موقع الكتابة الثقافي

رحلة البحث عن وجهٍ نعرفه (5)

أميرة كُريم 

إن لم تجد لك ذِكراً هنا

فاعلم أني لم أرك وأنا أمر

…………………………….

 وفجرٌ كاذبٌ لاح في الأفق

و انتشر المسير كيفما اتفق

لا لا…لا تسر

لا تثق

الشمس تُزهر خلف النفق

وهواه…

ذاك النَزِق

……………………….

 في الفجر أنا أول المستيقظين، لأطهو الطعام مثلما أفعل كل صباحٍ منذ عامين ونصف العام. أبدأ مبكراً جداً، ثمانية وعشرون رجلاً وخمسة صبيان يأكلون جميعهم من يداي، لا إمرأة في القبيلة سواي، أقوم بأعمال النسوة  دون معاونة، ألفق الثياب، أنظف الخيام، أٌطُعم الماشية، وقد أرعاها كذلك إن لزم الأمر، أمرني الرئيس منذ البداية أن ألتزم الصمت تماماً قائلاً بجدية:

 

Read More »
موقع الكتابة الثقافي

الفيسبوك.. فضاء أزرق لمواطني دولة باتساع الخيال

    اندهش جمال حمدان حين أخبره صديق، في زيارة استثنائية لبيت العالم المعتزل، بوجود اختراع اسمه «الفاكس»، الضيف نطق الاسم الصارم للجهاز: «الفاكسميلي» بشيء من التفخيم والاعتزاز، كأنه المخترع. زف إليه البشرى بقدرة الجهاز على نقل صور ونصوص إلى جهاز مماثل، «فاكسميلي» أيضا، على الطرف الآخر من الكرة الأرضية.

Read More »
موقع الكتابة الثقافي

أشياء لم تقلها ذاكرة الرحيل

عزة رجب

أتساءل عن الحيرة التي تزورُ رعشة قلبي

الضباب الذي ينزلُ كلما استحاضتْ الشمس قبل شروقها

الأسئلة التي يكتبُها وجهُ الغيم فوق صدر مدونتي

أعمدة الدخان التي تتلوى من دق عنق الـ / نعم !!

كل شئ في الخارج يسير حافي القدمين

لا تمنحُ الحياةُ شيئاً غير صكوك الفقد

وشهادات الوفاة!

مات أبي.

لحقتْ به أمي في شهقتين وزغرودة شوق

كلاهما شد الوثاق حتى انقطعت به كلمات الرحيل

عرفتُ حينها لماذا قال الله

(فأما اليتيم فلاتقهر )!!

سيحتضنني وجه الغياب لأغرق في سبت بكائي

ويوم لا أسبتُ

سأُطلق ساقي للريح لأسابق كفني متسائلة

عمن سيحظى ببياضي؟

ومن سيلوي كفه على خيط وداعي؟

ومن سيفقأ عينيه بحثاُ عن ظلي قرب دُميتي وسريري؟

كلنا أوراق صفراء.

هذا ما قالته رمال المقبرة

وتلك القبور المشرعة أفواهها للموت

تتذوقُ رائحة البرد في غرابة الصمت الساكن بعيونها

تتدفأ بالأزهار المُلقاة على كتفها

تتلقفها في صمت مسكين

تسألُ متى يقابل الرحيل وجه الرحيل،

عرفتُ حينها لماذا قال الله (و أما السائل فلا تنهر) !!

لم يعلمني الفراق سوى لعنات الاشتياق

لم يتركْني سوى أعقاب سيجارة منطفئة قهرا

منسأتي تتآكل من تحت قدمي

مُبللة أنا بذكراهم حتى قاعي ونخاعي

مُنتظرةً سقوطي السليماني الغافل عن موعد يومه

هل صارتْ روحي ميتةً جراء فتح أيقونة الرحيل

حين قابلني وجهي في المرآة باحثاً عني

قال لي الله (وأما بنعمة ربك فحدث).

ـــــــــــــــــــــــــــ

عزة رجب – شاعرة – ليبيا

Read More »
موقع الكتابة الثقافي

قراءة لـ أنفاس أخيرة

أحمد شاكر 

مدخل:
قال الرافعي في مدخل كتابه السحاب الأحمر:
من للمحب ومن يعينه.. والحب أهنأه حزينه!
أنا ما عرفت سوى قساوته، فقولوا كيف لينه. 

