موقع الكتابة الثقافي uncategorized 18
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

محمد فرحات

“تغطت الشمس في سريرها بعيدا، والليل يداعب المدينة برقة، لم تكن تحس ولا ترى ولا تسمع غير هذا السؤال الذي لا تكف عن تساؤله: لماذا تركت السيارة ونزلت ؟ لماذا عبرت الطريق ؟…” .

في وسط تيار متدفق من الشعور، وكلمات تنساب  نبضا كنبض قلب متسارع نحو غاية ما، تدهمك سطور لاهثة لكاتبتها “رباب كساب” وسط أربعة وعشرين قصة تحمل عنوان “بيضاء عاجية، وسوداء أبنوسية” وإن كان عنوان المجموعة هو ذاته عنوان قصة بعينها بين طياتها، إلا أنه يعبر عن تيمة متكررة في كل قصة؛ قصة المرأة ذات الوجودين، ذات اللونين القاتم والمنير، لتحمل ذاكرتها المبهج، وتعيش لحظات آنية متلبسة بكل ما يدعو للحزن، و اليأس، والضياع، هي بين حالين دائما هي كما كتبت في الإهداء ” إلى البين بين …ترى هل نفلح” . وكأن الأسود الأبنوسي هو اللاوعي المتخفي المسيطر بهواجسه، وذكرياته على السرد، والأبيض العاجي هو الظاهر من شخصية المرأة التي لا تملك سوى الذكريات، ثمة محاولة للمراوغة في كون الأبيض العاجي والأسود الأبنوسي لا يزيدا عن كونهما أصابع بيانو لا تجيده البطلة، وتود لو أنها تستطيع أن تقرأ نوتة لحنه فضلا عن عزفه، ولكنها محاولة لفهم الذات التي تبوء بالفشل أحيانا كثيرة بلا جدوى تذكر سوى اجترار تلك الأحزان. 

أخذت قرارا في قصة ” لحظة” لتنزل من الميكروباص ” المشروع” في أجواء سكندرية ملحية ،هل تبحث عن نفق لمرور المشاة؟ أم تخوض تجربة المرور من طرقات الأسكندرية ذات المركبات المتسارعة المصدرة للموت المجاني، المحمول على عجلاتها،  لتأخذ قرار المغامرة بالمرور، تصاحبها مشاعر مكثفة مختصرة في لحظة من العمر، هي عمر طويل يناضل من أجل البقاء، وما أن تخطو الخطوة الأولى، فالثانية حتى ترى الموت يحلق بأجنحته ..” لم تسمع أى صراخ، ولا أصوات ارتطام، ولا فرامل سيارات …فتحت عينيها، الطريق كما هو، لا شئ جديدا، لا دماء ولا صريخ…كيف مات؟ لم يمت، لن تموتي أيضا…” يأخذها من يدها ليسلمها للبحر الغاضب المترامي…

تجربة كالحياة، ولكنها على قصرها الخاطف تختصر المعاني الكثيرة هازئة بالزمن المتراكم ..لم نزلت من الميكروباص؟ لم خاضت التجربة؟ كذلك لم تورطت بالحياة على غير إرادة منها؟ فالنزول هو معادل للوجود العبثي، الجبري، وقرار المرور معادل لتجربة خوض الحياة بلا حسابات، ونبذ المرور من خلال النفق هو معادل لرفض الحياة الداجنة الآمنة، هو الثورة في لحظة ما على كل أشكال الحياة المحاطة بالتوجيهات الأبوية، الذكورية البغيضة التي تعدك برحلة آمنة لتنتهي بمآل طيب، لتصل إلى البحر الجزاء العادل لمخاطرتها ، فالبحر هو صورة للحياة التي ابتغتها، رافضة كل صور الحياة الآمنة المحاطة بشتى صور العبودية .

بذات التداعي، وبذات الإصرار على التكثيف في قصة “اللعبة” …تأخذ قرارا بالقتل وسط فسيفسائية من الأسئلة، واكتظاظ التفتصيل الصغيرة لاختصار معان حائرة، وأسئلة بلا إجابات شافية،… وهل من معنى ثابت للحياة أم أننا نتكلف تلفيق المعاني الغير موجودة أصلا؟! .

