موقع الكتابة الثقافي

بيلي كولنز.. “يا مسافر وحدك”

هل يعرفوننا بأنفسهم، هؤلاء الذين يثبِّتون على صدورهم شارات بأسمائهم، الأولى غالبا، والكاملة في بعض الأحيان؟ هل هم بذلك يبادرون بتقديم أنفسهم، ويكون عليّ من ثم، وبدلا من أن أدفع ثمن مشترياتي، أن أقول “وأنا أحمد”؟ أم أن هذه الأسماء موجودة لهدف آخر غير النداء؟ بيلي كولنز يجيب.

Read More »
" المغنية الصلعاء" ..  عندما يُعرّي يوجين يونسكو واقعنا تماماً

” المغنية الصلعاء” .. عندما يُعرّي يوجين يونسكو واقعنا تماماً

إبراهيم سعد

”  لقد تجاوزنا الآن مرحلة البحث عن الأسباب ؛ أسباب الأخطاء التي ارتكبها هؤلاء أو أولئك .نحن لا نعرف .. لم نعد نستطيع أن نعرف أين الخطأ . ولكن الذي نعرفه هو أنه لا بد ولا غنا للبشرية ، إذا كانت تريد أن تحفظ نفسها من الفناء الكامل ،من أن نتفاهم جميعاً ”

أفضل ما في مسرح العبث بالنسبة لي، أنه يجعلنا دائمًا نفترض الأشياء على غير موضعها المألوف، ومن خلال التهكم والسخرية، والمفارقة اللغوية، يُعرّي الواقع تماماً، ويضعنا فجأة في مواجهة حاسمة مع قيم فاسدة، وأفكار مستهلكة، ظلت تحاصر البشر، وتفرض عليهم قوانينها، لتحولهم بالتدريج لآلات متشابهة في منظومتها القيمية ،و السلوكية ..

ولو أردنا التعبير عن ذلك بشكل أوضح، فيمكن القول أن مسرح العبث قادر على إفراغ الواقع من إطاره، والتعبير عنه، والارتقاء بمجموعة من الأحداث والروابط الغير عادية، والغير متوقعة .. أي التعبير عن الواقع ، بأفعال تتجاوزه .

ولذلك يقول يونسكو :

إن الكاتب ليس مربياً أو خطيباً واعظاً، فالإبداع يستجيب لضرورة فكرية ملحة. الشجرة هي شجرة وليست محتاجة للتعريف بنفسها كشجرة. وهي في غنى عن تصريح مني لتبرر وجودها كشجرة

بالنسبة ليوجين يونسكو- وهو رائد المسرح العبثي- ، فيكفي مثلًا أن نقول أنه كان صديقاً مقرباً لإميل سيوران، وكان عنده نفس تشاؤمه ، لنُدرك حقيقة تفكيره بشكل عام، وإن كان تعبير يونسكو يختلف عن سيوران في سخريته، وتهكمه، واستفزازه الذي يحكم تشاؤمه .

كما أن أحداث الحرب العالمية، بكل ما فيها من مناظر مرعبة، ومشاهد دموية، طرحت في الأدب المعاصر لهذه الفترة الكثير من التساؤلات حول مدى جدوى الأفعال الإنسانية، ومدى حرية الإنسان، ومال الحكمة من قتل الملايين من البشر، وما الغاية من الحياة .. إلخ

لذلك فإن مسرح العبث، ومنه هذه المسرحية، وغيرها من مسرحيات يونسكو، تتناول هذه التساؤلات بطرق مختلفة، والتي دائماً تكون تشاؤمية، تؤكد عقم الحياة البشرية المعاصرة، والوهم الذي تسكنه أحلام النيام.

أول ما لفت نظري بعد نهاية المسرحية، هو أن كل أحداثها لا علاقة لها بالعنوان من قريب أو من بعيد، فقط عبارة وردت عرضا عندما تقرأ النص، هى سؤال وجواب يأتيان فى خضم الحوار:

ــ ما هى أخبار المغنية الصلعاء؟

الإجابة: مازالت تصفف شعرها بالطريقة نفسها.

وكان هذا هو أول اللامعقولية في المسرحية ..

شخصيات هذه المسرحية، شخصيات برجوازية، قال عنها يونسكو :

هم بدون مميزات، إنهم مجرد قطيع كائنات بدون ملامح، أو بالأخرى إنهم إطارات فارغة، يتكلف الممثلون بإعارتها ملامح وجههم، روحهم، جلدهم، عظامهم .