ثيمات النص:
هنا نصوص ذاتية، ثيمتها الأساسية الحب/الكتابة. لنبدأ بالحب. إهداء الكتاب إلى القاطنين بالقلب، وقربه. (إليه). هو الحبيب البعيد القريب الغائب المتخيل الحاضر على مدار النص كله. وملهم تلك الكلمات (أصبحت أوقن أن دورك في حياتي ما كان إلا ملهما، كان له الفضل والشكر العظيم على غزير الحروف..). إنها أشبه برسائل إليه. يرتجى منه أن يعرف أنها كتبت إليه وأنه صاحبها. لكن كيف وهي غير مرأية له (كاتبة تلك النصوص). إنها تغمض عينيها على أمل بأن يراها يوما. ولأنه بعيد فهي تكتب عنه وإليه. لو كان قريبا لأصبح الأمر أيسر تقول (لكنت غازلتك وجها لوجه لا من وراء حجاب)، حجاب الورقة. الكتابة. ثم في نص آخر تعلن توقفها عن حبه، كيف؟ بالتوقف عن الكتابة له وعنه. إذا فالكتابة فعل حب. لكنها قطيعة غير يقينية. أمنية وفقط. ناتجة عن وجع القلب (وعلى أغلب الظن لن أفعل ) تقول. وفي اليوم التالي تعود لفعل الكتابة. 

Read More »
موون دوك سو: خطوط .. خطوط .. خطوط

موون دوك سو: خطوط .. خطوط .. خطوط

أحمد شافعى

ولد الشاعر “موون دوك سو” سنة 1927 في “هام آن” بـ كوريا. يعمل أستاذا للأدب الكوري، ويقيم في سول بكوريا الجنوبية مؤتمرا سنويا عالميا للشعراء. في سنة 1990، صدرت مختارات من أعماله الشعرية التي تبلغ نحو عشرة كتب. وقد صدرت هذه المختارات مترجمةً إلى اللغة الإنجليزية بعنوان “أفق خريفي”. القصيدة التي نقدمها له هنا مأخوذة من أنطولجيا للشعر الكوري صدرت باللغة الإنجليزية بترجمة جيرمين دروجنبرودت ويشير موقع بوينت POINT  الشعري إلى أن القصيدة مكتوبة في ذكرى الفصل بين الكوريتين.

***

المجال الثالث

رسمتُ خطا مستقيما

فاصلا هذا الجانب عن ذاك.

في هذا الجانب يسقط الجليد الأبيض

بينما يسقط في الآخر

الجليدُ الأحمر.

والغريب

أن الجليد لا يحدث أن يذوب.

أرسم خطا منحنيا.

في جانبه هذا الجنوبُ وفي ذلك الشمال.

يستحيل الخط سلكا شائكا.

والغريب،

أن السلك الشائك لا يحدث أن يصدأ.

أرسم في الأرض خطا عميقا.

الفاكهة الخضراء تنضج في هذا الجانب.

الفاكهة الحمراء في الجانب الآخر.

الغريب أن من يأكلون من الفاكهة

وإن كانوا أشقاء

يصبحون أعداء إلى الأبد.

أرسم خطا كأنما بنصل سكين

وعلى هذا الخط يقوم جدار

ومن يجتازون الجدار يموتون.

والغريب أن البنادق والسيوف تحمي الجدار.

أرسم خطا، مستقيما أو منحيا

فلا تنقسم السماء فوق الجانبين

إنما هو مجال ثالث

تنمحي به الخطوط.

***

وهكذا لا أمل. والفردوس المفقود يبقى مفقودا، لا سبيل إلى تحققه على الأرض، ولا سبيل إلى انمحاء التقسيمات القائمة على الأرض، ولا سبيل غير السماء إلى وحدة بين البشر جميعا: الإخوة بالميلاد، وبالدم، وبالمصير النهائي لو يعلمون.

أعني لو نعلم.

قد يشير موقع بوينت إلى أن القصيدة مكتوبة في ذكرى انقسام بلد واحد إلى بلدين، ولكن ما من شيء في القصيدة نفسها يدعونا إلى اعتبارها قصيدة مناسبات يجدر تذكرها في يوم معين من كل عام.

