يوميات.. في محبة السينما

في شبه إدانة فنيَّة مُهذَّبة ينعت ميلان كونديرا علاقات الحب في روايات دوستويفسكي بأنها علاقات تتم تحت جناح الشفقة، ويُعلِّق كونديرا، بأن الشفقة هي الباب المستحيل للحب، ولذكاء المُلاحَظَة ودقتها، تنقلب على قائلها، لتصبح معياراً فنياً لا يطاله الزمن، وكأنَّ للفن غاية أخرى أعظم من أن يطرق أكثر الأبواب استحالة. وفي محاضرات أندريه جيد العميقة عن دوستويفسكي يقول بأن المنطق الغربي لم يفهم مشاعر الشفقة والإهانة والذل، وكل ما يحط من الكرامة الإنسانية، وهي مشاعر أبطال الروائي الروسي الكبير، وعن يوميات دوستويفسكي يقول أندريه بأن المحزن في الكتاب، هو إلحاح السؤال من جانب دوستويفسكي، وهو شخص لا يجيد السؤال، لكأنّ المؤثر في عالم دوستويفسكي، ليستْ البراعة التقنية، بل التعثر والانفعال الحاد غير المبرر. كتب دوستويفسكي معظم أعماله عن سمات شخصية واحدة، وقرب نهاية أعماله، يُصرِّح بالاسم الحقيقي لتلك الشخصية، الأبله، وكأنّ هذا التصريح أخذ منه آلاف الصفحات قبل إعلانه مباشرةً في أجمل رواياته، تصفُ إحدى شخصيات الرواية الأمير ميشكين بطل رواية الأبله، بأن ظاهره كباطنه. لقد تحولتْ الشخصية الروائية مع دوستويفسكي إلى منطاد روحي كبير

في فيلم نوستالجيا لتاركوفسكي يقف أندريه بطل الفيلم في بِرْكة ماء راكدة تحدها جدارن معبد متهدم، والماء كعادة تاركوفسكي في أفلامه، راكد ثقيل يغذِّيه شريان غامض من ماء جار ضعيف، نسمع خريره، وقطرات مطر ثقيلة. يصل الماء إلى ركبتي أندريه، يظهر أمامه فجأة على حافة البِرْكة الراكدة طفل، يقول أندريه للطفل: ماذا تفعل هنا؟ لا تخف، الحقيقة أنا مَنْ يتوَّجب عليه الخوف، إنكم تطلقون النار في إيطاليا، أيضاً هناك الكثير من الأحذية في إيطاليا. يرفع أندريه قدمه من الماء الثقيل، ويشير بيده إلى الحذاء، ويقول للطفل: هذه منذ عشر سنوات، الحب العظيم، لا قبلات، نقاء كامل، ولهذا لا يُنسى، الإيطالية، أنا لا أجيد الإيطالية، إليكَ الحكاية. يبدأ أندريه في سرد الحكاية بالروسية. بِرْكة ماء موحلة فيها رجل، يُشاهِده آخر من على حافة البِرْكة، فينزل إليه، وينقذه من شبه غرق، وهما الآن منهكان على حافة البِرْكة. يقول الرجل للآخر: لماذا فعلت هذا؟ أنا أعيش هنا. يضحك أندريه وهو يُعلِّق على حكايته، لقد شعر الرجل بالإهانة والإحراج. يعود أندريه إلى الإيطالية، ويسأل الطفل عن اسمه، فتقول البنت: أنجيلا. كتب السيناريو بالتعاون مع تاركوفسكي الشاعر والسيناريست الكبير تونينو جويرا. الغريب أننا لا نشعر بعبث الحوار والحكاية، فأنجيلا لا تعرف أفضل من أندريه، السياق الجامع بين الأحذية وضرب النار والحب العظيم البيوريتاني، ولا تفهم أيضاً الروسية، لكنها مُرشَّحة بلمسة إيمان يائسة، لإنقاذ أندريه من بِرْكة الماء، ومن الممكن أن تنال من أندريه بعد عملية الإنقاذ كلمات عتاب، كما نالها الآخر من الرجل في حكاية أندريه.

