موقع الكتابة الثقافي uncategorized
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

د. مصطفي الضبع

إن احترام عامل التطور الزمني يجعلنا أكثر قدرة علي استكشاف أدق وفهم أعمق لحياتنا الراهنة بما تمتلكه من لحظات التجدد والاستمرار، ولن نحقق ذلك دون وعـي جديد قادر علي استيعاب آليات التطور وملامحه. 

من هنا كانت هذه الدراسة في محاولتها التوقف عند بعض العلامات الجديدة التي تمثل طرائق غير تقليدية في كتابة القصة القصيرة أولا، وثانيا تطرح آليات مغايرة للتلقي لا تنصب بالأساس علي هذه الطرائق بقدر ما هي تسعي إلي أن تلفت الانتباه لما يمكن أن يكون عليه أمر المتلقي الجديد في مرحلة دخول النص الجديد إلي مضمار الوسائط الجديدة بالتحديد، فقد تتعدد طرائق التلقي بتعدد طرائق الكتابة بما يسمح للمتلقي شبه التقليدي أن يتعامل مع النص دون مشكلات، وأن يغير هذا المتلقي من أدواته للتوصل لمفردات الخطاب القصصي، ولكن هذا المتلقي نفسه لن يكون قادرا علي التعامل المناسب مع النص  المعتمد علي الوسائط الجديدة، وتحديدا النص الالكتروني.

إن الدراسة تراهن بالأساس علي أن نظرية السرد لم تكتمل بعد، ولن تكتمل بالطبع مادام اكتمالها مرهونا بحركة النص وتطوره عبر حركة الحياة الإنسانية، ومن ثم يتسع المجال دائما لمحاولة الإضافة إلي سياق النظرية، موازاة لحركة الإضافة التي تحدثها النصوص نفسها.

أولا: طرائق جديدة للقص

إن عوامل عدة   تتضافر لتجعل  القصة القصيرة أقرب الفنون إلي روح عصرها،  ولتكون  ألصق الفنون مجاراة لحركة التطور و التأثر بمجرياته وما يطرحه من فعاليات، لذا فقد خلقت لها  شعبية خاصة كان لها أثرها الفاعل في تنوع خطابها ونحوها إلي التركيز  وخروجها من الأطر النمطية، يقول آيان رايد:” يجب أن نأخذ في الاعتبار أن شعبية القصة القصيرة  بين القراء جعلها تميل إلي التركيز فإن ذلك دفع بها إلي التنوع من غير تحديد. ويرجع السبب في ذلك إلي الرغبة التي يشعر بها المؤلف في سرد قصته ليس من الممكن كبتها ولا تحديدها في نمط واحد”(1)، وهو ما يمثل نوعا من  العرض والطلب، وتقبل ظروف الحياة البشرية لهذا الفن الممتلك لأدوات ترضي الكثير من متطلبات ذوق المتلقين، فهي الفن المميز بقدرته علي الجمع بين روح الحكاية البسيطة وطاقات المجاز الدلالية، تلك التي تتضح في جمعها بين التقاليد الواقعية وجوهر الرومانسية الكامن هناك في عمق النفس البشرية من هنا نجحت القصة في اكتساب مساحات واسعة للانتشار عبر استثمارها لوسائط الاتصال الحديثة ممثلة في  الشبكة العنكبوتية (2) وداخلة في إطار النص، مانحة نفسها الفرصة لأن تخلق مجالا أكثر اتساعا  للتلقي، هو في الوقت نفسه مجال مؤشر لتطورها وقدرتها علي تغيير طرائقها بما يتناسب مع روح جديدة وجد النقد نفسه مدفوعا لتغيير مقولاته القديمة التي لم تعد صالحة تماما لإدارة الحديث حول النص الجديد، ومن ثم كان عليه  أن يعيد النظر في هذه المقولات عبر إعادة النظر في النصوص الجديدة التي تطرحها المخيلة الإنسانية في الوقت الراهن.

في هذا الجانب  تتوقف الدراسة عند مجموعة من الطرائق الجديدة التي تمثل ملامح واضحة المعالم في سياق الكتابة القصصية الجديدة، ومنها:

– المعارضة القصصية.

– حضور الواقع.

– المتوالية القصصية: نعمات البحيري – منير عتيبة.

1- المعارضة القصصية

قد يبدو المصطلح مألوفا متعارفا عليه في شقه الأول، ولكنه يبدو  صادما – بدرجة ما – في شقيه، ولكنها المواضعات نفسها التي تعتمدها المعارضة الشعرية يمكن الإفادة منها بدرجة ما لاستكشاف نص يعي صاحبه بمساحة فاصلة بينه وبين نص السابق محققا شرطا أساسيا من شروط المعارضة (3)، فالكتاب الجدد علي وعي تام بالنص القصصي السابق ويمكننا التوقف عند ثلاثة نصوص لعبت دور المعارضة مستفيدة من المصطلح في سياقه الشعري أو هي طارحة الآليات نفسها:

1- تحت المظلة (2000) لإبراهيم عبد المجيد (4).

2- فوق المظلة لعلي الفقي (5).

3- لا حب تحت المطر لبلال فضل ( 6).

وواضح اشتراك القصتين الأولي والثانية في العودة إلي قصة نجيب محفوظ القصيرة ” تحت المظلة ” (7)، في الوقت الذي تعود فيه القصة الثالثة إلي رواية نجيب محفوظ ” الحب تحت المطر” الصادرة في طبعتها الأولي عام 1973. 

تنطلق المعارضة في القصص الثلاثة من العنوان معتمدتين منظورين أساسيين:

1- الإبقاء مع الإضافة: بما يعني الحفاظ علي  الصيغة السابقة والإضافة عليها في بنية العنوان وهو ما يعني إضافة علي مستوي النص المتن أيضا، وهذا ما يتحقق في قصة إبراهيم عبد المجيد: تحت المظلة 2000، محركا  المتلقي إلي قطبين زمنين: قطب محفوظي يأخذ المتلقي إلي فترة كتابة قصته (1967) وما يفهم منها من تداعيات هزيمة يونيو المعروفة، وقائعها ونتائجها، وقطب لاحق يتمثل في عام 2000 بما تطرحه من تجليات التحضر والتقدم (8).