ذلك أن الخطوط البشرية، خطوطَ إقصاء الناس للناس، مشاعٌ في كل صفحة من صفحات الأطلس. ذلك أن الحدود، لسوء الحظ بكل تأكيد، باتت رمزا عالميا لا يخطئ أحد التعرف إليه حين يراه.

ولكن خطا مرسوما بالقلم، بل خطوطا كثيرة مرسومة بأقلام من مختلف العصور وفي مختلف اللغات، تجعل السماء نفسها مقسمة بيننا، وخلف كل قسم يرى البعض منا ما يشاء.

تأملوا قليلا فيما يراه المسلم والمسيحي واليهودي حينما ينظر الواحد منهم إلى ما وراء السماء، تروا أنه ليس الشيء نفسه. وإذا اختلافنا في تصورنا عما وراء السماء، وفي ماهية خالقها وخالقنا ومن إليه أمرنا وأمرها في نهاية المطاف، إذا بهذا الاختلاف يصير مبررا لعداوة بين الأشقاء لا تنتهي. تذكروا كم من روح أزهقت باسم الدين، باسم الخلاف العقائدي والمذهبي على مدار التاريخ، تذكروا قرونا من الحروب الصليبية بين أوربا والشرق الأوسط، تعرفوا أن تصور السيد “مون دوك سو” عن السماء هو في مثل تصورات الأطفال براءةً أو سذاجة.

ولكن ثمة خطوطا كثيرة من صنع البشر توحّد بيننا نحن الإخوة المتحاربين منذ قابيل وهابيل وحتى أحدث مذبحة سمعتم بأمرها في نشرة الأخبار. وجربوا هذه الخطوط. جربوا أن تضعوا نوتة موسيقية أمام فرقتين موسيقيتين كل منهما في قارة، بل ربما كل منهما في زمن، وانظروا إلى نفس الموسيقى تقريبا يطرب لها العازفون وينتشون. جربوا أن تضعوا بعض خطوط والت ديزني أمام الأطفال من أي ثقافة ووسط أي نوع من أسلاك الحدود الشائكة وانظروا إلى نفس الدهشة البريئة والمتعة الطيبة ترتسم آياتها على وجوه الصفر والبيض والحمر والسود. جربوا هذا، وابحثوا في جوجل عن أكثر الشعراء مبيعا في الولايات المتحدة تروا أنه جلال الدين الرومي المسلم الصوفي، جربوا أن تقرأوا دون كيخوتة أو العجوز والبحر أو الجريمة والعقاب وحاولوا ألا تروا أنفسكم، وما أنتم بأسبان ولا روس ولا أمريكيين، في موضع الفارس أو الصياد أو الطالب المجرم.

تلك خطوط أخرى، وهي الأخرى من صنع البشر، وهي الأخرى غير قابلة للصدأ، ولكنها لا تقسم العالم، ذلك أنها ليست خطوطا ترمي إلى عزل الكنز إلا على أصحابه، بل هي تريد أن تشيع الكنز بين جميع أصحابه، بيننا جميعا.

Read More »
ديوان موسيقي وحيد لـ بهاء الدين رمضان

ديوان موسيقي وحيد لـ بهاء الدين رمضان

يقول جلال الدين الرومي في كتابه المثنوي متحدثًا عن النفس البشرية التي تتوق إلى أصلها، وتتألم حنينًا وشوقًا إلى زمن وصالها بالذات العُليا ” أنصِت إلى النَّاي يحكي حكايته، ومن ألم الفراق يبث شكايته، مُذ قُطِعتُ من الغاب، والرجال والنساء لأنيني يبكون”

وفي ديوان “مُوْسِيقِيٌ وَحِيدٌ” للشاعر بهاء الدين رمضان الصادرة  طبعتُه الأُولى عن دار المحروسة يَسْقي الشاعر جذور قصائده  لتتغذَّى بماء الفكرة نفسها التي تحدَّث عنه “الرومي” حيث وِحدة الكائن وتَوْقِه الدائم إلى المُطلق، إلى السماء، إلى أعلى حيثُ الحقيقة التي يتشوَّف إليها كُلُّ بشري.