وسط دولاب الملابس، خزانة الكتب، البلاط الدافئ، النخلة الذكر، رنات الهاتف الملحة المتلاحقة، وبلغة عامية غريبة على النص ” بعد دا كله بيقولي حب، حبه برص البعيد ، هو نسى عمل إيه ولا إيه؟ ” وعودة لتدفق التفاصيل الصغيرة  كرمزية على تداعي الأفكار الامترابطة اللاهثة، سلك الهاتف، لعبة السيجا، تحاول ملاعبة نفسها …تتذكر آخر هزائمها، تخرج فجأة مسدسا صغيرا من حقيبتها لتأخذ قرارا بالقتل …تتكشف حكاية القصة، ورمزية النخلة الذكر، هي ليست إلا امرأة مسحوقة بعنت الذكورية المستبد هي” لم تكن تريد غير طلقة واحدة، تعرف وجهتها تماما…بين عينيه.” ليستمر تدفق الأشياء حولها …هداياه الصغيرة، قميص النوم الأسود الذي يعشقه، ثم قسيمة زواج، وآخرى للطلاق …تنتظره ” تصوب مسدسها في وجهه…أطلقت النار..” لتعود للعبتها المفضله السيجة؛ معادل الحياة المرغوبة التي قررت أن تخوضها بلاقيود من أي نوع. للمرة الثانية هو صراع جديد ضد كل صور الحياة المعلبة بالتوجيهات المستبدة، تتحول الآن من مجرد مدافعة عن رغبتها في الحياة الحرة في قصة ” لحظة” إلى مهاجمة شرسة تنقض لنيل حريتها .

بذات التكثيف، والتداعي تكتب رباب كساب قصصها ” ذات مساء” “اللوحة” ،”بلا ملامح”، ما بين التشكيلي، والرمزي، والتعبيري بتكنيك المنولوج الشاعري الأسيان… “بلا ملامح ” قصة المرأة مسلوبة الإرادة لصالح التفسير الأحادي للمقدس، لتسقط إرادتها تماما وتذوب تبعا لذلك ذاكرتها حينما دفنت ملامحها لتتوه في أودية النسيان “وحين كنت أنسى مفاتيحي، أشيائي الصغيرة، بعض مواعيدي، لم يهتموا، بكيت وحدي حين وقفت أمام ابنتي يوما ناسية اسمها”

ليظهر النموذج الآخر من النساء الاتي اخترن، ربما بلا إرادة، الخضوع للنموذج المرسوم لهن من قبل المجتمع الأبوي المؤطر بالتأويلات المقدسة، ذلك هو النموذج النسائي المضاد لما قابلناه في القصص السابقة في ” لحظة” و ” اللعبة”  هن قد اكتسبن الحياة بتمردهن على الأطر المعدة، علمن أن النجاة تتماس مع أطراف الهلكة فانتزعن حقهن في الحياة الحرة، وفي “بلا ملامح” خسرت كل شئ حينما اعتقدت أن الرضوخ هو النجاة ” أسمع كلمات الشفقة على عمري الصغير، كلماتهم أنصال سيوف وحواف سكاكين تشبه سكين جدتي” لتسقط في بئر الاغتراب والوحدة الموحشة ومن ثم الضياع النهائي المستسلم الهامس بالشكوى،هي امرأة تعاني الزهايمر في الظاهر، ولكن المرض هنا كان رمزا مراوغا للانصياع لثقافة القطيع، النسيان هنا كان رمزا لتخلي المرأة عن شخصيتها ونضالها المستمر من أجل انتزاع حياتها الحرة، والسقوط في موجات الحشد ” لم يجبني أحد عن سر إصراري على التقاط صورة لي وحدي، صورة لاتظهر تفاصيلي، حتى عيناي لا تظهران فيها جيدا، واقفة وحيدة، بعباءتي السوداء، ونقابي الأسود، لم أذكر يوما أنني أحببت الأسود! أين ملامحي؟! هل كنت سعيدة أم تعيسه؟ أي الأيام كان؛ لأحب تسجيله بصورة بالأسود؟ من قال إن هذه المرأة التي في الصورة هي أنا؟!” 