2- تغيير الصيغة: حيث يتغير العنوان من صيغة الإثبات(الحب تحت المطر)  إلي النفي (لا حب تحت المطر)، أو من (تحت المظلة) إلي (فوق المظلة) في إشارة ظاهرة إلي المخالفة، مخالفة اللاحق للسابق.

وفي الحالتين لا يتوقف الأمر بالطبع عند العنوان، فإبراهيم عبد المجيد يعتمد المنظور العبثي الذي اعتمده نجيب محفوظ سابقا إضافة إلي اعتماده  الضمير نفسه (ضمير الغائب)، والنص يروي عن  شخصية واحدة خلافا لنجيب محفوظ الذي جعل الشخصيات كلها مرويا عنها، يضاف لذلك أن عبد المجيد  يقدم بطلا مأزوما، وحيدا تحت المظلة، يحمل كما من الضجر يجعله شاعرا بالحر في ليل الشتاء:” من الطبيعي إذن أن يكون وحده الآن تحت المظلة في الليل في عز البرد… لكنه لا يشعر بالبرد. الحقيقة أنه يشعر بالحر منذ لحظات ” (9).

في المقابل يعتمد الفقي ضمير المتكلم طارحا منظورا ليس عبثيا تماما وإنما هو يفضي إلي حالة من العبثية، فالبطل الراوي يعتلي المظلة، ممارسا حالاته الاستطلاعية  والتفقدية، مطلقا ضحكات تعكس حالة العبث:” أمسكت حافة المظلة ساعدني الباقون علي اعتلاء المظلة، صفق الرجل في الناحية الأخري وشعرت إنني عال.. عال.. صفقت ومسحت الشارع، رأيت زملائي وزملاء زوجتي يلوحون إلي أثناء سيرهم وهم يبتسمون، لم يعاود أحد النظر إلي المظلة، صفقت وزعقت للرجل الآخر، صفق وزعق هو الآخر، واستغرق مرة أخري في الضحك فلم أجد من الاستغراق في الضحك تحت المطر ” (10).

المعارضة  ههنا تجعل من النص أفقا مفتوحا لتوظيف التيمة السابقة المتشكلة  من خلال دلالاتها الجديدة التي عملت علي استخدام قالب قديم صالح للتعبير عن قضايا جديدة، ولتجعل من اللحظة الراهنة شبيها بالأمس ولسان حالها يردد المثل العربي القديم: ما أشبه الليلة بالبارحة، فالأسباب القديمة قادرة علي إنتاج نتائج جديدة تفصح عن نفسها في واقع متجدد (11).

المؤلف هنا يقوم بدور الراوي الشعبي الذي يستخدم القالب القديم  بطريقة تجعله صالحا لإنتاج دلالاته الجديدة، رابطا منتجه الجديد بعصره ليصبح منتجا عصريا تماما وموهما بجدته وطرافته ومغادرته النص القديم. 

2- حضور الواقع

يضمن الواقع لنفسه موضعا مناسبا في علاقته بالنص،وكلما زاد  الاستغراق في الخيال زالت الخطوط الوهمية مع الواقع، فكل تجاوز للمنطقي هو بطريقة أو بأخري تعبير شديد الحدة عن الواقع، وقد تدرج الكاتب في علاقته بالواقع منتقلا من تفاعل قديم مع الواقع الأحادي، المرئي، الأقرب أو من تفاعل مبدع جيل الستينيات مع ما تجسده وسائل الإعلام محدودة الانتشار والأثر حينذاك ولكن مع ظهور فكرة القرية الكونية اتسع مفهوم الواقع تبعا لثورة الفضائيات وخروج الإنسان المبدع من سيطرة الإعلام الواحد ونشرة الأخبار الواحدة مما جعل النص لا يتوقف عند واقع محلي محدود، وانفتح وعي المبدع ليتسع للعالم غير المحدود:” سأقفز من علي المكتب، أعد وجبة ساخنة، سأقرأ عن إضراب النساء في الأرجنتين، وعن الحجاب في تركيا، وعن نساء إيطاليا في المظاهرات……………………… سأردد أغنية من الأرجنتين لـ ” مرسيدس سوسا “(12)،   الواقع هنا  يتبلور عبر ثلاث نقاط متتالية، متواشجة يترتب فيها اللاحق علي السابق:

الواقع قبل النص: وهنا يكون الواقع آخذا شكل الدافع للكتابة، لإنتاج النص ذاته، أو هو مصدر، ملهم، يشكل نوعا من الحركة غير المستقرة يسعي النص لإحداث توازنا ما عبر محاولته إصلاح واقعا لا يصلح إلا عبر رؤيته عالما غير مرتب، في حاجة دائمة لإعادة الترتيب.

الواقع أثناء النص: حيث تتشكل علامات لها حضورها الواقعي ومرجعيتها السابقة التي لا تعود إلا إلي الواقع خارج النص، وهو قد يكون واقعا موازيا، أو هو واقع نصي يحيل إلي واقع متخيل يمنح النص بعض سماته الموهمة بالحقيقة.

الواقع بعد النص: حيث يبدو أثر النص نفسه في إحداث تغيير ما في الواقع، عبر صيغتين: أولاهما: عملية التلقي المؤثرة من لدن النص،وكيف تعمل علي تغيير المتلقي بما تبثه من أفكار وما تثيره لديه من أسئلة لا ينجح النص في تقديم نفسه دونها،  وثانيتهما: أن النص نفسه قد أصبح جزءا من الواقع بعد أن حقق لنفسه وجودا متعينا متجاوزا كونه مجرد فكرة انتقلت من العدم إلي الوجود أو من السديم إلي الوسيط (ورقيا أو الكترونيا) عبر مخيلة الكاتب.