Read More »
قناص أمريكى

قناص أمريكى

الطاهر شرقاوى

فى فيلميه الذين تناولا معركة واحدة فى الحرب العالمية الثانية بين الجيش الأمريكى واليابانى، وهما “أعلام آباؤنا” و “رسائل من ايوجيما”، أراد المخرج والممثل  الأمريكى كلينت ايستوود أن يبين لنا مدى بشاعة الحرب، لكنه فى فيلمه الأخير “قناص أمريكى 2014” يتبنى وجهة نظر مختلفة، تصب فى صالح مشروعية الحرب والقتل، مقدما تبريرات مغلوطة لأسباب غزو العراق فى 2003، والتى ربما لن يهتم المشاهد الغربى بالتدقيق فى مدى صحتها وسيستقبلها باعتبارها الحقيقة.

الفيلم مقسم على أربع جولات لحياة كريس كايل القناص فى الجيش الأمريكى وأدى دوره الممثل بريدلى كوبر، ويوميات الحرب فى الفالوجة بالعراق، متبنيا طوال الفيلم وحتى مماته، وجهة نظره السلبية تجاه جميع العراقيين، وأنهم وحوش يجب قتلهم وسحقهم، لمنع اعتدائهم مستقبلا على أمريكا، موضحا لزوجته أن ذهابه الى العراق هو حماية لها.

وجه النظر المغلوطة تلك أبرزها وأكد عليها كلينت ايستوود منذ بداية الفيلم، وظهرت واضحة فى تألم البطل أثناء مشاهدته فى التلفزيون لآثار الاعتداء على السفارة الأمريكية فى دار السلام بتنزانيا ونيروبى بكينيا، وبعدها أحداث برجى التجارة بنيويورك، وهو ما دفع كايل الى التطوع فى الجيش لمحاربة العراقيين الأشرار، وهنا تأتى المغالطة الكبرى، فلا العراقيين فجروا السفارات فى شرق إفريقيا ولا هم خطفوا الطائرات وفجروا برجى التجارة، من فعل ذلك هو القاعدة، والقاعدة ليست هى العراق، حتى أنها لم تكون متواجدة بأرضه إلا بعد أن غزاها الأمريكيون، معطين لها مبررا قويا لوضع أرجلهم بها، وهو ما أنتج فى النهاية وليدها داعش.

العراقيون فى قناص أمريكى ثلاثة لا رابع لهم، إما منضمون الى القاعدة أو متعاونون سرا معها بمدها بتحركات أرتال القوات الأمريكية، أو طماعون يرغبون فى بيع معلومات عن الزرقاوى مقابل آلاف الدولارات، وهو ما يجعلهم لا يستحقون أى تعاطف من قبل المتفرجين، بل أن قنصهم كما يوضح الفيلم منع جريمة كانوا على وشك ارتكابها ضد المارينز.

القناص الذى أطلق عليه زملاؤه لقب الأسطورة والحامى، والذى قنص 165 عراقيا، سيبدو بهذا الشكل متوحشا وغير محبوب من المشاهدين، ويتطلب الأمر منحه بعدا إنسانيا، وهو ما قام به كلينت ايستوود، خاصة فى لحظات قنصه الأولى لطفل صغير وأمه، وتعبيرات الألم التى ظهرت على وجهه وتردده فى الضغط على زناد البندقية، أو ترقرق الدموع فى عينيه فى مشهد آخر، كل ذلك لا يغفر له قيامه بالقتل والذى يصل فى بعض الأحيان الى الاستمتاع به وكأنه يمارس هوايته المفضلة، خاصة وأن هناك سؤالا لم يتم طرحه، وهو من الطرف الذى يدافع عن نفسه فى الفيلم؟ العراقيون يدافعون عن أرضهم وبيوتهم فعن ماذا يدافع الأمريكان؟ وما الذى دفعهم الى القدوم الى أرض أخرى وقتل أهلها؟ وبنفس المنطق الذى استخدمه كايل لتبرير ذهابه للحرب وهو الدفاع عن وطنه ضد الإرهابيين، فإن العراقيين أيضا يدافعون عن وطنهم ضد غزاة.

