موقع الكتابة الثقافي uncategorized 49
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

مرزوق الحلبي ود. باسيليوس بواردي يُحاوران وسام جبران حول كتابه الجديد “كون لا زمن” الصادر عن دار جدل”

م. الحلبي: إذا كان الشعر هو الكلام المُصفّى فإن الفلسفة هي صفو الكلام. ويُخيّل لي أنك في هذا الكتاب اخترت صفو الكلام في وضع قصيدك الشِّعري “كون لا زمن”. وهي نصوص شعرية فلسفية قوامها تلك التوتّرات الوجودية مثل الأنا/الذات وأنا/الإله وأنا/الكون وأنا/مَن سبقني وأنا/الجماعة وأنا الحاضر/الموروث وأنا/هي. نقاط تماس وجودية، هي اللحظة وهي المكان الذي يحصل فيه فعل الغوص في متاهة السؤال والسرّ الذي في آخر المتاهة، أليس كذلك؟

و. جبران: وحدُها الموسيقى قادرة أن تعبّر عن ذاتها، وكذلك هو الشعر، وهو اللغةُ في أقرب حالاتها من الموسيقى، بمعنى أن الشعر هو رغبةُ اللغةِ في التخلّص من قواعدها وقيودها ومعانيها الثابتة الموروثة. لكن، يحتاج الشعر الى أفق معرفيّ وثقافيّ قد يأتي من الفلسفة أو من العلوم أو من التجربة الشخصيّة المُعاشة، أو جميعهم معاً. وأتفق معك، أن ما يهمني في نهاية المطاف هو الأسئلة التي تؤرقنا وتحرضنا داخل فعل الكتابة الشعريّة، لا الأجوبة التي تطمئننا فتجعل من الكتابة فعل اجترار وتجعلنا كسولين وعاديين ومجرّد أرقام نمرّ في الزمان دون أن نمرّ فيه.

ب. بواردي: في تناولك لمشكلاتِ الحياة الكبرى، على حدّ تعبير الشاعر اللبناني يوسف الخال، تتَعَمَّد ألّا تُغلق الدوائر الوجوديّة المطروحة للنقاش أبدًا. ففي هذا الديوان، كما في ديوانيْك السّابقيْن، “إنتِـ  _ Anti  _ ماءات” و”رُتيلاء”، تتساءل مُخترِقًا جلدة الواقع حتّى النُّخاع لتُخلخلَ ضيقه ومحدوديّة انتظامه. من هنا يصير همّك الانفتاح على ثقافة كونٍ غير متناهٍ، لا تحدّه رؤية منغلقة. فتسخِّر لهذا الصّراع أدواتٍ شعريةٍ عديدة، أهمّها الانزياحات اللُّغوية المكثّفة، الاستبدالية منها والتركيبة، كالاستعارات البعيدة المركّبة وتراسل الحواس والترادف الخلفي والحذف والتكرار، إضافة إلى التّناصّ والحوارية وتعدّد الأصوات واختراق المألوف اللغوي وتكسير مبنى الجملة العادي، وتعَمُّد استعمالِ غريب اللّغة في مواقع مفارقة ليُحدِث ذلك توتّراً متعَمَّداً في عمليّة التّلقّي.

و. جبران: نعم. لا تثيرني الحياة المُعاشة وتفاصيلها إلا بقدر ما تثيره من أسئلةٍ وجوديّةٍ كبيرة أجمل ما فيها هو انفتاحها على وجودها بوصفها أسئلة ومساراً متعدد الطبقات والتشعّبات لا يُفضي الى منتهى. فمتعة السير في هذا الطريق هي في صُلب التلذّذ داخل التجربة الشعريّة والكتابة الإبداعيّة عموماً. والشعر هو السير وهو الاكتشاف ـ اقتحام المجاهيل والمُنغلقات والمعارج واكتشاف أخرى لم تصلها بعد. الشعر هو الذي يمنحك المعرفة لكنّه يدلّك، أيضا، على نُقصانها.

م. الحلبي: تكتب كأنك تؤلّف الموسيقى. فالتأليف الموسيقي بيّن في نصوصك. وهو ما ترك أثرا في بُنية النصّ. فهي عندك مرصّعة، إذا صح التعبير، مبنيّة على التقطيع. قائمة على الحوار المتعدد الشركاء والأصوات. حوار يحصل كما تحصل المقطوعة الموسيقية، بإيقاع يتشابه أو برِتم يختلف وفق مقتضيات موسيقية باطنية يسترها الكلام ويكشفها في آن. وفي اشتغالك بالكلمات تواصل “الكتابة الموسيقية” الكامنة في إيقاع زفاف المفردات بالفكرة. فشعرك غنائيات تسترُ  لحنًا وتكشف عن مقدرة في الدمج بين الفنّين. فماذا تقول؟