ديفيد لينش

 في اعتقادي أن فيلم ديفيد لينش إنلاند إمباير2006 هو الجزء الثالث لفيلمي لوست هاي واي، ومولهولند درايف. إنها ثلاثية إسلوبية إن صح التعبير، وهي في إنلاند إمباير قاربتْ الحافة. لا أتوقع الكثير من حديث لينش عن أفلامه، فالسير وراء الفكرة، وتشبيه الأفكار بالأسماك، وعلى الفنان اصطيادها، وأنها ليستْ ملكاً لأحدٍ، وأن مخترعي الراديو توصلا بشكل متزامن إلى نفس الأفكار في إيطاليا وأمريكا، والمديح لسينما الديجيتال، حديث متواضع أمام ما يفعله لينش حقيقةً في الفيلم المُصوَّر. الأدق لو قال: إنه يسير وراء صور بحتة، تتناسل منها صور أخرى، وهكذا تتراكم صور الفيلم خالقةً بالقوة حُطام مَشَاهِد وأفكار وشخصيات. في إنلاند إمباير بدايةً، أجواء جريمة. هناك نيكي الممثلة غير المعروفة المُرشَّحة لدور البطولة أمام ديفون الممثل الشهير، في الفيلم السينمائي غد حزين في الأعالي، الذي سبق وأن قُتلا بطلاه بسبب لعنةٍ لها علاقة غامضة بحكاية الفيلم البولندية، وببولنديين كبار أشبه بصٌنَّاع السينما الهوليوودية في فيلم مولهولند درايف. تشْتدَّ إسلوبية لينش في استعراض كبار السن، فهم جميعاً في ثلاثيته، مُتيبسون الحركة، صامتون، يتحكمون في أقدارٍ ومصائر، يملكون إلى جانب السُلطة الدنيوية، وهي ليستْ هامة في تأويل جمالية ديفيد لينش، سُلطة أخرى، عبثية، مُصْمتة، ضيقة الأفق إلى أبعد الحدود، كأنهم عجائز برجمان، وقد نُزِعَتْ عنهم كآبة الرؤى الوجودية. يستعرض لينش في الغالب وجوه كبار السن بعدسات تضغط المنظور، وتُزيد من تشويه الوجه، لكنه يشترك مع برجمان في قسوة العرض فيما يتعلق بالصفات الفيزيقية. هناك أيضاً حكاية سوزان وبيلي داخل فيلم غد حزين في الأعالي، وهي دراما تتداخل إلى حد التماهي أحياناً مع دراما إنلاند إمباير، بحيث تُغلق في وجه المُشاهِدَ فرصة التفسير المنطقي. عالَم لينش في إنلاند إمباير هو عالَم مرايا، مثل حالِم وحلم، يوجد للحالِم ذاكرة، وللحلم أيضاً. ينسى الحلم صاحبه، يذهب لشخص آخر، هذا الشخص قد يتذكَّر شيئاً من الحلم، في هذه الحالة يُنسب الحلم إلى حالِمه، وقد لا يستطيع الحالِم رغم تذكُّره للحلم، تذكُّر تاريخ الحلم، فالحلم ذاته لا يتذكَّر تاريخه، وقد لا يتذكَّر الحالِم من الحلم شيئاً، وهكذا يتجول الحلم في البحث عن حالِم، دون دليل أو برهان على تجوله، أي دون دليل أو برهان على وجوده، ووجود الحالِم، فالحلم والحالِم في هذه الحالة مثل كفيفين، يبحث كل منهما عن الآخر في ظلمة مُطبَقة، وهما لا يعرفان أن هناك في الأصل عملية بحث، ولا يعرفان أيضاً ظلمة العينين، والظلمة التي تحيط. ماذا لو وضعتُ مكان كلمة الحلم، كلمة الدراما، ومكان الحالِم، الدراماتورجي، وبالتتابع مكان كلمة الدراما، إنلاند إمباير، ومكان الدراماتورجي، ديفيد لينش؟ وماذا لو كان هو مَنْ تصطاده الأسماك؟ أو هو على الأقل مَنْ تتعثر قدماه ببقايا أسماك ميتة؟ يختلط تاريخ سوزان بتاريخ نيكي، ويختلط بولنديو فيلم غد حزين في الأعالي، ببولندي فيلم إنلاند إمباير، ويختلط تاريخ الفيلم القصير بعنوان الأرانب الذي أخرجه لينش سابقاً، بتاريخ فيلم إنلاند إمباير الذي أخرجه لاحقاً، عن طريق حقن الفيلم اللاحق بمادة الفيلم السابق، بعد إضافة مَشَاهِد جديدة. عماء درامي كامل، وهكذا يتصاعد دوار إسلوبية لينش. ترتقي الموسيقى في أفلام لينش إلى حدٍ يُصبح معه إطلاق كلمة موسيقى على هذا النسيج الفريد، غير واف، إنها شريط صوت، بأرهف ما يكون عليه الصوت في السينما، أي أن هناك شبه استحالة وكأنّ الفيلم بأعْرَافه البديهية يقول غير هذا في التعامل جمالياً مع شريط الصوت بمعزلٍ عن شريط الصورة. وبالطبع تخرج قليلاً عن هذا التحريم الجمالي موسيقى أغنية في مولهولند درايف، وأغنية نينا سيمون في نهاية إنلاند إمباير. ما أقصده بشريط الصوت تحديداً، ليس سوى تنظيم الصمت وتوزيعه على زمن الفيلم. يشتهر لينش بأداء ممثليه القوي، وهنا رغم رطانته الفارغة حول إمكانات الكاميرا الديجيتال، يُفضِّل لينش في المَشَاهِدْ الرئيسية التعامل مع جماليات الكاميرا الثابتة، وهي جماليات كلاسيكية، طالما أن إمكانات الكاميرا الديجيتال تظهر بوضوح في الحركة، وفي شعوذات تقسيم شاشة العرض، لرؤية أكثر من حدثٍ في نفس الوقت، ورغم استخدام لينش في فيلم إنلاند إمباير الكاميرا الديجيتال، إلا أنه شديد التحفُّظ في استخدام إمكاناتها الجمالية. فإذا كان أداء لورا ديرن بطلة إنلاند إمباير، وهو أداء يُحسب في النهاية لمخرج كبير، بتلك القوة، فما الذي يجعله يسرق هذا الأداء بحركة الكاميرا المهتزَّة التي يُبالغ فيها على سبيل المثال لارس فون ترير، وهو الأحق برطانة التهليل للكاميرا الديجيتال. لينش في النهاية يشعر بعرفان لا شعوري لقدرة التكنولوجيا الرقمية على توفير الوقت، وسرعة الأداء، والحيز الضئيل الذي تحتله في المكان، أي أن جماليات الديجيتال ما زالت مشبوهة رغم شهرة بعض المُحاوَلات القبيحة في عالَم الديجيتال على يد لارس فون ترير، وما فعله في فيلم الأغبياء، بثقل وقعه التسجيلي، ورجْفَة الكاميرا المُنفِّرة، وتجاوزاته التي لا تُحسب للفن السينمائي من قريب أو بعيد. يحمل ديفيد لينش في مشهدٍ قرب نهاية إنلاند إمباير، رؤية قاتمة لهوليوود. سوزان بعد أن تلقَّت طعنة مميتة، تجري على أرصفة هوليوود الرخامية الشهيرة ببصمات ممثليها، وطباعة نجومها. بين يابانية وزنجي في جانب، وامرأة زنجية في جانب آخر، تجد سوزان مكاناً أخيراً بينهما. تنبِّه الزنجية المُشرَّدة من سريرها المرتجل على الرصيف، سوزان بأنها تحتضر، وتعبير الاشمئزاز على وجه الزنجية سمة لملامحها، وليس بسبب احتضار سوزان، وعبر المحتضرة تُكمل حديثاً، لا يبدو أن انقطاعه هو ما يجعله مبتوراً عبثياً، مع اليابانية الصغيرة التي يحتضنها صديقها الزنجي. الحديث يدور حول الذهاب لمدينة أخرى. لا تثق الزنجية بأن هناك حافلة تذهب من هوليوود إلى بومونا. تؤكد لها اليابانية أنها تستطيع أخذ الحافلة من هنا، شرط أن تأخذ القطار أولاً. واحدة من استحالات لينش الحوارية الأكثر جمالاً وروعة. تتقيأ سوزان دماً على وشم نجم هوليوودي، لعله جون وين، أو فرانك سيناترا.