أخو كايل الصغير والذى دائما ما كان فى حمايته بالمدرسة تطوع هو الآخر فى الحرب، وقد بدا مذعورا وزائغ العينين عندما قابله القناص مصادفة فى مطار عسكرى بالعراق، منهيا حوارا بسيطا بينهما بان هذه أرض ملعونة وإنه يرغب فى العودة الى الوطن، ربما كان مظهر أخيه ووجهة نظره فى الحرب الدائرة مخيبة لأمال كايل، فهو لم يتوقع ذلك منه، كان يتوقع شيئا آخر، نسخة مصغرة منه ومن أفكاره،  ومن شعوره بأنه الموكل بحماية الجنود من العراقيين.

ما الذى يريد أن يقوله كلينت ايستوود فى قناص أمريكى؟ هل يريد تبرير الحرب على العراق، أم تقديم تبرير للمتفرج عن سبب قتل جنود المارينز الذين سقطوا هناك؟ وهل يعتبر الفيلم بداية لتغيير وجهة نظر الدراما تجاه العرب والتى بدأت تتحسن بعض الشيء بعد أحداث 11 سبتمبر، وتبرير ذلك بظهور داعش وآثار الربيع العربى فى دول المنطقة، ولماذا يمجد المخرج الأمريكى الكبير من دور قناص قاتل دون إدانة واضحة أو مستترة لأفعاله، وهل يصنع الأمريكيون الآن شخصيتهم الأسطورية من خلال القناص، كبديل لشخصيات روكى ورامبو؟ كلها أسئلة ستتضح إجاباتها فى الأيام المقبلة.

Read More »
كوابيس يومية

كوابيس يومية

محمد صفوت

بعد انتهاء مراسم الدفن رددت الأم المقولة ذاتها وهى تحتضنه باكية وبنفس نبرة ويقين الفقيد الذين تركوه منذ لحظات وحيدا فى قبره دون عشاء: “الرجال لا يتوقفون عن الركض”

 بعدها ظل يركض هارباً من القرية ، يعرف أنهم يترصدونه ، قد تنشق الحشائش تحت قدميه فجأة ليخرجوا له شاهرين الموت فى وجهه ، ربما فقاقيع الماء فى الترعة تدل على أنهم يندسون له تحت القاع ، قد يجدهم عالقين بأسلاك الضغط العالى كخفافيش متحفزة، ربما تنكروا على هيئة سرب بط ، وقد تكون عيونهم تضوى هناك عند مزلقان السكة الحديد ، فبدأ يركض ليس فى اتجاه بيت عمته لكن إلى أى مكان أخر يصلح للركض ، بوصلة الكراهية والحقد كانت تقودهم إليه , كان عليه أن يمارس تمارين الحيطة والحذر, فىكل مكان له اسم  ومهنة ، يحلق رأسه أحيانا على الزيرو ، فتبدو كإسفلت ممسوح لتوه بالماء والصابون، أحيانا يترك شعره طويلا مضفرا سارحا على ياقة قميصه من الخلف ،يبدو فى أوقات نحيفا كحطبة، بعدها يبدو ممتلئا كامل الدسم، ينتقل من لوكاندة  صغيرة فى حى شعبى إلى غرفة ما على السطوح فى حى راقى, ينام مرة فى أحد جراجات السكة الحديد وحينا  فى أحد الأضرحة كمجذوب , عاش  أياما فى أحد الأديرة كمسيحى زاهد  قبل أن تكتشف أمره راهبة  أحبته طالبة منه أن  يهربا سويا من الدير، أخذ يركض بين أشجار الليمون والصبار وهى تستحلفه بمريم المقدسة أن يأخذها معه .

دائما يتحسس بحرص كل شىء قبل أن يقترب ,يضبط إيقاع نبرة شخيره قبل أن ينام ,لا يجب أن تستقر إليته على كرسى المرحاض خوفا من أن يقفزوا من النافذة أعلى رأسه , يكتم سعاله وضراطه وإلا سمعوا صوته، تتمدد قدماه داخل الحذاء أولا، تزحف داخله ببطء، تنظر يمينا ويسارا، تتلفت خلفها ثم تعدو, ينفض ملاءة السرير قبل أن ينام خوفا أن يكونوا بين طياتها، كانوا دائما وراءه، يراهم فى وجوه الناس العادية فى الشارع، عند بائع عصير القصب، على أغلفة علب السجائر والتونة.