لتسجل احتجاجها أخيرا ولكن ربما بعد فوات الأوان ” أعطيت لهم صورهم وقلت في غضب: من هذه؟!”.

 تعتمد “رباب كساب” تكنيك  التداعي الحر للأفكار في صورة أساليب شعرية تتبنى المونولوج الداخلي كوسيلة للتعبير عما يجول في الخاطر ولذلك فهي تنتمي بجدارة لتيار الوعي  أو الشعور Stream of.. “Consciousness ..لتتميز بالتدفق الهادر للأفكار بصورة تبدو للنظرة الأولى مفككة، غير مترابطة…بيد أن التفكك، وعدم الترابط الظاهري هنا متعمد كتكنيك للحكي، والكتابة الأدبية…

التفكك هنا مقصود لدى “رباب كساب” وجيلها من الأديبات النسويات المنتميات للشرق الذكوري كحيلة لمرواغة الرقيب الخارجي الذي إن أفلتت منه، فسرعان ما سوف تقع تحت سطوة الرقيب الداخلي .

لنواجه بعض الاستثناءات في تبني غير تيار الشعور، مما يغلب لديك الظن بأن  تلك القصص لم تكتب في زمن واحد أو حتى زمن متقارب، مثل القصة الثامنة ” عانس” لنسمع لأول مرة مفردات واقعية مثل ” الشيشة” ، ” شاي على ميه بيضا”، ” اصطباحة” عن نموذج نسائي ثالث هو النموذج المنتظر، غير النموذج الثائر والنموذج الخانع؛ عن فتاة تنتظر العريس، وعن أم تعد لها ” قمصان النوم” بعدد أيام الشهر ثم تقول حين تراهم على جسد ابنتها ” خسارة فيه ابن ال…” ليقول الأب بعد تركه الجريدة ” وليه ناقصه صحيح. يقول ذلك ثم يتحسس جيبه ويتحسر على ماله …” لتناجي الفتاة نفسها ” سوف تنتهي عما قريب ليالي أرقها التي كانت تمضيها كبضاعة بائرة على رصيف مهمل…” 

ولكن ما مصير هذا النموذج الثالث من النساء لم يختلف كثيرا عن النموذج الخانع، فهي لا تواجه مصيرا أفضل من بطلة ” بلا ملامح” هو لم يأت بالرغم من وعده ” انتظرته طويلا في الموقف كما اتفقا، تأخر، دارت بها الظنون ترى ماذا حدث له في الطريق؟.. أي شيطان بشع هذا الذي يدفع بسود أفكاره بداخلها؟ طالت وقفتها بلا طائل…”

ثم استثناء آخر وقصة ” اكتفيت” عن شباب يتجرعون التهميش، والبطالة ليطرح  أحدهم جسده المنهك معلقا بحبل بعد انتهاك آدميته، و تعمد إذلاله أمام حبيبته، كاتبا في قصاصة ورق تحت علبة سجائره”اكتفيت” ، لتتحسر حبيبته عن تخلفه عنهم حين هتفوا يوما ” عيش ..حرية..عدالة إجتماعية” .

تنوع “رباب كساب” نماذجها النسائية لتكون الغلبة، والحياة، والحرية للمرأة الثائرة حتى وإن ظهرت بمظهر المهزومة، إلا أن هزائمها  تضاف لسجل أمجادها وانتصاراتها، تكاد تهتف بإصرار لا يفت ” المجد للثائرات” حتى وإن لفظتهن الميادين، حتى وإن أصرت الذكورية القبيحة على النظر إليهن على أنهن مجرد أجساد يتحرش بهن في مظاهرات الحرية .

تجسد ثنائية الحب والثورة، والميادين المكتظة بالرغم من أجواء حظر التجوال، وكيف لا يتحقق الحب إلا بالحرية الحقيقية في مجموعة قصص ” حرية..ولكن”، “ليلة مقمرة”، ” نصف طولي”، “صور” . ففي “حرية ولكن” تكره البطلة جملة  ” إلهي يستر عرضك” وتلك الرغبة الملحة من التحرر من كل ما يكبل شعورها بامتلاك جسدها التواق للارتواء لتصك أذنيها ” وحب إيه ده إللي من غير حرية!” 