إن شخصيات سميث، مارتان.. لا يعرفون كيف يتكلمون، لأنهم لا يعرفون كيف يفكرون، ليست لديهم أهواء، لا يعرفون كيف يتواجدون، بإمكانهم أن يصحبوا أي شيء، أي أحد لأنهم ليسوا الآخرين…. بإمكاننا أن نضع مارتن مكان سميث، ولن نلاحظ أي تغيير

وهذا أفضل ما في المسرحية، إن يوجين يونسكو استطاع ببراعة، ومن خلال لغة الشخصيات وخطابها أن يمارس فعله التدميري المرغوب.

ومن قراءتي لأعمال يوجين يونسكو استطيع القول، أن العبثية في مسرحه تكمن في تفاصيل الحياة اليومية الغارقة في اللا معنى ، رأيت هذا في مسرحيته جاك أو الامتثال، ورأيته الآن في هذه المسرحية للدرجة التي جعلتني اقف فعلاً ، واسأل نفسي :

هل تتشابه حياتنا مع حياة هذه العائلة البرجوازية في المسرحية؟ هل تحولت حياتنا اليومية إلى مجموعة من الأفعال، والأحداث المتكررة إلى مالا نهاية، هل حياتنا أصبحت عجلة لا تكف عن الدوران، يتحكم فيها العود الأبدي دائماً !!

إن البراعة أن يجعلك الكاتب تشعر بكل هذا .. بترتيبه اللا منطقي للأحداث، والكلمات، والحوار الذي لن تستهلك الكثير من الوقت لتشعر بخلل ما داخله، وشخصياته فاقد الإرادة، والتي يمكن ببساطة أن تغير شخصية مكان أخرى دون أن تشعر بأي فرق، فالجميع غارقين في المأساة، متشابهين في كل شيء !!

إن المغنية الصلعاء هي محاكاة ساخرة لحواراتنا وأحاديثنا المتبادلة، ولما يسمى بالوضع الدرامي في حياتنا، ولعجزنا عن الصمت وتعد هذه المسرحية بحق نموذجا لمعنى العبث في الحياة

أما النهاية، فقد مثلت هذا الفكر العبثي، وهذه النتيجة الحتمية بطريقة مذهلة، عندما استرجع يونسكو الحركات والأحداث بسرعة، لتعود المسرحية مرة أخرى بشكل عكسي، وصل بالعبث إلى الذروة ، لتصبح حياة البشر ولغتهم كحياة الحيوان ولغته ، لا فرق إذاً .. لا فرق ..

وفي النهاية .. ما زالت المغنية الصلعاء تصفف شعرها بنفس الطريقة، وما زالت العجلة تدور دون تغير .

Read More »
موقع الكتابة الثقافي

الرب يسير على وجه الماء

يجلس على أول شارعنا. صغير الحجم، رمادي الشعر، طويله، تبدو عينيه الزرقاوين شديدتا الوسع من أسفل الجدائل الخشنة المتشابكة بفعل قلة الاستحمام. يرتدي بلوفر أخضر وكوفية صوفية عديمة اللون، كما يحمي يديه بقفاز دون أصابع
أنا لا أكرهه. وكيف أكرهه وهو منذ أتى إلى شارعنا والشارع لم يعد كما هو، ولا الناس أصبحت هي الناس. فالفكهاني أصبح يبيع برتقالات مشتعلة أسطحها، وعيدان القصب عنده تطلق بخوراً برائحة الياسمين، أما البنجر عند جاره الخضريّ فيصفر عندما يبدأ الناس في تعبئته في الأكياس الخيشية الخضراء. والأغرب من هذا كله أن الفكهاني لم يعد يتشاجر مع الخضري، وماما لم تعد تكره تيتة حسناء كما أن بابا أصبح يعود من قعدات المزاج متورد الوجه، سمح النفس، وفي يديه بلح أمهات تلتمع على قشرته السميكة نجوم لا يخفت التماعها حتى ولو فركنا القشرة خمسين فركة. أذكر أن أختي ابتسام هي التي أخبرتني بموضوع الخمسين فركة هذا وهي تقسم عليه بحياتها، رغم أنها تتطير من هذا القسم عادةً.
قدم على طرف الرصيف والأخرى على الأرض، أحاول استجماع شجاعتي والاقتراب منه. أريد أن أعرف كيف يبدو وأنا ملاصقة له. الكثير يلقون إليه بالمال في العلبة الصفيح منزوعة الغطاء التي يضعها إلى جانبه دون أن يلتفت إليها ولو لحظة، رغم أنهم كثيراً ما يلقون بمبالغ ضخمة لا يتخيلون أنها قد تفارق جيوبهم في يوم من الأيام. ألقيت له ذات مرة بالعشرين جنيه التي أعطتني إياها أمي لأشتري بعض المستلزمات من جودة البقال، ظللت أسير في طريقي نحو البقال يومها، ووجهي يتبدل من سعادة العطاء للفهم البطيء ثم الهلع. بخطى مرتعشة أستدير لأعاود أدراجي للمنزل فقط لأجد تلك اللافتة المضيئة أعلى ذلك السوبر ماركت الشهير.
(مفاجأة اليوم، تسوق بالمجان!!)