إنها نقاط  تبدو مترابطة،  مفتتة، ولكنها تفرض سيطرتها علي النص من زوايا متعددة، وتتجلي في عدد من الملامح،التي تكشف عن علاقة / علاقات النص الجديد بالواقع،  منها:

1- حضور الذات وضرب فكرة الغيرية.

2-  الاحتفاء بالأشياء من علامات الواقع.

3- التوثيق بالشخصية الواقعية ذات المرجعية الواقعية.

لقد تخلص النص القصصي الجديد من الغيرية التي وسم بها سابقه قديما في مقابل ذاتية الشاعر، وهنا أصبح للذات حضورا متعينا في مقابل حضوره القديم الذي كان يعتمد علي الخفاء، خفاء ذات الكاتب وراء عالمه النصي، يعلن عن وجوده من خلال حضور أفعاله التي تمثله، ولا يتمثل هو بذاته، ولم يكتف الكتاب بالظهور في المتن علي استحياء مثلا، وإنما جاهر بعضهم بالكشف عن نفسه في العتبة الأولي (العنوان)، وجاءت ” حكايات جار النبي الحلو”(13) تأكيداً لهذا الجانب، واستظهارا لحضور الكاتب باسمه مرتين علي غلاف المجموعة، مبادراً بالهمس لمتلقيه: ليس جار النبي الحلو المضاف للحكايات شخصا غريبا أو هو شخصية ورقية فحسب.

وفي هذا السياق ظهرت شخصيات لها مرجعيتها الواقعية، في مجموعته ” البستان “، يعنون محمد المخزنجي إحدي قصصها ” يوسف إدريس ” ( 14) رابطا النص بالواقع، أو جاعلا نصه محيلا إلي واقع له حضوره الذي لا ينكر.

 لقد راهن النص الجديد علي إخراج الذات من خفائها:” أنت وحدك تعرف المقهي، أنت وحدك الذي تعبر زحام 26  يوليو، وتمر علي بائع الجرائد بمحطة الرمل، وتتذكر ما حكاه أحمد حميدة عن محمد حافظ رجب، حكاية الأديب الذي باع اللب والسوداني من أجل لقمة العيش، الأديب الذي كتب كل قصصه علي الرصيف وفي ميدان عام بين الناس، قصص غريبة مجنونة تشبهنا، أنا سمعت هذه الحكاية أكثر من مرة..هل هذا هو كل ما تبقي للأدباء من مجد ؟ ” (15).

لا يكتفي الراوي هنا بالحضور الجلي ولكنه يؤكد الواقع بشخصيات عصره، بشخصيات لها مرجعية الواقعية، لها قدرتها المؤكدة للإشارة إلي زمنها، لتكون في حد ذاتها وثيقة علي واقعها، يضيف عبرها الكاتب الجديد علامة توثيق أخري للواقع تنضاف إلي ما سبق أن أنجزه سابقوه(16)، الكاتب هنا يعتمد شخصية جاهزة، ليس مطالبا إزاءها إلي رسم أبعاد لها مما تسمح به قوانين القصة القصيرة.

وفي المجموعة نفسها تظهر الكثير من الشخصيات وخاصة الأدباء، لدرجة يقترب فيها الكاتب من طبيعة العملية الإبداعية: 

“أفلت من مذبحة الأربعين التي كتبت عنها صفاء عبد المنعم سبع قصص، ثم ألهمتها رواية كاملة لم تعجبني، والآن عندي شعور بأنني لن أموت قبل أربعين أخري، أربعين أكتب فيها ما عشته في الأربعين الأولي”(17). 

– وتتدرج عملية الإفصاح عن الشخصيات ” أنا الكاتب العليم الذي تسمعون عنه” (18).

– وفي تطور أخير يفصح الكاتب فيه عن نفسه بصيغة قد تحتمل التأويل بعيدا عنه ولكن التأويل سيأخذنا للوهلة الأولي إلي الكاتب نفسه، فيأتي عنوان القصة ” أنت تفقد عاداتك يا سيد” (19).

والمنظور نفسه يتجلي في مجموعة بلال فضل التي تشي منذ عناوين قصصها، والمقولات المصدرة لها بشخصيات تنتمي إلي الفكرة ذاتها:

– خطاب “open ”  إلي مدام جوليا روبرتس (20)

– نص الخطاب التاريخي الذي ألقاه فخامة السيد الرئيس محمد أنور السادات في ديسمبر عام 1981بعد نجاته من حادث المنصة الإجرامي”(21).

– ليلة اغتصاب مادلين أولبرايت (22).

وجميعها نصوص تقترب من الواقع محركة زاوية الرؤية إلي درجة الوقوف في مستوي أعمق من مجرد استلهام الواقع أو تصويره عبر خيال يقاربه مجازيا، وهي في اقترابها تراعي تصنيف مشكلات الواقع سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية بحيث تبدو الصورة حريصة علي استكمال زوايا الواقع المتعددة، ولا يكتفي النص بمجرد الإشارة للواقع عبر مجموعة من الرموز ذات المرجعية الواقعية وإنما تعمل علي الاشتباك بالواقع بشكل أكثر حسما.

3- المتوالية / الوحدة العضوية

ينبهنا  مصطلح المتوالية القصصية إلي مصطلح جديد يكاد يكون موازياً له، أو هو متولد عنه هو: الوحدة العضوية  الكاشفة للعلاقة بين نصوص مجموعة واحدة سبق لمؤلفها التدخل في ترتيب نصوصها بصورة تجعلها شبيهة بالرواية في امتداد أحداثها وتوالدها، ومؤطرة للنصوص المنفصلة المتصلة، وكاشفة عن وعي المؤلف المؤثر في تشكيل النصوص مما يجعل منير عتيبة يضع عنوانا فرعيا ” متوالية قصصية ” لمجموعته ” مرج الكحل ” (23).