و. جبران: بصفتي مؤلّفًا موسيقيًا، فإنني أجيء، بطبيعتي، الى الشعر من هناك؛ من الموسيقى، حيث البُنية الهيكليّة شيءٌ هام يُحدّد متانة النص وتماسكه، وحيث المعنى ضرورة تمنح الشكل قوّة تعبيره، وحيث الإيقاع (أو النبض الداخليّ للقصيدة) أكثر عُمقاً من الوزن، فهو يعبّر عن الوُجدان والشّعور خالقاً أوزانه على الطريقة الإنسانيّة ولو تشوّشت، وليس العكس، وحيث الأصوات تولد معاً متواشجةً متناسجةً في تعددها وتناغمها أو تناشزها، فعادةً لا أحبُّ القصيدة الخطيّة، وأعتقد أن الرسام ديلاكروا سبق أن أشار إلى هذا الموضوع على نحو رائع حين قال إن ثمّة خطوط مسخيّة، وإن خطّاً لا يصنع وحده دلالة، بل يلزمه خطٌّ آخر ليمنحه تعبيراً. بهذا المعنى أحبّ الأصوات في تقاطعها وتناغمها في الشعر، أيضا. وفي الحياة شبكة من الأصوات والإيقاعات والوجوه والرسائل ـ كلها دُفعة واحدة. يأتي شعري انعكاسًا لها وليس لصوتي وحده. أنا الشاعر والموسيقي والفرد أكتمل بغيري ـ لي صوت ضمن الأصوات ولي لون ولي رسالة ولي مُفردة شعرية أو لحنيّة لكنني جزء من موسيقى ونص وحركة هي الحياة بمجملها.

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 48

ب. بواردي: يتساوق، شعرك، مع فكرة بناء نصٍّ ينهض ببناء منظومة أسئلةٍ وتساؤلاتٍ مفتوحة ومركّبة؛ أي بناء لُبنة ثقافيّة تدفع بالقارئ العربي نحو مواكبة العالمية الحضارية المتمثّلة بالإنجازات العلمية والثقافية وتطوير جدلية مركّبة مع الآخر، أو مع شهوة الذات وتلذُّذاتها اللاّكانيّة، فمثلاً حين تقول في “عُفَيْقنات”، ص 149: ما التّلذُّذُ؟ / لقاءٌ سرّيٌّ بين الذاتِ والخيالْ… ما الذّاتُ؟/ أولئكَ المُنتشرُونَ بحثاً عن آخَرِهم… ما البَحْثُ؟/ إلهٌ يشتُمُ ذاتَهُ كلّ يوم.

فمن هو الآخر في شعرك، وما علاقته بالتلذّذ؟

و. جبران: لا أنكر أن لخطاب التحليل النفسي اللاكانيّ (نسبةً إلى جاك لاكانْ) تأثيرٌ على الأفق الثقافي الذي يُظلّل بعض المناطق في مشروعي الشعري، وثمة علاقة وطيدة تربط بين الجسد واللاواعي والتلذّذ عند الأفراد بحسب التحليل اللاكانيّ. ولهذه العلاقات تجلياتها في قصائدي على نحو أو آخر. إن اللاواعي بمعنى من المعاني هو خطاب الآخر فينا، أو، بمعنى ما، هو ذاتنا بوصفها آخرَ. ويقول لاكان في كتاباته الأخيرة بأن العَرَض sinthome هو من يربط بين الجسد (المُتخيَّل) واللاواعي (الرمزيّ) والتلذّذ (الواقعيّ). ولأن شعري هو أنا وأفكاري وأحاسيسي ورغبتي ولا وعيي وآخَري ـ فإنه بالضرورة مُخلص يتضمّن هذه الثيمات وينشغل بها كفعل طبيعيّ ـ شعري هو أنا إلى حدّ شبه تام.

ب. بواردي: لكن الذات عندك لا تُهمل ما تصبو إليه من تحقيق اللّذات حتى تستطيع الوُلوج بثقة إلى عالم الآخر الغيريّ، هذا الاتصال لا يتمّ من خلال دحض الذّات ونفْيها، بل من خلال تراصفات اللّذة المؤدّية إلى معرفة الذات، ومنها إلى معرفة الآخر حق المعرفة. على أنّ هذا التلذّذ الذي يملك طابعاً سريّا ممتعاً لا يتحقّق إلا من الخيال؛ مادة المبدع الجوهريّة. التلذّذ بالأخير هو نوع من أنواع البحث والمعرفة المختلفة، فعندما يستطيع الإله في هذا الديوان أن يصلَ حدَّ شَتْم نفسِه فهو يبحث ويتساءل، بل ويندم ويعيد الحسابات وكأن الحقيقة الثابتة اليقينيّة تتكسّر على مذبح الشّتيمة المُسائِلة والنّافية لعِصْمَةِ الإله والحقيقة الواحدة.

و. جبران: أعتقد أنك توصّف ديواني بدقّةٍ بهذا الكلام. استطعت أن تنفذ إلى الطبقات الأعمق في نصوصي وتستخلص مقولتي على نحو لامع. في نهاية المطاف أنا الذي يكتب ويُفكّر ويحكم ويصف ويخلق آخَرَه وإلَهه ويتخيّل شخوصه الناطقة في النص وأفعالها. وإن حضر كثيرون في نصّي فأنا خالقهم وأنا فوقهم وتحتهم وجنبهم، هناك تراني دائما. يُخيّل لهم أنهم مستقلّون عني لكن يُخيّل لهم فقط.