آخذ نفساً عميقاً وأتجه إليه في ثبات. أراه يخرج قنينته ويجرع الخمر على دفعات متباعدة. لا أعرف كيف تأكد الناس من أنه يشرب الخمر؟ أبسبب القنينة؟ ربما يكون قد ملأها بالعصير أو حتى الصودا؟ رفعت رأسي إلى فوق، كتل السحاب متجمعة كغزل البنات السكري، و الشمس تبرز وتختفي محتالة على المارين ليخففوا من إحكام قبضاتهم على ياقات معاطفهم. يترك كعبيّ صوتاً كالجرس على الأسفل المترب، وإذ أراقبه بطرف عيني، أراه وهو يرمق الأطفال بنظرة خاوية فترسل ضحكاتهم نوتاً موسيقية لسماء الظهيرة، أراه ينظر لامرأة عجوز فتقف على قدميها معتدلة، تتحسس ظهرها الذي كان منحنياً من ثانيتين وتبتسم كاشفة عن فم خلا من الأسنان. أكره ابتسامتها، لذا أبتعد بنظري عنها وأواجهه. أكتشف أنني على بعد سنتيمترات قليلة منه فقط. كيف مشيت كل هذه المسافة وأنا لا أشعر؟
فيروز.”

ابتسمت له.
كنت عارف إنك هتيجي.”

***
الاسم: فيروز السيد طلبة، السن: إحدى عشر عاماً، المطرب المفضل: ريكي مارتن وعامر منيب.
الحبيب الغائب: مسيو جان، مدرس اللغة الفرنسية بالمدرسة.
ألم أخبركم أن أبي أخرجني من مدرستي الحكومية، وألحقني بالليسيه الفرنسية؟
من بعد الحجاب والجونلة الرمادية، أصبحت أرتدي بنطلوناً كحلي اللون وقميصاً بلون off-white.
بعد انتقالي للمدرسة الجديدة، فتحت وعلى غير العادة أبواب البيت الكبير.
البيت الكبير؛ موكب فوزية هانم وهي خارجة لتقص شعرها عند كوافير كارمن، الذي لا يعمل به سوى الرجال رغم اسمه الحريمي.
البيت الكبير؛ وساندرا التي مازالت تتمنى لو أصبحت ثائرة. قصت شعرها وحلقت حاجبيها ودفنت نفسها في حديقة البيت، خرجت من ذراعيها سيقان التيوليب وأفرع الليلاك وبذور عباد الشمس.
تيتة حسناء تحب أن تمضغ بذور عباد الشمس، تقول أنها مقوية للعظام بينما تسخر منها أمي قائلة “أنتي كبرتي يا حماتي على الوصفات اللي زي دي، خلاص مافيش رجالة هتبصلك.”
أحاول مرة أن أمضغ تلك البذور، لها طعم الفول السوداني شديد الملوحة، وخامة شهية صقيلة، تلتصق بسقف الحلق.
الغريب أن عظامي لم تتحسن –كنت فكرت في تناولها بعد أن أرهقت نفسي في حصة التربية الرياضية بالمدرسة- لكن أصابعي تورمت وشعرت بسخونة غريبة تفور في جسدي بدءاً من وجنتيّ وحتى محيط الوسط.
لا أعرف لماذا أخذت قبضة من البذور وركضت صوب البيت الكبير. وإذ وقفت أتلصص على الحديقة من بين فتحات السور الحديدي العظيم، رأيت ساندرا وهي تحاول أن تكون ثائرة، تستحم في الطين الطري في وسط الحديقة.
لمحتني، ناولتها سيجارة وبضعة حبيبات.
ستي بتسميها روح الشمس،” قلتها في خجل، فربتت على رأسي بيدها الطينية ووسخت شعري.