 

قناع إنجمار برجمان

 يبدأ فيلم برسونا لإنجمار برجمان من نقطة قصوى، وهي احتراق شريط فيلم داخل آلة العرض السينمائي. وكما لو كان احتراق شريط الفيلم يعود بنا إلى صوره الأوليَّة، أو كما لو كان شريط الفيلم يسترجع أمامنا للمرة الأخيرة سيولة ذاكرته. عنكبوت ذئبي بسيقان مُشْعِرة، عينان مغلقتان تنفتحان بتزامن مع تغيير حجم اللقطة وثبات الزاوية مما يُحدث قفزة مُفاجئة، وجه عجوز صامت، رسم كرتوني مقلوب لامرأة تغسل ساقيها في بحيرة، أطراف أياد وسيقان مرتخية، مسمار يُدق في راحة يد، أحشاء خروف تنزلق لامعة مُخاطية. لا طريق لنا في قراءة فيلم برسونا عبر بدايته القصوى، أي أن احتراق الفيلم داخل آلة العرض السينمائي، ليس له علاقة بقصة الفيلم الحقيقية التي تبدأ مُباشرة بعد تتابع الصور القصوى. أثناء دراستي للسينما كانت مُحَاوَلَة دمج مسمار يخترق بطن اليد- صورة قصوى- مع حياة الممثلة إليزابيث فولجر- صورة حقيقية- هي سقطة التأويل المفرط الشائعة في قراءة الفيلم. وكان معيار المرح واليأس أن يصل أحد الدارسين إلى سؤال، إذا كان شريط الفيلم المُحترق داخل آلة العرض السينمائي، هو نفسه فيلم برسونا؟ أو أن يصل واحد أكثر شططاً إلى الربط بين احتراق الراهب البوذي في أحداث سياسية داخل المادة التلفزيونية المعروضة أمام إليزابيث فوجلر، وبين احتراق شريط الفيلم داخل آلة العرض السينمائي، وكأنّ صور فيلم برسونا الحقيقية، هي سيولة ذاكرة البوذي المحترق، بالرغم من السبق الزمني لواقعة انتحار الراهب البوذي على زمن تصوير فيلم برسونا. بصوت هادئ تحكي الطبيبة حالة ليف أولمان للممرضة بيبي أندرسون. تقرير الطبيبة مٌحايد وصاف ومعزول عن أدنى تعاطف إنساني، تقرير موضوعي، وكعادة برجمان يتم حرق النقاط الضعيفة درامياً ببرود، فيبقى تقرير الحالة عارياً إلا من أداء الطبيبة القوي، وبساطة الميزانسين، والتقاط أبعد التفاصيل لراحة الكاميرا، فبينما تستمع الممرضة ألما إلى تقرير الطبيبة، ترتاح الكاميرا على يديّ الممرضة المضمومتين وراء ظهرها. تتعرَّض إليزابيث فوجلر على خشبة المسرح أثناء أداء دورها لمسرحية إلكترا إلى صمت مُفاجئ، وتنظر النظرة الشهيرة لممثلي برجمان، وهي نظرة تكاد تصطدم بعدسة الكاميرا، نظرة مُرحَّلة قليلاً عن عين العدسة، وعن عين المُشاهِد، نظرة توهم بأن عين العدسة ليستْ هي عين المُشاهِد. إن المعضلات التقنية تذوب في سينما برجمان مع معضلات جمالية مُجرَّدة، بمعنى أن التطابق الآلي والتقني بين عين الكاميرا وعين المُشاهِد لا يسمح بحفر ممر ضيق خطير تنفذ منه النظرة إلى أفق غير محدود. تعود ليف أولمان بنظرتها إلى الجمهور الحاضر في كتلة سوداء بفعل كشَّافات الضوء المُسلَّطة عليها، وتهم بقول كلمات المسرحية، لكنها لا تستطيع سوى العودة مرة ثانية بنظرة الاستغاثة الباردة التي تنفذ كما الشعْرة بين عين العدسة وعين المُشاهِد، ويبقى الانطباع الغريب لأحمر شفاه الممثلة الخارج قليلاً عن حدود الشفتين ألماً رخيصاً لا مثيل له طوال الفيلم. يتحدَّث برجمان في سيرته الذاتية عن مخلوق يعيش داخله، يتحرك في أعماقه، ويوشك على ولادته، هذا المخلوق، نصفه إنسان، والنصف الآخر مسخ، ورغم أن الكائن المسخ يأتي في سياق حديث برجمان للتعبير عن حالته الإبداعية في زمن الشيخوخة، إلا أن كلماته عن الكائن المسخ، تصلح بأثر رجعي، وبشكل لا شعوري، لتفسير الصورة الشهيرة الشائهة في فيلم برسونا، بين وجهيّ بيبي أندرسون وليف أولمان، أكثر على سبيل المثال، من انزعاج ليف وبيبي عندما عرض برجمان عليهما في غرفة المونتاج، تركيب الوجه، وكان انزعاجهما من مُفاجأة القبح المنسوب إليهما. أعتقد أن برجمان كان سعيداً بالتملُّص الأنثوي الرقيق، وكأنَّه حاز العمق والسطح معاً. في حلم لليف أولمان، كانت بيبي أندرسون على حدود غابة، وكانت تتبادل مع زوجها وطفلتيها، قذف كرات صغيرة من الثلج، وعلى بعد بضعة أمتار، وبزاوية منحرفة كانت ليف تقف ساكنة. وليس لأدنى عاطفة كانت تشعر بها ليف ناحية بيبي، بل لأنها في زاويتها المنحرفة أحستْ بالوحدة والغيرة، تناولتْ كرة كبيرة من الثلج، وقذفتها على بيبي. انتبهتْ العائلة إلى الغريبة التي دخلتْ في المشهد. كان مثلث من النظرات في غاية الإحراج. بيبي على رأس المثلث، والزوج والطفلتان وليف على قاعدة المثلث. حاولتْ ليف مرة ثانية بكرة ثلج أكبر، وهي تقترب من بيبي، فأسرع الزوج والطفلتان لتغطية بيبي أندرسون بأجسامهم.