والنصوص المرتبطة عضويا تأخذ صيغة من اثنتين:

1- نصوص تأتي جملة واحدة دون تقسيمها إلي مجموعات داخلية، وهنا يكون العنوان (عنوان المجموعة القصصية) أول علامات الربط بين النصوص، ويعول الارتباط هنا علي مفهوم  راسخ بأن علاقة ما لابد قائمة بين أي مجموعة من القصص، وهو مفهوم  ليس بعيدا عن وعي النقد:” والواقع أن أية ” مجموعة ” من القصص القصيرة، مهما كانت درجة التباعد بين قصصها، تنطوي علي خيط رفيع يربط بين قصصها المتباعدة، ويصنع منها وحدة ما، فهي علي الأقل قصص كتبها نفس المؤلف وفيها ملامح أسلوبية متناغمة ومتكاملة ” (24)، وفي كثير من الأحيان تكون النصوص قائمة بدور عدسات الكاميرا التي تركز كل منها علي زاوية بعينها خالقة معزوفة متناغمة تمثل عمادا أساسيا في تشكيل الدلالة النصية.

2- نصوص مقسمة إلي مجموعات داخلية ترتبط بدورها برابط داخلي يعمل علي إحداث مجموعة من الوحدات الداخلية المشكلة بدورها البناء الكلي للمجموعة كاملة، وهي الطريقة المعتمدة لدي كثير من كتاب القصة من الجيل الجديد ( نعني كتاب الثمانينيات والتسعينيات، أو هؤلاء الذين يكتبون بوعي هذه المرحلة)، وتتعدد العناوين أو الروابط الداخلية، ومنها:

– رابط زمني: حيث التقسيم يعتمد بعدا زمنيا واضحا يتحرك من القديم إلي الحديث،مشيرا إلي نوع من نمو الوعي، وفي الغالب يكون العمل قريب العهد بمرحلة الطفولة، أو هو العمل الأول لصاحبه مما يجعل مراحل الوعي تفرض نفسها علي النصوص،  ويأتي في هذا السياق مجموعة سيد الوكيل الأولي ” أيام هند”، بتقسيمها الثلاثي (وجوه، ملامح، رتوش)، ومجموعة راندا طه ” نفس طويل ” وعناوينها الداخلية ثلاثة: دوامات علي سطح النهر، وتجديف، وفيضان (25)،  ومجموعة محمد مقبل ” الرماديون ” التي تنقسم إلي ثلاثة أقسام: الشارع الخلفي ويضم ست قصص – أبجدية ويضم خمس قصص – ثم تعتمد المجموعة الطريقة التقليدية في إيراد نصوصها (26)، ومجموعة محمد صلاح العزب ” لونه أزرق بطريقة محزنة “( 27) التي يبدو عنصر التدرج الزمني واضحا تماما في تقسيمها (سراويل قصيرة – شارب أصفر خفيف – الخروج مع القافلة) موازيا لنمو وعي الشخصيات.

– رابط دلالي: لا يحيل إلي الزمن بالضرورة، وإنما يحيل إلي دلالة ليس لها البعد الزمني مباشرة، مما يجعل النصوص تدعو متلقيها إلي الربط الداخلي لا الخارجي، ومنها مجموعة ” البستان” لمحمد المخزنجي  التي انقسمت داخليا إلي ثلاث مجموعات (فيزيقيات – سيكولوجيات – باراسيكولوجيات)، لتؤكد الثلاثية الكامنة في التقسيم الداخلي والخالقة لمثلث ليس لزاوية من زواياه فضيلة علي الزاويتين الأخريين، فالدلالة تتشكل بادئة، ومعتمدة علي أي من الزوايا وجاعلة من نقطة التقاء أي ضلعين إشارة إلي تقارب المتباعدين، ولكن الالتقاء ههنا لا يعني الانغلاق، وهو ما يتأكد تمامًا في مجموعة ” البستان ”  حيث العناوين تأخذك إلي عمق ليس مفضيا إلي المغلق، وإنما قد تأخذك علي الخلاف من ذلك  إلي المطلق، مطلق النفس الإنسانية المعتمدة علي  قوة الخيال أكثر من اعتمادها علي ماهو واقعي. 

ثانيا: المتلقي الجديد

تتعدد أشكال النص موازاة لتعدد أشكال تلقيه، فالنص الديني له طبيعته المغايرة للنص الأدبي، كما أن النص الشفاهي يغاير النص المكتوب، وما بينهما يمكن رصد أشكال متعددة للتلقي حسب طبيعة النص والوسائط المستخدمة في تقديمه كما في النص السينمائي  و المسرحي الممثل، ونص الأغنية الحديثة في اعتمادها علي أكثر من تقنية فنية في آن واحد.

لابد أن نكون علي درجة من الوعي بمشكلات متعددة في التلقي من شأنها أن تخلق مجالا من الفصل بين النص و المتلقي مما يترتب عليه غربة النص عن متلقيه، ومن ثم تتفسخ دائرة الإبداع لنخسر النص بوصفه طاقة معرفية جمالية لها دورها في تشكيل الوعي الجديد لمتلق جديد قادر علي التفاعل مع آليات العصر وقوانينه.

متلق جديد عليه أولا  أن يتخلص من مشكلة /مشكلات التلقي القديم/ القديمة  الضاغطة علي عملية التلقي أو ما بقي من آلياتها ومن أهمها:

– الفكرة المسبقة عن النص (28).

– تحكيم معايير غير أدبية علي النص الأدبي مما يدخله في منطقة الدفاع عن نفسه لا تقديم دلالاته ومن ثم نكون قد استنزفنا طاقاته في غير موضعها الصحيح (29).

– تحجر المعرفة عن الجنس الأدبي، حيث ما تزال تسيطر علي الكثيرين فكرة الشعر وكونه الموزون المقفي، كما تسيطر فكرة تصنيف القصة علي عاطفية وبوليسية وغيرها من التقسيمات المؤثرة في التلقي.

