موقع الكتابة الثقافي
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

قراءة: محمد عبد النبي

خلال خمسة فصول قصار، وأقل من مئة صفحة، نعيش مع الكاتبة الصحافية سامية بكري حكاية "ونسة"، في روايتها الأولى والصادرة قبل أيام قليلة عن دار نشر روافد.

وونسة هو عنوان روايتها، وكذلك اسم شخصيتها التي ظلّت على مدار الحكاية تبحث عن “الوَنس”، بأكثر من معنى، سواءً بين عائلة ممتددة من الفئران خلال النصف الأول من الرواية، أو بين فتيات ونساء أخريات لا تبتعد كثيراً حكاياتهن عن حكايتها الخاصة، خلال النصف الثاني، وسواءً هنا أو هناك تبقى ونسة تصارع وحش الوحدة، حتى بعد أن خاضت تجربة يتيمة انتهت بخداعها والتخلّي عنها.

كان لي حظ أن أراقب هذه الرواية، وهي مازالت فكرة صغيرة للغاية، وُلدت في كنف ورشة الحكاية وما فيها للكتابة القصصية – الدفعة الثانية، خلال لقاءات كل يوم جمعة في مكتبة البلد أو دار نشر وعد أو أماكن أخرى، حيث انتبهت سامية بكري إلى خبر صغير للغاية، لعلّه كان منشوراً على الانترنت في أحد المواقع الإخبارية، يشير إلى فتاة كانت تربي مجموعة كبيرة للغاية من الفئران في شقتها التي تعيش فيها بمفردها، إلى أن اشتكى الجيران وأتى رجال التطهير وتخلّصوا من رفاقها الصغار. هنا، تحديداً، وُلدت فكرة القصة – كانت قصة آنذاك – من هيكل عظمي عارٍ لا يتعدى السطور المعدودة المكتوبة بلغة الأخبار المقتضبة والجافة، تلك العظام التي كستها سامية بكري – بخيالها وجهدها – لحماً وضخت فيها دماً حتى تخلّقت تدريجياً شخصية وَنسة، بعالمها وأحلامها وصراعاتها المتناوبة ما بين أشباح الوحدة ومضايقات العالم الخارجي.

تتبع سامية بكري حياة بطلتها المهمشة، منطلقة من السرد على لسان أحد الفئران، وهو أول مَن قامت ونسة بتبنيه ورعايته وتزويجه من فأرة بيضاء جميلة. المفارقة أن هذا الفأر، يقول في السطور الأولى من الرواية: “هكذا كادت الوحدة أن تقضي عليّ…” وكأنه – وهو الفأر – لا يستطيع أن يتخيّل حياةً مثل تلك التي تعيشها ونسة بمفردها تماماً. خلال الفصول التالية، ومع تقدّم الأحداث نحو إيداع ونسة في إحدى المصحّات النفسية، يكتشف القارئ أن الراوي لم يكن فأراً بالمرّة، بل هو وَنَسة وقد تلّبست روح ذلك الفأر الأول في تاريخها معهم، وراحت تحكي لزميلاتها النزيلات في تلك المصحّة، عن ونسة وحياتها وحكاياتها، من خلال عينيه ونظرته. هل وصل المرض النفسي بونسة حدّ التماهي التام مع فأرها الصغير والتكلّم على لسانه؟ هل هي مجرد حيلة سردية ارتأت الكاتبة الاعتماد عليه خلال الفصول الأولى من روايتها؟ غير أن مسألة اختيار نوع الراوي لم يلعب دوراً حاسماً في الكتاب ككل، فسواءً كان الراوي فأراً أم ونسة كشخصية مشاركة أم الراوي العليم المطلع على خبايا الصدور، لا يختلف الطابع العام للرواية على وجه العموم، ذلك الطابع الذي يتميّز بخفة روح وانتقالات سريعة ومشاهد متتابعة، ولعلّ خفة الظل غير الغريبة عن سامية بكري صاحبة كتاب ظرفاء الفيس بوك، وأيضاً الاهتمام بالتفاصيل والشغل العميق على نفسية وروح شخصياتها، كل تلك العناصر والأدوات أنقذت العمل ككل من السقوط في بئر الميلودراما الذي لم يسقط فيه تماماً وإن اقترب من حافته مرّات ومرّات، وخصوصاً في الحكايات الفرعية الخاصة بالفتيات والنساء اللاتي اقتربن من عالم ونسة في بيتها والحي الذي تسكن فيه أو فيه مستشفى الصحة النفسية، حيث الحكاية ذاتها تتكرر بتنويعات خفيفة، امرأة تفقد رجلها بطريقة أو بأخرى وتحارب من أجل الاحتفاظ بتوازنها وإدارة الحياة من أجل أولادها.

نحن أمام تجربة أولى مازالت بعفويتها وطزاجتها وحريتها ومكرها المكشوف، تراهن على حساسيتها الخاصة في التقاط المشاعر الصغيرة والمنفلتة بداخل المرأة، ولحظات نزقها وانكسارها وتحدّيها للعالم والتقاليد. لكننا ننتظر – ونتوقع – من سامية بكري ما هو أكثر من ذلك، لذا نطالبها بقدرٍ أكبرمن تطوير لغتها وأسلوبها وطرائق السرد لديها، والحيل التي تستطيع بها أن توقع القارئ في حبائل حكاياتها الإنسانية الناعمة والتي أرجو أن يكون لديها منها المزيد والمزيد. 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:193. Generation time:3.613 sec. Memory consumption:44.05 mb