 

طيور هيتشكوك

 من أجمل تيترات الأفلام، وأقواها للمخرج ألفريد هيتشكوك، تيتر فيلم الطيور، غربان سوداء، تصفيق أجنحة، خليط أصوات، نوارس، وغربان، تآكل أسماء فريق العمل على الشاشة، محاكاةً لنقرات الطيور الحادة. داخل الفيلم ترى جيسيكا تاندي أم رود تايلور قبل اكتشافها لجثة المُزارع، فناجين معلَّقة من آذانها، متآكلة بفعل نقرات الطيور. يحكي هيتشكوك لتروفو، أنه كان يحتاج إلى شيء مثير يدفع الأم والمُشاهِد معاً للتقدم أكثر في منزل المُزارع، فابتكر الفناجين المُعلَّقة من آذانها في ردهة المنزل. لم يذكر هيتشكوك أن نقرات أسماء فريق العمل على تيتر الفيلم تُمهِّد أيضاً لنقرات الفناجين، ولم يذكر أن استجابة مادة الفنجان الصلبة لنقر الطائر، وكأنها مادة أكثر ليونة، تضع مخيلة المُشاهِد وجهاً لوجه، ودون رحمة، أمام استجابة جسم الإنسان لهذا النقر الوحشي. بألمعية يقول تروفو: إن العالم أجمع كان يتوقع بعد الحرب العالمية الثانية أن تكون نهاية البشرية على يد سلاح نووي، وإن الكارثة أبعد ما تكون عن الطيور. ليستْ الصقور أو النسور، بل النوارس والغربان، يقول هيتشكوك مُبالغاً بعض الشيء في بعده عن المُتوقَّع، مع أن النوارس والغربان لا تقل شراسة عن الصقور والنسور. يظهر ألفريد هيتشكوك في أول مشهد من الفيلم خارجاً من محلٍ لبيع العصافير والكلاب بينما تدخل تيبي هيدرون. سنَّ هيتشكوك عرف ظهور المخرجين في أفلامهم، لكن لم يصل لاحقاً مخرج إلى أيقونية هذا الظهور العابر، ولا إلى خفة ظل هيتشكوك. أنيقاً نظيفاً، أحمر الوجه كما يليق بإنجليزي محقون بجرعات كحول منتظمة، لا إسراف فيها، يخرج من المحل، يستجيب بروح أنثوية هادئة لجر كلبين صغيرين مدللين. لماذا لم يفكِّر هيتشكوك في حمل قفص صغير فيه طائران من طيور الحب، أو طائران من الكناري، وهذه الطيور الرقيقة موضع مفارقات درامية في أحداث الفيلم؟ أعتقد أن هيتشكوك عندما يُخطط لكارثة تصيب البشرية، لن يورِّط نفسه في أقل شبهة عاطفية، سيخرج من المحل، بدمه البارد، وقامته القصيرة البرميلية، وكلبيه الوديعين، ويحجز على أول تأشيرة خروج من الكوكب، وعنده الوقت، الفيلم ما زال في بدايته، ولن ينسى زوجته، فالحياة الزوجية خُلقتْ له، وبالطبع لن يُحذِّر أحداً في طريقه. بالنسبة لي مَشَاهِد تجمُّع الغربان والنوارس، أصعب من مَشَاهِد الهجوم المصنوعة بالخدع المُتاحة في هذا الوقت، والمُطعَّمة بلقطات اشتباك حقيقية، مثل دخول النورس من النافذة، ومُحاولة ميتش دفعه للخلف، خارج إطار النافذة والزجاج المُهشَّم. تشعل ميلاني سيجارة بجوار المدرسة انتظاراً لكاثي شقيقة ميتش برانر، وأثناء الصمت تجتمع الغربان استعداداً للهجوم. لعب هيتشكوك بأعصاب المُشاهِدين الباحثين عن سبب شرارة بدء الهجوم، كأنْ تكون الشرارة بسبب دخان سيجارة ميلاني، أو اشتعال الحريق في محطة البنزين، لكنني أفكِّرُ أن هيتشكوك كان يُمرر من تحت تلك الأسباب، أقوى مَشَاهِد ترقُّب في سينما الإثارة، أو بمعنًى آخر، لم يكن هيتشكوك معنياً بتحديد سببٍ حقيقي للهجوم، بقدر عنايته بعرض تلميحات تخدع المُشَاهِد، وتفيد هيتشكوك في صنعته الدرامية، على سبيل المثال، تقديم