– عدم التوافق مع الآليات الجديدة  ذات الوسائط المغايرة للتلقي كما في شبكة الانترنت والكمبيوتر.

– الوعي بما كان علي حساب الوعي بما هو كائن بما يمنح الوعي قدرة علي التجدد مع معطيات العصر.

وبعدها يمكن للمتلقي أن يتداخل مع النص الجديد عبر وعي جديد لن يتشكل قبل التخلص من هذه المشكلات معظمها، عندها  نكون علي يقين من أننا بتخلصنا من  هذه المشكلات ذات  التأثير الواضح  في التلقي الجديد الذي لسنا مهيئين له تماما.

لقد تخلص العالم من مشكلاته هذه استعدادا لنص جديد، من نوع خاص، يتطلب وعيا أعلي، ويصبح من الضرورة بمكان التعامل معه بآلياته هو لا بآليات قديمة، لا تصلح (بالتأكيد) لمتابعة نص مفتوح أو نص مفرع Hypertext، هو السمة الغالبة علي النص الجديد، نص ينتشر عبر وسيط الكتروني بصورة غير متخيلة، مساحته العالم ، ويقدم نوعا من القراءة التفاعلية المستفيدة من كونه نصا مفتوحا، تتابعه عبر شاشة صغيرة / نافذة علي العالم الواسع، يمكن لملايين المتلقين أن يتعاملوا معه في اللحظة نفسها، يتوسع بتوسع الشبكة الدولية للمعلومات وتتعدد نسخه  كلما تعددت آليات النسخ وتقنياته، يؤكد ذلك  التقرير الإستراتيجي العربي:

” بدون شك، فإن الشبكة الدولية للمعلومات سوف تستمر في التوسع والانتشار بأعلي المعايير من وجهة النظر التاريخية. وحسب تقديرات شهر مارس 2000 فقد وصل عدد مستخدمي الشبكة الدولية إلي 200 مليون مستخدم من بين 6 مليارات نسمة يشكلون عدد سكان العالم، وعدد الشبكات الفرعية ارتفع إلي 200 آلف شبكة فرعية تشكل معا الشبكة الدولية. وتشير بعض التقديرات إلي استمرار نسبة النمو السنوي العالية حتي خمس سنوات قادمة، إلي أن يصل عدد المستخدمين إلي حوالي بليون مستخدم،  وتشير تقديرات أخري إلي عدد أكبر يفوق2 بليون نسمة، أي ثلث عدد سكان العالم سيكونون مرتبطين معا. وبعدها ستقل نسبة نمو الشبكة مع مطلع 2006. وفي حال كهذا ستكون الشبكة أكثر من مجرد وسيلة اتصال مفتوحة، إذ ستتحول إلي أسلوب أكثر حرية وأقل قيودا للتفاعل الإنساني بين الأفراد والمجتمعات وبعضها (30).

إزاء هذا التدفق المميز للشبكة العنكبوتية تتكشف  جوانب التدفق المعرفي / النصوصي لما تمنحه الشبكة من طاقة لنشر النصوص بسرعة فائقة، فالشبكة بوصفها نصاً متجددًا كل ساعة تفتح آفاقا جديدة من  العطاء النصي متنوع الأهداف والموضوعات القادرة علي أن تمنح متلقيها طاقات متجددة شريطة أن يحسن التعامل معها، أن يكون تلقيه موازياً لطرائق قديم النص، أن يكون تلقيه (Hyper reception  هيبرتلقي)  بدرجة من الدرجات.

هنا لابد أن نزحزح قليلا فكرة المتلقي التقليدي، متجاوزين الفكرة السائدة بأن المتلقي هو القارئ فقط، فإذا كان هذا المفهوم مناسباً لعصر القراءة فإنه لا يتناسب تماماً مع عصر مغاير يعتمد علي آليات جديدة مفارقة إلي حد كبير للآليات القديمة، لذا فإن مجال الكمبيوتر وتطبيقاته وشبكة الإنترنت تخلق متلقياً جديداً تنمي فيه أشكالا أخري للتلقي خارج نطاق الفكرة السائدة:  أن  التلقي = القراءة، يترتب هذا علي تغير مفهوم النص نفسه، واتساعه بصورة تفوق الكثير من التوقعات  ليضم أشكالاً أخري من النصوص المتلقاة، فلم يعد مفهوم  النص مقتصرًا علي  تلك السطور المتتالية علي صفحة بيضاء، وإنما تعددت أشكاله، فالسينما نص، وأغنية الفيديو كليب نص، وصفحة الويب نص ولوحة الفن التشكيلي نص وكلها تخضع لآلية التلقي، وتحتاج إلي تلق من نوع خاص، يناسب هذا المفهوم الجديد.

ومع ظهور آلية النشر الالكتروني كان علي القارئ أن يستفيد من مقررات العصر ليدخل منعطفا جديدا في التلقي،  قوامه الاعتماد علي قدرات جديدة لتلقي النص الجديد، ذلك النص الأوسع فضاء والأكبر حجما، واللامحدود مساحة، والمتعدد الوسائط  بصورة لم يكن أصحاب الآليات القديمة يتعودونها، أو يتخيلون الطفرة التي أنتجت هذا الشكل من النصوص، والتي تبلور نوع منها أو تبلورت جميعها في مصطلح جديد  يتناسب مع طبيعته (النص) الجديدة، نعني مصطلح الهيبرتكست (Hypertext) تسمية مجازية لطريقة في تقديم المعلومات يوصل فيها النص  والصور والأصوات والأفعال معا في شبكة من الترابطات مركبة وغير تعاقبية، مما يسمح لمستعمل النص أن يتصفح (browse ) الموضوعات ذات العلاقة دون التقيد بالترتيب الذي بنيت عليه هذه الموضوعات، وهذه الوصلات تكون غالبا من تأسيس مؤلف وثيقة النص المفرع، أو من تأسيس المستعمل، حسبما يمليه مقصد الوثيقة ” (31).