وفي “ليلة مقمرة ” تقف البطلة أمام قبر أبيها تطلب منه العفو حينما ” ذهبت للموت بقدميها من أجل حلم لم يتحقق والاسم ثائرة! عنفها كثيرا؛ لأنها حرقت قلبه عليها…” 

ليتوارى القمر، وتهرب النجوم، ويرتفع نباح الكلاب، ويكاد نعيق البوم أن يصم أذنيها ” مواء القطط عويل، الشجر يهتز بعنف بلارياح، الأرض ترتج، استندت إلى القبر، لأول مرة منذ مجيئها تلمح اسمه جليا على شاهد القبر، رغم الظلام الدامس لم يكن اسمه وحده، صفت تحته أسماء وتواريخ، لم تعرف أيا منهم ، ليسوا من عائلتها…”

لتكتشف اسما تعرفه جيدا على شاهد القبر…”اسما لها” هي رمزية لما أصاب الثورة من فشل ذريع أودى بكل ما بذل من تضحية وبنى من أحلام، وحينما ماتت أحلامها، ماتت البطلة بدون علمها لتجسد بكلمات معدودة مأساة  جيل كامل كتبت عليه الهزيمة.

تتخلى “رباب كساب”عن أسلوبها المكثف المختزل للغاية في سبيل وحدة الشخصية والحدث، والزمن، والمكان وذلك في قصتها ” واحد شاي على بوسطة” والبطل هذه المرة ليس امرأة كما كان في باقي القصص، هو رجل ولكنه أيضا يعاني من الانسحاق الاقتصادي  والتهميش الاجتماعي ليشترك مع باقي بطلات المجموعة القصصية في محاولتهن إيجاد مخرج للخلاص من كل إحباطات الواقع .شخصية لم تفلح في حتى الظفر بمحبوبة، لم يفلح في إيجاد متعاطف على وجه العموم، ليواجه اغترابا لايفلح في تبديده مع أمه الثكلى بفقد أخيه الأكبر ،الناظرة إليه ولسان حالها ينطق ليتك كنت أنت. هو نادل على قهوة من قهاوي المثقفين وسط البلد، يتوحد مع قصة حبيبين، كلما تأزمت الأمور بينهما تدخل بتقديم الشاي بالنعناع ، ينتظر يوم زوجهما، سيذهب إليهم بهدية، “سينتظر مجيئهما إن لم يخبراه بعنوان عشهما، إن لم يدعواه لزفافهما، ذهب خياله ليوم يحضران ومعهما طفلهما، ستكف عن التدخين، ستنهر زوجها ليبعد دخان شيشته عن وجه الصغير ….” هو لا يحلم إلا بسعادتهما ولكن ما بالهما لا يسألاه عن اسمه ” الاسم وعد ضمني بالمعرفة، المعرفة التي قد تؤدي إلى الصداقة..” 

يحتد الخلاف بينهما ” يضع أمامهما كوبي الشاي بالنعناع بغير أن يطلبا، لم يضحكا هذه المرة، صرخ العاشق في وجهه: لم نطلب شايا ذابت ابتسامته، اكتسى بحرج ارتعد له جسمه، يحمل الصينية بيد مرتعشه، لم تدافع عنه بنظراتها كما اعتادت، لم تربت عليه  بابتسامة تزيل حرجه، ارتد للخلف بعينين تستحلفانها، لكنهما تتجاهل وجوده، وتعود لعين حبيبها لتربت عليه هو، كأنهما لم يتشاجرا قبل قليل، يلمح صاحب المقهى ماحدث، يوبخه، يحمله ثمن الشاي، يسارع بلاختفاء، في الحمام ترك العنان لدمعتين كانتا على أعتاب عينيه..”

” بيضاء عاجية، وسوداء أبنوسية” إصدار ” دار بتانة 2017″  تضع ” رباب كساب” في مصاف كاتبي القصة الأول بالرغم من كونها تجربتها الأولى في كتابة القصة القصيرة بعد كتابتها ثلاث روايات ” قفص اسمه أنا 2007″ ، ” مسرودة 2009″، ” الفصول الثلاثة 2010″.