مَشْهَد صامت لتبي هيدرون، تدخن سيجارة، ومع أن المَشْهَد طويل نسبياً في تقدير هيتشكوك، إلا أن جمال المَشْهَد الصامت التعبيري، محميٌّ يتجمُّع الغربان، وكأنَّ هيتشكوك بضربة واحدة، نال الجمال التعبيري الصرف، والدراما الشعبية المتاحة للجميع. ليس هيتشكوك مخرجاً من طينة تاركوفيسكي أو بيرجمان أو أنجيلوبوليس، ومع هذا قد نجد عنده بذور تأمُّل جمالي ضامر، لا يصل إلى حدٍ ميتافيزيقي، لكنه تأمُّل في النهاية نسعد به من مخرج إثارة عملاق، وكأننا نقول: كان قادراً على مُقارَبَة شيء آخر. في مَشْهَد النهاية العظيم، ووسط حشود الطيور، يخرج رود تايلور وشقيقته وتيبي هيدرون وجيسيكا تاندي من البيت، وبلمسة هيتشكوكية أخيرة تطلب شقيقته كاثي أخذ طائري الحب بعد الشُبُهَات الثقيلة التي طالت مملكة الطيور دون تمييز، لمسة مُناكَدَة تفصح عن دم المخرج البارد. الحديث عن المَشَاهِد الصامتة يقودنا إلى موسيقا الفيلم، وهنا المُفاجَأة، ليس هناك موسيقا كما هو مُتَعَارَف عليها. في فيلم الطيور، هناك فقط أصوات طيور مُزِجَتْ بصورة درامية، مع أصوات طبول، وضبط آلات موسيقية. تعثر جيسيكا تاندي على جثة المُزارع، وقد جَوَّفَتْ الطيور مادة عينيه، فبقي المحجران مُنقعرين مُظلمين. تفتح الأم فمها، وتجري إلى الخارج، لا تخرج الصرخة من فمها، نسمع فقط صدًى خفيفاً لاضطراب أقدامها، الصرخة الصامتة مُؤسْلَبَة درامياً مع صرخة موتور الشاحنة في طريق عودة الأم. كان هيتشكوك حريصاً على رش طريق الشاحنة بالماء، قبل اكتشاف الأم لجثة المُزارع، تفادياً لأقل غبار ممكن، والآن في طريق العودة لا شيء سوى صرخة الموتور العالية، وعامود الغبار الأفقي وراء الشاحنة. هناك مَشْهَدٌ صامت أيضا أكثر رعباً. ميلاني دانيالز بعد انحسار موجة هجوم الطيور على البيت، تتوهم أنها تسمع شيئاً في أعلى المنزل، وببطء وفضول تصعد درجات السلم، وتصعد معها أرواح المُشاهِدين، تفتح بحذر باب الغرفة العلوية، تدخل الغرفة، الباب خلفها نصف مفتوح، تجد فتحة كبيرة في سقف الغرفة، الطيور هنا. يقول هيتشكوك على لسان الطيور في حديثه مع تروفو: أنتِ الآن في قبضتنا، ونحن آتون إليكِ، لا حاجة لأن نُطلق صيحات النصر، ولا حاجة لأن تغضبي، سوف نرتكب عملية قتل صامت. ويبدأ في الحال صفق الأجنحة، وتمزيق ميلاني. يتلقى هيتشكوك بعد عرض الفيلم بفترة وجيزة، هديةً من صديق قديم، الهدية عبارة عن خمسين طائر من طيور الكناري. يتعامل هيتشكوك مع دعابة الصديق، بأن يبعث له يومياً، من تاريخ وصول الهدية، برقيات ورسائل تصف حال طيور الكناري، لمدة ستة أشهر. يستعين هيتشكوك بسكرتيرته وزوجته، لضمان كثافة البرقيات والرسائل. طائر الكناري الحامل لرقم واحد يأكل أكثر من الباقين، طائر الكناري الحامل لرقم أربعة أهديناه لجيمس شقيق زوجتنا، برقية من جيمس لصديق هيتشكوك يعلمه فيها بشراء قفص ذهبي صغير لطائر الكناري رقم أربعة، زوج الكناري الحاملان لرقمي سبعة وثمانية غير ودودين، طائر الكناري الحامل لرقم ثلاثة عشر اعتاد الوقوف على رأسي. في نهاية الشهور الستة ينتحر الصديق لأسباب ليستْ لها علاقة بقصة الطيور. يأسف هيتشكوك على موت الصديق.