وفي سعيه للتشكل خلق نص الهيبرتكست مجالا لبلاغته الجديدة  التي علي المتلقي إدراك قواعدها أو تذوق معطياتها وجمالياتها، حيث النص هنا يمنح متلقيه حركة بصرية في مقابل الحركة الذهنية / التخييلية التي أنتجت قديما من التشبيه في البلاغة العربية القديمة، تحديدًا في حركة الاستدعاء التي يحرك فيها التشبيه الذهن لاستدعاء المشبه به إلي نطاق الصورة المرسومة، فعندما يقول المتنبي:

كَأَنَّ كُلَّ سُؤالٍ في مَسامِعه قَميصُ يوسُفَ في أَجفانِ يعقوبِ

فإنه يستدعي ثلاثة عناصر أساسية (قميص – يوسف – يعقوب) إذا كان أولها قريبا من ذهن المتلقي، أو كائنا في مجاله البصري، فإن العنصرين الآخرين يستدعيان من خارج المجال البصري، من عمق التاريخ، والمتلقي يكون في  وضعية من اثنتين:

– وضعية العارف، الممتلك معرفة مسبقة بالمستدعي فتكون حركته أقل.

– وضعية غير العارف، فتكون حركته أوسع بكثير لسد حاجته المعرفية.

فإذا ما قارنا بين التشبيه بوصفه أداة والنص الجديد بوصفه أداة أيضا أمكننا أن نتوقف عند كثير من مواضعات التلقي ومن ثم استشراف طبيعة النص الجديد وجمالياته:

التشبيهالهايبرتكست  Hypertext
–  يحرك الخيال قبل البصر.– يحرك البصر قبل الخيال.
– الانتقال معنوى.

 

 

– الانتقال مادى، فالمتلقى يضغط بالماوس على جسد الكلمة/ الرابط  للانتقال من صفحة إلى أخرى.
– المتلقى ينتقل إلى صورة خيالية.– المتلقى ينتقل إلى صورة مادية.
– الخيال هو الفاعل فى الاستدعاء بغرض تركيب الصورة المستدعى من ورائها.– النص هو الفاعل فى الاستدعاء حيث يستدعى ما وراء الصفحة.

 

الخصوصية والتعدد

يحقق النص الجديد عبر وسيطه / وسائطه المتطورة سمتين أساسيتين  تشكلان  شخصيته:

أولاهما: خصوصية النص / خصوصية التلقي: حيث تمنح الوسائط الجديدة مستخدمها  قدراً كبيراً من الخصوصية عبر كلمة المرور، أو كلمة  السر (password ) الخاصة التي تجعل للمستخدم عالمه الخاص، ومن ثم يكون له تلقيه الخاص للنص، عبر التلقي التفاعلي الذي يمكنه من تشكيل عالم من النصوص الخاصة حفظا وتصنيفا بالطريقة التي يريدها هو(32) وقد خلقت عملية التلقي التفاعلي مجالاً أوسع للتعامل مع النصوص الالكترونية، عبر مراحل عمرية ومهارية  متعددة من أهمها:

1-  مستوي الأطفال والمبتدئين:  حيث يمكن للطفل أن يكون له لعبته/ ألعابه الخاصة في نسخ خاصة به لا تتوقف حريته عند تشغيلها في أي وقت يريده وإنما في تشغيلها بطرقته الخاصة كما يحدث في لعبة الفيفا بإصداراتها المختلفة، ومن قبلها لعبة البتت زو (Putt Zoo)

2- مستوي الشباب: عبر المواد المفضلة التي يحرص الشباب علي اقتنائها وتلقيها بطرائق متعددة ومن أهمها الأفلام، حيث نجحت برامج ترجمة الأفلام (ومن أشهرها برنامج (SLDcodecpack ) في تمكين المتلقي المحترف من المشاركة في التلقي بوضع الترجمة علي الفيلم، كما منحت المتلقي غير المحترف من استخدام ذوقه الخاص في إجراء تعديلات، وتغييرات تناسب ذوقه في حجم الترجمة ومكانها علي الشاشة   وقد ساهمت مواقع الانترنت ومن أهمها الموقع العربي للدي في دي (33) في إنتاج قوائم مكتملة لترجمات الأفلام تلعب دورها المؤثر في تلقي الأفلام السينمائية، ويمكن للمتلقي طلب ترجمة فيلم معين وهناك قوائم طلبات ترجمة تحقق قدرا كبيرا من الحرية في الحصول علي الأفلام الحديثة وترجمتها (34) في وقت قياسي، يضاف لذلك المستوي القدرة علي التعامل مع برامج الجرافيك عالية المستوي مثل برنامج (فوتوشوب) بإصداراته المختلفة.

3- مستوي الكبار والمحترفين: ويتجلي في مستوي البرمجة والتفاعل مع البرامج غير المعربة بتعريبها، حيث لا يكتفي المتلقي باستخدام النص وإنما يسعي لتطويعه للغته للاستفادة منه لأقصي درجات الاستفادة، وتقدم لك محركات البحث المختلفة علي الشبكة الدولية الكثير من المواقع المعنية بتعريب البرمجيات المختلفة للمستخدم العربي، وإنتاج برمجيات ذات طبيعة خاصة تناسب الثقافة العربية والإسلامية، من أهمها البرامج الموسوعية التي يأتي علي رأسها برامج القرآن الكريم، والموسوعة الشعرية الصادرة (35) عن المجمع الثقافي العربي (أبو ظبي) والتي تعكس إلي حد كبير إيمان المؤسسة الثقافية العربية بالتكنولوجيا الحديثة، كما أنها تساهم في خلق متلق له قدراته الخاصة في التلقي غير التقليدي.