***
منذ ترك شارعنا وهو يجول في الأنحاء. يتمتم بكلمات غامضة، قد تكون رسالة أو بشارة أو نذير. سمعت من ساكني الشوارع الأخرى أن أحداً لا يتعرض له بأذى، رغم شكوى مؤذني الجوامع من رائحة الخمر التي تفوح منه أثناء أدائهم لصلاة الفجر. أحياناً يجدونه قد انضم إليهم في المسجد، ينام في ركن من الأركان، وقد برزت أصابعه من شرابه الممزق، كريه الرائحة. في مرة وجدوه داخل المعبد اليهودي الكبير المغلق في مصر القديمة، كان يغط في النوم بينما الصلوات تتلى وراء منه. لم يستطع أحدهم طرده كالعادة، وعندما حاولت الذهاب إليه ومحادثته، تظاهر بالصمم وتجاهلني.
في مرة ضبطته يعدل من وضع السماء، حرك سحابتين بأصابعه طويلة الأظفار حتى امتزجتا ببعضهما البعض. شهقت من الدهشة فلم يبد عليه أنه لاحظني.
قلت لأمي عما حدث فصفعتني وبكت حظها في ابنتها الوحيدة، حاولت إخبار أبي، لكنه أصبح يعود من قعدة المزاج مسكيناً، هائماً في اللحظة التي كان فيها بعيداً عن الأرض.
الوحيدة التي صدقتني هي تيتة حسناء، والتي أخبرتني بأن الله يرسل ملائكته في هيئة حيوانات ومتسولين ليختبروا عباده الطيبين.
بس أنا مش طيبة يا ستي.”

أنتي ست البنات، وأطيب البنات.”

***
عندما علمت بموت ساندرا، كنت الوحيدة التي ذهبت لتعزية فوزية هانم. لم تذهب أي من نسوة الشارع، ولا قريباتي، ولا أمهات زميلاتي بالليسيه.
عمري الآن خمسة عشر عاماً. شعري أصبح طويلاً للغاية، ناعم كالحرير. هكذا تقول تيتة حسناء. كثيراً ما تدعكه لي بزيت اللوز والمسك. أبي مات. وكم كنت أتمنى لو قابل مشعوذ شارعنا في العالم الآخر، ربما هو الملاك المسئول عنه هناك.
في حوش البيت الكبير، أحواض كثيرة لزهور عباد الشمس، كل الزهور منتكسة، ربما حزناً على صاحبتها التي ماتت. لمحته يطبق بتلات زهرة على نفسها، هو هو بالبلوفر الصوفي والطاقية عديمة اللون.
استنى،

ركضت وراءه فقط لأكتشف أنني كنت أطارد ظلي. كالحلم تجسدت أمامي فوزية هانم، بعصاها والشعرة البيضاء اليتيمة في مقدمة رأسها.
البقية في حياتك.”

سلمت علي دون كلام، ثم سلمتني طرد صغير ملفوف بورق بني اللون.
***
فيروز.”

ابتسمت لخطيبي وهو يلبسني الدبلة، رفعت رأسي للسماء، وجدت السحب تتجمع ببطء لتغطي وجه القمر.
ثانية واحدة.”

قمت من جانبه، لم ألتفت لهمهمات الدهشة ولا لنداء أمي بصوتها المبحوح الذي أتلفه الغناء سراً على سطح البيت عند الفجر. في حوش البيت الكبير، حيث تقام خطبتي على ابن فوزية هانم العائد من فرنسا، وقفت أتأمل أحواض عباد الشمس الذابلة. لم أعير أذناً للصخب من ورائي، خلعت حذائي عالي الكعب، وحفرت حفرة صغيرة في أحد الأحواض التي ماتت كل زهورها. عندما وصلت لمبتغاي، أخرجت البذرة المغطاة بالطين والتي تفوح منها رائحة طازجة تغمرني بالحنين إلى أول يوم رأيته في شارعنا.
وخرجت، ومن ورائي اشتعلت البرتقالات فوق عربات الفاكهة، وأطلقت عيدان القصب بخوراً برائحة الياسمين.

Read More »
SQL requests:167. Generation time:0.831 sec. Memory consumption:36.58 mb