م. الحلبي: ولهذا تعود في شعرك مراراً إلى اللاهوت السماوي والموروث الإنساني والميثولوجيات ومكامن الثقافات، فتحاور أبطالا من هناك وتُساجلهم ضمن عملية بحث دائمة في المعارج والمواضع العصيّة. رحلة كلّها مسرّة، لكنها صعبة، خاصّةً حين تخاطب قارئاً عربيّاً أو ثقافةً ما تزال تعيش في عمومها تحت سطوة “المُقدّس” الديني والسياسي والاجتماعي؟

و. جبران: وما أهميّة الفن إن لم ينخرط في رحلةٍ صعبة ويخُض الأسئلة العصيّة؟ باعتقادي، فإن مجتمعاتنا في أمسّ الحاجة اليوم الى جروح عميقة في نرجسيته الموروثة لتخلخل هياكل البُنيات الثقافية والدينية والسياسية الجامدة؛ من هنا يبدأ كلّ تغيير. وقد شهدنا جميعاً ما حدث في بلداننا في ربيعها العربيّ، حيث أن التغيير في شكليّات “السُّلطة” وشخوصها ليس كافياً لإحداثِ تغيير حقيقيّ، فنحن بحاجةٍ الى تغيير في العمق المجتمعي والثقافي؛ تغيير يحطم كل الأصنام مرةً وإلى الأبد. من هنا، ربما، تنبع حاجتي لاستحضار النصوص الدينيّة، رمزيّاً، الى داخل مختبري الشّعريّ، فهناك يعيش “الله” على نحو أو آخر؛ في هذا الخطاب الذي تنشأ عليه أجيالٌ قبل أن تملك أدوات الوعي والنقد الأولى. أتّفق مع القول الفلسفي العلم ـ نفسي إن الإنسان إنما يقضي عمره في صراع مع “سُلطة” أو “سُلطات” لا يختارها. أعي هذا وأحاول أن أفعله بما أوتيت من معرفة وشعر وجرأة ـ أقبل ما قُيّض لي وأذهب به حتى آخر مُفردة في اللغة. وإن بدا أنني أفعل ذلك مقابل سلطة خارجية إلا أنني في نهاية المطاف أواجه السلطات المتعددة داخلي وأتحدّاها وأعرّض العلاقة بها لامتحان يومي.

ب. بواردي: في هذا السّياق، تجدرُ الإشارة إلى أنّ الحضور الأوسع في هذه المجموعة مفروزٌ للمساحة الواسعة التي توليها للسِّجال مع الله كمُصطلح تنتقد من خلاله الفكرَ والتّفكير الإنسانيّ الغيبيّ. بصدامه مع الدينيّ، إنّما يتصادم مع الأُطر الاجتماعيّة والأخلاقيّة المتداخلة فيه، لينتج عن هذا الصدام تشعّبات أخرى تخصّ الحرّيّة الفرديّة للإنسان أمام سلطات عديدة؛ دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة، تتحكّم بتصرّفاته. يمكن القول إنّك، ومن خلال نصوصك الحواريّة مع الله، إنما تفتح سجِلّاً إشكاليّا في وقعه العربي التقليدي، يرفض التعامل مع المقدّسات، أيّا كان نوعها، إلا بأسلوب النقد العقلانيّ، العامل على تفكيك مركّبات المقدس، وفحص مستويات علاقته بالفرد. وتجسد اللهَ نظيراً إنسانياً موازياً وتخلع عنه صفات الأُلوهيّة والقداسة المقبولة وتتّخذه حيزاً لمحاوراتٍ واسعةٍ تهدف إلى محاولات تفْنيد الخطاب الغيبيّ أمام الخطاب العلميّ…

و. جبران: هذا هو بالضبط ما يُشكّل أحد أهم المحاور في مشروعي الشعري عموماً، وفي هذا الديوان على نحو خاص، والذي افتتحته بمجموعة حوارات مع “الله”. قد يقرأها البعض حرفيًّا لكني أنصح بقراءتها دلاليا وإيحائيًا كما يُفترض للشعر أن يُقرأ. الإنسان عموما في حوار دائم مع الله الذي فيه والذي خارجه هذا الذي يصفونه ويصورونه ويعطونه تمثيلات لا حصر لها. هذه الفكرة حاضرة بقوة في حياتنا كأفراد ومجتمع وامّة وعلينا اختبارها ووضعها أمام المساءلة ـ وهي مساءلة أنفسنا ومباني القوة حولنا والأساطير المؤسسة لوجودنا. نحن لا شيء بدون أسئلة كهذه والشعر يتلاشى كلّما ابتعد عنها وضاع في الجاري والعابر من شؤون.

……………..

* الناصرة/حيفا، كانون الثاني 2019

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:768. Generation time:6.925 sec. Memory consumption:290.88 mb