ثانيتهما: تعدد النسخ، و انتشار النص:

بفضل التقنية الجديدة أصبح بإمكان النص الجديد أن يكون أكثر انتشارا، فتعدد الوسائط يوازيه تعدد النسخ، وحيث بات بإمكان المتلقي أن يصنع نسخته الخاصة من نص ما، بحركة ماوس، والتعامل البسيط مع أزرار قليلة علي لوحة المفاتيح يمكن المتلقي غير المحترف  من  عمل نسخة خاصة به علي القرص الصلب، أو علي قرص مدمج (CD )، ولم يعد أمام المتلقي أية صعوبات في نقل المادة الالكترونية عبر وسائط متعددة مشروعة فتحت الباب في كثير من الأحيان لطرائق  غير مشروعة(36)، إن انتشار أغاني الفيديو كليب والألعاب والأفلام عبر عمليات النسخ يفوق كل تصور، ومع ظهور طرائق جديدة ذات سرعات عالية للاتصال بشبكة الانترنت (37) والتي مكنت من تنزيل  نصوص ذات مساحات أكبر في زمن قياسي أسرع كما آذنت بتخلص عملية الاتصال من تحمل تكلفة أكبر كان المستخدم يتكبدها باستخدام خط الاتصال التقليدي (التليفون) في التعامل مع الشبكة العنكبوتية.

الوعي بالشروط الجديدة للتلقي.

إن شروطا جديدة تحتم علي المتلقي الجديد الوعي بآليات ذات أهمية قصوي لهذا النوع من التلقي، فإذا كان الكمبيوتر قد حقق قدرا كبيرا من سرعة الأداء ومن ثم سرعة التلقي فإنه داخل برامج الكمبيوتر نفسه يجري تنافس علي أداء أسرع في وقت أقل ومجهود أقل بكثير، فمع تفجر الثورة المعلوماتية وجد الإنسان نفسه مدفوعا لإيجاد آليات تمنحه قدرة أكبر علي المتابعة وهو ما يليق بإنسان عصري يكون من الظلم أو من علامات التخلف أن يتوقف عن مسايرة أهم سمات العصر (السرعة)، هنا نجد أن مجرد التعامل مع الكمبيوتر قد تحول إلي نوع من التقليدية، فقد ظهرت أجيال جديدة من حزم البرامج (سوفت ويرsoftware ) تتماشي مع أجيال جديدة من (الهارد وير(38) Hardware) وأصبح لكل عمل إنساني برمجياته الخاصة التي تتنافس عقول المبرمجين في الوصول بها إلي أقصي درجات الجودة، وذلك بتحقيق أهم سمتين تميزان البرمجيات عامة وهذا النوع منها خاصة: الدقة والسرعة.

إن من حتميات العلاقة بين الجهاز ومستخدمه أن  الكمبيوتر موظف تنفيذي عليه بداية وقبل كل شيئ تنفيذ الأعمال التي تطلب منه بدقة متناهية ومن ثم يكون علي المتعامل معه أن يدرك حقيقة لها أهميتها القصوي: الكمبيوتر شخص يتميز بالغباء فهو طوع حركة أصابعك علي لوحة المفاتيح، ورهن إشارة يدك بمؤشر الماوس.

كما يكون علي المتلقي أن يدرك بعض العلامات الأكثر أهمية في التعامل مع نص له لغته الخاصة، والجديدة،  فالتعامل مع الملفات الرقمية(Fil)   يشبه إلي حد كبير فكرة إدراك التشكيل البصري للكلمة في العربية بواسطة علامات إعراب تحدد ماهية الكلمة ومعناها، حيث يجد المتلقي الامتداد(extension)   مقابلا للتشكيل في اللغة العربية، إذ هو (الامتداد) يمثل علامة للتعرف علي الملف: نوعه، وظيفته، المادة الرقمية التي يتضمنها، وهنا يجد المتلقي نفسه إزاء مجموعة من العلامات شديدة التحديد والدقة تتضام كل مجموعة منها لتشكل حزمة من العلامات الإعرابية المميزة منها علي سبيل المثال:

-doc  -txt  -rtf   وتشير لملفات الوثائق أو الملفات الخاصة بملفات معالجة الكلمات  Word وما شابهها.

–  Exe- dll   ملفات تشغيل.

–  Avi asf -mpeg ملفات الفيديو.

–  Mp3   ملف موسيقي.

– jpg bmp- gif  وغيرها ملفات صور.

ولأن هذه العلامات من الأهمية بمكان في تشكيل نحو النص الرقمي فإنها تشكل أيضا نوعا من المشاركة القصدية بين منتجها ومتلقيها، يشبه تماما تشكيل مستخدم العربية لكلمة بغية الكشف عن إرادته نطقها بطريقة مؤثرة في إنتاج معناها موجها المتلقي إلي آلية خاصة من شأنها إدارة المعني المراد.

…………………………….

هوامش وإشارات

1 – آيان رايد: القصة القصيرة – ترجمة: د. مني مؤنس- الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1990 ص 15.

2 – لا يكاد يخلو منتدي من المنتديات الالكترونية العامة من تجارب قصصية أو من قصص لكتاب راسخة أقدامهم في فن القصة، خلافا لمنتديات أدبية خاصة تفرد مساحات للقصة القصيرة، يضاف لذلك مواقع خاصة بالقصة القصيرة، منها:

– القصة العربية:  http://www.arabicstory.net/.

– القصة السورية: http://www.syrianstory.com/.

كما أن المواقع المتخصصة للنشر الالكتروني قد كان لها دورها الفعال عبر نشر مجموعات كاملة تشبه النشر التقليدي في اعتمادها غلافا خاصا بالمطبوعة الالكترونية، ومنها:

– موقع كتب عربية:  http://www.kotobarabia.com.

– دار ناشري للنشر الالكتروني: http://www.nashiri.net/.