 ذات يوم حطموا فاترينة زجاجية لمحل ملابس حين كان يتأمل جاكيت شتوى، فانطلقوا خلفه كدمى بلاستيكية شاهرين أسلحتهم المخفية فى طيات ملابسهم، ظل يركض فى شوارع وسط  القاهرة دون وعى حتى وجد نفسه قد أوغل فى الصحراء.

خرجوا  له مرة من تفاصيل فيلم سينمائى إذ توقفت سيارة مسرعة فجأة فى حركة دائرية محدثة دويا وغبارا، لقطة كلوز أب على السيارة، زجاج فاميه غامق يخفى من بالداخل، الزجاج ينسحب لأسفل، عيون غليظة تترقب فى حقد، الأصابع تتحسس برفق الأسلحة، قبل أن يقفزوا من السيارة ليطاردوه، انسحب ناجى كشبح طائر يشق طريقه فى ظلام قاعة السينما، كما ظهروا له على مؤخرة فتاة ليل شاهرين أسلحتهم كغزاة رومانيين رافضين بكل حسم  أن يفرغ من لذته، فهب ناجى من على جسدها عاريا، يركض فى فضاء الله الفسيح دون أن يهتم  إن كان قد أخذ قضيبه معه أو تركه وحيدا مرشوقا فى  فرج الفتاة!

يندهش عندما يجدونه ثانية، شعر أنه لا يجب أن ينام واقفا طوال عمره من أجل حفنة  تعساء يرون خلاصهم فى قتله, لا يمكنه أن يعيش دائما مثل برص يرتعش على الحائط، حينها تعقبوه بوجوههم الكالحة وبملامحهم التى ظهروا بها فى كوابيسه اليومية المعتادة على أحد كبارى القاهرة، انزلق من بين أصابعهم , تأبط سور الكوبرى العتيق، احتواه النيل بترحاب مبالغ فيه وخبأه بين جنباته، سبح طويلا متدثرا بالظلام, خيل له أنهم كامنون فى الأعماق، وأنهم سيسحبونه من قدميه  إلى أسفل كتماسيح موتورة، عندما وصل إلى الجانب الأخر من النهر ارتمى بين أكوام من الحلفا والبوص وهو يرتعد, ضربته نوبة حمى  قاسية, شعر بدائرة مغلقة  من السخونة والغليان  تندفع  كحمم  من رأسه  إلى أنحاء جسده  وبالعكس, راح يهلوس باستفاقة وبوعى كامل، ينزلق من أنفه ريم وزبد أبيض وهو يعلن للخلاء المحيط  قراره المصيرى:

“ما دمتم  قد وضعتمونى على حافة القتل فلتموتوا جميعا وتهبونى الحياة، ليكن  القتل ما دمتم ترون أن القتل من أعظم اختراعات الإنسانية ، إبليس نفسه لم يضبط يوما بحوزته سكينا ملطخا بالدم ولم يجد خبراء المعامل الجنائية شعيرات من فروة رأسه بين أظافر الضحايا، لتكن محرقة إذن, نارها ليست بردا ولا سلاما عليكم بل حمما تلفح وجوهكم وتطهركم تطهيرا،  ليكن طوفانا  يعلو الجميع، لا سفينة ولا نوح ولا من كل زوجين اثنين, وعندما تبتلعكم الأرض فى قرارها المكين، تخرج الشمس من مخدعها وتشد ستائرها على الليل المظلم، ليبدأ نهار آخر، تتشكل الأشياء من جديد،  لعل الطبيعة تتلافى أخطائها السابقة هذه المرة”.

ــــــــــــــــــــــ

فصل من رواية “القتلة يحتفلون بالفالنتين” – دار الحياة

Read More »
الكئوس الحجرية

الكئوس الحجرية

الكئوس الحجرية

تلك التي نشرب منها نشرات الحرب

لا تتحطم اذا قذفنا بها غاضبين

ولا تصلح لاحتفال آخر سوى الهزيمة

الكئوس التي امسكت بأرواحنا تشربها

على شرف الانفجارات

وصحة الجثث

بينما الجبال وحدها من عرفت مذاق الدم

وأرسلت الرمال لتربت

 

Read More »
SQL requests:184. Generation time:1.402 sec. Memory consumption:36.89 mb