صورًا نادرة يظهر فيها توفيق الحكيم بالبريه الأسود وهو يحتفل بعيد ميلاده، وأمامه تورتة فيها شمعة واحدة، وصورة أخرى لنجيب محفوظ الذي كان يزورهم صيفًا بمفرده، وكان.. كما يقول الخواجة.. رجلًا هادئًا بشوشًا يفضل الستيك المشوي، ولم يكن نهمًا مثل ديميس روسوس.

رغم كل هذه الحيل والدعاية، كان يمر يوم كامل.. تصدح فيه إديت بياف من الصباح إلى المساء.. ولا يدخل زبون واحد.. يتلوى صوتها ألمًا وشجنًا بالساعات.. للكراسي الفارغة!

وفي أحد أيام الربيع، وكانت البلاد مازالت تعيش مرحلة عاصفة عقب اغتيال الرئيس وتمرد الجنود في شوارع العاصمة، انتبه بسترودس الثالث الذي ورث صلعة جده مبكرًا، إلى امرأة تدخل وتجلس وحدها على الواجهة البحرية. أول ما لفت نظره قبعة "جرسيه" بلون التفاح الأخضر، يقطعها شريط أزرق لامع. تكاد القبعة أن تخفي رأسها الصغير. كانت ترتدي فردة قفاز واحدة في يدها اليسرى. فستانها المشجر المغلق بإحكام من الأمام، جعلها تبدو فارعة الطول. هرول للترحيب بها وأخبرها بجدية أن كفافيس العظيم كان يحب الجلوس واستقبال شيطان الشعر على هذه الطاولة.. وبلا تردد ألقى عليها المقطع الشعري المفضل لوالده:

"سأذهب إلى أرض أخرى..

 سأذهب إلى بحر آخر..

 مدينة أخرى ستوجد أفضل من هذه".

نفضت السيدة الغامضة رماد سيجارتها وقالت في لا مبالاة وهي تخلع فردة قفازها:

ـ "كل المدن تتساوى في الحماقة يا عزيزي!"

ألا تعرف كفافيس العظيم أم أنها تكره المدن كلها؟! لمح تجاعيد خفيفة بطول رقبتها، ما يوحي أنها في الخمسين من عمرها، أي تكبره بعشر سنوات على الأقل. تشاغل بمسح الطاولة بنفسه، أخيرًا يا رب زبونة تتأمل البحر وهي تدخن سيجارتها!

هرول بطفولية لاستعجال قهوتها ومن بعيد رآها تخرج مرآة صغيرة وتعيد طلاء شفتيها. لعلها زبونة قديمة هاجرت لسنوات ثم أعادها الحنين! هذا ما كان يفكر فيه وهو يسير خلف "سعيد" ـ النادل الأخيرـ الذي كان يحمل القهوة التركية على صينية من فضة حقيقية.

أشاحت ناحية البحر بعيدًا عن نظراته الفضولية.. ربما لا تريد أن يتعرف عليها أحد هنا. مدت يدها نحو حقيبتها فظن أنها انزعجت وتهم بالمغادرة.. لكنها أخرجت علبة فضية، وسحبت منها سيجارة أخرى.

رآها ـ من بعيد ـ وهي تفرد يديها فوق الطاولة برقة وكأنها تمسك بيد شخص ما وتتكلم معه. تشكك فيما رآه فاقترب خلسة وسمعها تهمس بكلمات إيطالية.

ـ "معقول! زبونة مجنونة؟!"

تنحنح وسألها بأدب:

ـ "عفوًا يا هانم.. تكلمينني؟"

أجابت ببساطة:

ـ "لا.. أكلم روح أبي"

رفع الخواجة حاجبيه الكثيفين ثم قال:

ـ "هذه الطاولة كانت المفضلة لحنجل بك الشركسي بعد كفافيس العظيم طبعًا"

ـ "وأنا بنت حنجل بك الشركسي..إذا كنتَ لا تُمانع!"

صُعق بسترودس للحظة ثم عرض عليها رؤية صور نادرة لأبيها. كان من أهم التعديلات التي أجراها ضمن خطته للتطوير، تعليق صور ألفيس بريسلي ومحمد علي كلاي ومارلين مونرو وعمر الشريف، فليس شرطًا مقدسًا الاكتفاء بصور المشاهير الذين زاروا الكازينو.. فهؤلاء هم ملوك هذا العصر المتاحون لكل الكازينوهات. وسط كل هؤلاء كانت هناك صورة حنجل بك وزوجته تمارا مبتسمين على حصانين، وإن أجبرتهما الشمس على إغماض عيونهما.

طلبت الاحتفاظ بالصورة ثم أخبرته أن اسمها "لولا" وأنها تعمل "وسيطة روحية" في كندا، وقد جاءت بعد كل هذه السنين لبيع الشقة التي ورثتها عن أبيها، فعرض عليها المساعدة، لأن صداقة الآباء تفرض على الأبناء أيضًا أن يكونوا أصدقاء.

كانت شقتها واسعة ورطبة، وأثناء تناول عشاء دسم مع النبيذ والموسيقى وضوء الشموع، أخبرته "لولا" صراحة أنها لا تريد من الحياة أكثر من تناول العشاء وسماع بيتهوفن مع صديق. ثم فجأة حدقت في الفراغ واستعارت نبرة صوت أبيها:

ـ "اسمع يا بسترودس يا ابني.. أنا أرسلت "لولا" بنتي لإنقاذك!"

بسبب حالة السُكر الخفيفة، لم يستغرب خشونة نبرتها وصمتها التام عن الحركة كأنها شبح تمثال. اكتفى بهز رأسه مرتبكًا. لأول مرة يلتقي وسيطة روحية تكلم الأموات وتقلد أصواتهم! وفي نهاية السهرة قبلته في خده واستردت غنج صوتها ثم طلبت منه أغرب طلب تلقاه بسترودس الحفيد طيلة حياته.. أن يحملها إلى الفراش ويمسد شعرها حتى تنام. قالت إن النوم مثل الموت وهي تريد أن تموت سعيدة.

وفي غضون أيام، باعت "لولا" الشقة للشيخ مسعد، الذي اشترى أيضًا في نفس الصفقة ما تبقى من كازينو الخواجة بسترودس.

استفاد الشيخ مسعد فتة، من التوسعة الجديدة، ففتح جزارة خاصة لخدمة المسمط. وآخر ما كان يخطر في باله أنه في تلك الزاوية التي كان يعلق فيها الذبائح المختومة بالأختام الحمراء المستطيلة، وقفت داليدا ذات يوم بشحمها ولحمها وغنت "بامبينو".

وفي الطائرة التي أقلتهما إلى كندا راح بسترودس الثالث يردد مازحًا وهو يمسد شعر "لولا" المُلقى على صدره:

"مدينة أخرى ستوجد أفضل من هذه".

 

 

إقرأ المزيد...