 

دكتور سترينجلاف

 فيلم دكتور سترينجلاف 1964 أو كيف تعلَّمت أن أتوقَّف عن القلق، وأن أحب القنبلة، للمخرج ستانلي كوبريك. الفيلم يُصنَّف تحت يافطة الكوميديا السوداء، أقصى درجات الكوميديا السوداء، أي أن الابتسامة هنا تقف في حلق المُدرَّبين على تذوق هذا النوع من الكوميديا، ومع وقوف الابتسامة في الحلق يبقى صداها في العقل بهيجاً، وكأنَّ الكوميديا السوداء صُنعتْ من أجل مَنْ تحجَّرتْ قلوبهم، وأشرقتْ عقولهم. الفيلم يلفحه تيار جنون عنيف بدايةً من شخصية الجنرال جاك ربير، دور العمر للممثل ستيرلينج هايدن، الذي يأمر بتنفيذ الخطةR، وهي ضرب الاتحاد السوفيتي برؤوس نووية، وصولاً إلى شخصية الجنرال باك تيرجستين، ولعبها الممثل جورج سي سكوت، وانتهاءً بشخصية دكتور سترينجلاف العالِم بدمار القوى النووية، ومهدْهِد وحش العناصر المشعة الفتَّاكة الكوبالت ثوريوم جي بتهويدة فناء الملايين مع بقاء عينات إنسانية وحيوانية في أعماق منجم، تحية من ستانلي كوبريك لسفينة نوح، هناك كانت على وجه الغمر، وهنا في أعماق الأرض، وهي من أجمل أدوار الممثل بيتر سيلرز الذي لعب أيضاً في الفيلم دور رئيس الولايات المتحدة ميركن مافلي، ودور قائد فصيلة الاتصالات الضابط ماندريك. الجنون في كل الأحوال له حكاية، وهي دائماً حكاية تعتدي على الواقع بشكل همجي، وحكاية الجنرال ربير هي حكاية الماء، وتنويعات الحكاية، هي النقاء، والجوهر، والحياة. يعتقد الجنرال ربير أن شفط الماء أو تسريبه بفعل العدو الأحمر الشيوعي جار بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً منذ 1946، وأن الطعام، اللبن، الملح، الآيس كريم، السكر مقصود به شفط السوائل الإنسانية الثمينة، على اعتبار أن الماء يحتكر70 بالمئة من جسم الإنسان، ولهذا يشرب الجنرال ربير بانتظام الماء المقطر. يسأل الضابط ماندريك الجنرال ربير، منذ متى وهو يُطِّور هذه النظرية. وهنا تظهر عبقرية ستانلي كوبريك في أداء ورد الجنرال ربير على سؤال الضابط ماندريك، إذ قد يُصاب المختل عقلياً بخجل شبه واقعي على أثر لمسة دقيقة مُفاجئة لبؤرة جنونه. يجيب الجنرال ربير بتردد، منذ أن أدرك أن قواه المادية في فعل الحب تنضب، أي تتسرب إلى مكان ما، فيشعر مع هذا النضوب بالفراغ والخواء. شيء عميق تحرَّك في روح الجنرال ربير، لكنَّ هذا لا يعني استسلامه وإعطاء الضابط ماندريك كلمة السر التي يتستطيع بها  إرجاع الهجوم النووي على الروس، لا سيما أن الضابط ماندريك تمادى في لمس نبع الماء العميق لدى الجنرال ربير الذي دخل الحمَّام، وكأنه استسلم للمسة الضابط ماندريك الواقعية، وبينما يُهدْهِد الضابط ماندريك جنون الجنرال ربير بتهويدة الماء، تعويذة الجنون، بأنهم خسروا قليلاً من الماء، وما زال هناك فرصة للتراجع إذا أعطاه الجنرال ربير كلمة السر، يخلع الجنرال ربير سترته ويتجه إلى الحمَّام، يعتقد الضابط ماندريك أن الاغتسال، الاستحمام، الاحساس الرائع بالانتعاش، الماء على الرقبة والوجه، عودة السوائل الجسمانية الثمينة، ثم تأتي كلمة السر، وهنا يسمع الضابط ماندريك رصاصة انتحار الجنرال ربير. الجنون الحقيقي يسير دائماً إلى الكارثة، والكارثة ما زالتْ معقودة في البينتاجون فوق رؤوس الجنرال تيرجستين الذي ينظر في تقسيمة الدكتور سترينجلاف لسفينة نوح تحت الأرضية، ومفادها ذكر واحد لعشر نساء، بينما لا يقطع على دكتور سترينجلاف صفو خطط ما بعد الكارثة سوى شيء بالغ الكوميديا، وهي يده اليمنى المُقفَّزة بقفَّاز أسود، وهي التي تندفع في الهواء رغماً عنه لأداء التحية الهتلرية الشهيرة، أو تمسك برقبته، إنها عضو دخيل ينتمي إلى دمار شامل، والمُفارَقَة أن أعضاء دكتور سترينجلاف الأخرى لا ترفض الدمار الشامل الفاشستي الهتلري، وتقره ضمناً بمشاعر باردة، لكنها في نفس الوقت تريد صفاء ما بعد الكارثة.

 

 نظرة من حديد

 لأنني لا أذهب إلى هدفٍ معين دون أن أعود إلى الذات، وبقدر ما تكون العودة مُفاجئة، بقدر ما تكون مؤلمة، إلا أن الهدف القريب أقل مُفاجأةً وألماً من الهدف البعيد، بسبب المسافة المتناهية في الصغر بين الهدف القريب وبين الذات، وكأنَّ رفَّة عين كفيلة لاصطدامي بحاجز الذات الكريه، فأعرفُ سريعاً زيف الهدف، أو على الأقل استحالة فصله عن الذات. على النقيض عندما يكون الهدف بعيداً، وأكون مُستغْرقاً فيه طوال أيام وشهور، أقطعُ فيها طريقاً قفراً للوصول، وأنا أحمل مؤونة الحماية من الجوع والعطش. أتوجَّه إلى الهدف البعيد، الواقع على حدود الذات، حدود نائية أيضاً، إذ كيف يكون الهدف بعيداً، إذا لم تلمس حدوده حدوداً أخرى بعيدة، نقاط تفتيش أمنية، ذواتاً حدودية مُصغَّرة من ذاتي الكريهة، لكنها هنا على الطريق، مُعدَّة لانطلاقتي الكبيرة، هنا فقط هي تَذْكِرة، وتأمين من الضياع، وصون من خطورة الطريق. وبعد آخر نقطة حدودية، عندما تنفتح أمامي المسافة، وبينما أفكِّرُ بسرور في العتق، وأن سن رشدي تجاوز نقاطَ ذواتي المرورية، أجدُ في نهاية الطريق، ذاتي التي هربتُ منها، والهدف البعيد، والانطلاقة المُبَارَكَة، شيئاً واحداً. أعود إلى البيت مهدوداً، محمر العينين. دوش الماء الساخن الآن بألف هدفٍ وألف طريق، وعند تأزُّم الأمور لا سبيل لرفع المعنويات إلا بأشياء حسية بسيطة، وكما كانت الصفعة على خد التحليل النفسي قاسية، وبعد عقود طويلة من الإيمان بأن هناك مرضاً نفسياً لا يحتاج إلا لخيط الحديث الناعم بين الطبيب والمريض، عادتْ العائلة سيئة السمعة، جزارة طب العصابيين، الزانكس والفاليوم والبروزاك، لحقن ميوعة وأنوثة التحليل النفسي بشيء من الصلابة والرجولة. صيحة جيل دولوز في سبعينيات القرن الماضي: أيها المحللون.. مات التحليل النفسي.. حللوا. المريض إللي يتكسر له ضلع اكسر له التاني. بعد الدوش وعلبة زبادي بالتوت وقطعة خبز وحبتين زانكس وسيجارة وفنجان قهوة، كنتُ قادراً على مواجهة خيبة الأمل في الأهداف القريبة والبعيدة على حد سواء. فتحتُ نافذة الغرفة، ومن الطابق الثامن كنتُ كاشفاً لمحطة السكة الحديد. كانت رؤوس القطارات الراشدة تستعد لجر جسم العربات القاصرة. لطالما آمنتُ أن القطار مُفكِّر كبير، بإكصدامه الحديدي المنيع، وعينيه الثابتة على الطريق، وبخار الفكر يخرج نافورةً من أعلى رأسه، فكر من العيار الثقيل، حطب معدة رأسه هو، جوهر أرسطو، كوجيتو ديكارت، موناد ليبنتز، شرط كانط، قفزة كيركيجارد، إرادة شوبنهور، قوة شيلينج، ديمومة برجسون، يتلظَّى بشهيق. لقطات شهيرة لقطارات في السينما الكلاسيكية، هجوم الرؤوس المُفكِّرة على المُشاهدين، صرخات يافعة، سحر الاختراع، تهذيب جمالي مع السنين، ليس هجوماً على المُشاهدين، وإنما على عدسة التصوير، الملابس الداخلية الحديدية لقطارات استعرائية، أنتَ هذه المرة مع عدسة التصوير تحت القطار، أجسام عربات القطار القاصرة، وهي تقطع الكادر أفقياً كنايةً عن مرور الزمن، فيلم ديفيد لين لقاء وجيز، القطار بزاوية انحراف فريدة يملأ سماء الكادر بدخان كثيف، سارينة القطار في فيلم ثيو أنجيلوبولوس نحيب الحقول، القطار المنزل في فيلم حدث مرة في الغرب لسيرجو ليوني، أقدام القطار، وهي تحرر توكو أحد أبطال فيلم الطيب والشرس والقبيح لنفس المخرج، استعارة القطار الغائب الحاضر على طول فيلم آلان باركر قطار منتصف الليل، مقصورات النوم في فيلم البعض يفضلونها ساخنة لبيلي وايلدر، جاك ليمون، في دور عازفة البيز جيتار دافني، دور عمره، تقبض دافني على فرملة الطوارئ بسبب قطعة ثلج في ظهرها، عجلة القطار الحديد على شريط السكة الحديد، صرخة الحديد على الحديد، قطار حلم يقظة كان برأس نيتشه يدخل نفقاً، وكان شاربه الكثيف الحديد هو إكصدام رأس القطار الحديد، وكان كالسهم ينحدر مستقيما إلى ظلام النفق، أهدافه بعيدة، لا نقاط تفتيش، لا كارتة مرور، لا محطات توقف على الطريق، يندفع فقط بعماء السرعة إلى عمق النفق المظلم، وزفير رأسه يحرق طيور السماء، وعيناه تُحدِّق بنظرةٍ من حديد.

عودة إلى الملف