3 – ” يمكن القول إن المعارضة الشعرية إن كانت تتضمن رغبة المعارِض في مماثلة المعارَض، تحت تأثير الإعجاب، أو ربما بدافع توكيد انتماء اللاحق للسابق فإنها تشير ــ وبنفس القدر ــ إلي مقابلة النموذج المتقدم زمناً بالنموذج المتأخر زمنا”  د.محمد  فتوح أحمد: معارضات البارودي في ضوء الدراسات النقدية الحديثة – أبحاث دورة البارودي – مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين  للإبداع الشعري – القاهرة 1994ص 135.

4 – إبراهيم عبد المجيد: سفن قديمة – ميريت للمعلومات والنشر – القاهرة 2001.

5 – علي الفقي: فوق المظلة – إبداع الحرية – المنصورة 2005.

6 – بلال فضل: بني بجم – ميريت للمعلومات والنشر – القاهرة 2001.

7 – نجيب محفوظ: تحت المظلة – مكتبة مصر – القاهرة 1969، وقد كتبت قصص المجموعة بين أكتوبر وديسمبر 1967، كما يشار في تصدير قصصها.

8 – خلال القرن العشرين كانت البشرية تنتظر عام 2000 بوصفه علامة علي ما وصلت إليه من تقدم.

9 – إبراهيم عبد المجيد: سفن قديمة – ص 8.

10 – علي الفقي: فوق المظلة  ص 9.

11 – وهو الأمر نفسه الذي أنتجته القصيدة العربية في معارضاتها المختلفة، فقد جاءت القصائد المتعددة  المعارضة لقصيدة بعينها توظيفا جديدا للقصيدة السابقة ومن نماذج ذلك نونية ابن زيدون التي تجاوز معارضوها السبعين شاعرا اتخذوا منها نصا شعبيا متعدد الرواة، يعمد كل راوية إلي استخدام القالب القديم لإنتاج دلالة جديدة، أو لتوصيل رسالة متجددة.

انظر دراستنا: استواء الضوء وانكساره، قراءة في معارضات نونية ابن زيدون.

12 – صفاء عبد المنعم: بنات في بنات – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2001 ص 11.

13 – جار النبي الحلو: حكايات جار النبي الحلو – هيئة قصور الثقافة – القاهرة 1997.

14 – محمد المخزجي: البستان – دار سعاد الصباح – الكويت 1992- ص 62.

15 – سيد الوكيل: مثل واحد آخر – دار الاتحاد للطباعة  – القاهرة 2003.

16 – عمد كتاب جيل الستينيات إلي التوثيق بقصاصات الصحف، واتخاذها وسيلة للتأشير علي الواقع، وجاء كتاب التسعينيات وبداية القرن الجديد (القرن الواحد والعشرون) ليجعلوا من الشخصيات ذات المرجعية الواقعية علامة توثيقية علي الواقع الراهن.

17 – مثل واحد آخر ص 49.

18 – مثل واحد آخر ص 56.

19 – مثل واحد آخر ص 51.

20 – بني بجم ص 47.

21 – بني بجم ص 95.

22 – بني بجم ص 143.

23 – منير عتيبة: مرج الكحل، متوالية قصصية – مطبوعات القصة – الإسكندرية 2005.

24 – د. خيري دومة: حلقة القصص القصيرة نوع أدبي مراوغ ومتجدد – ضمن كتاب: بحوث في الرواية والقصة القصيرة – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 1993.

25 – راندا طه: نفس طويل – المجلس الأعلي للثقافة – القاهرة 2001.

26 – محمد مقبل: الرماديون – فرحة للنشر والتوزيع – القاهرة 2003.

27 – محمد صلاح العزب:  لونه أزرق بطريقة محزنة – المجلس الأعلي للثقافة – القاهرة 2003.

28 – وهي المشكلة التي يعانيها نص نجيب محفوظ ” أولاد  حارتنا” حيث دخول كثير من المتلقين بفكرة مسبقة عن النص مما يجعلهم باحثين عما قيل من تفسيرات للشخصيات، وقد أجريت تجربة عملية مع طلبة الفرقة الرابعة بكلية دار العلوم، نبهتهم لخطورة الفكرة المسبقة عن أعمال نجيب محفوظ وطلبت منهم قراءة النص متخلصين من أية أفكار سابقة، وقد كانت النتائج إيجابية تماما إذ لم يقترب أحد من التأويلات السابقة وتحرك الجميع في اتجاهات بعيدة عما أثير حول النص.

29 – تمثل مشكلة رواية وليمة لأعشاب البحر ومن بعدها مشكلة الروايات الثلاثة دليلا واضحا للكشف علي هذا الجانب.

30 – انظر:  التقرير الاستراتيجي العربي، مركز الدراسات السياسية والاشتراكية:

http://www.ahram.org.eg/acpss/ahram/2001/1/1/RARB20.HTM

وانظر، حول معدلات التعامل مع الانترنت بين الدول الكبري:

http://www.bab.com/articles/full_article.cfm?id=1503

31 – د. حسام الخطيب: آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية، دار الفكر، بيروت، ط 1، 2001 ص 50، والمؤلف يحيلنا للنص الأصلي للتعريف في موسوعة مايكروسوفت انكارتا(1994).

32 –  يمكننا في السياق نفسه إضافة التليفون المحمول (الموبايل) بوصفه جهازا خاصا يمنح صاحبه مدي آخر من الخصوصية يضاف لخصوصية التعامل مع شبكة الانترنت.

33 – يعد الموقع من أكبر المواقع في مجال السينما والأفلام وترجماتها، والمادة الإخبارية في المجال نفسه www.DVD4arab.com.

34 – أذكر تجربة شخصية مع فيلم (آلام المسيح)  الناطق بالعبرية والآرامية إذ تمكنت من الحصول علي ترجمته العربية بعد حيازتي لنسخة من الفيلم بدقائق معدودة.

35 – ومن أهم الموسوعات العربية الخالصة موسوعة الشعر العربي التي يمثل الإصدار الثالث منها ثورة في مجال البحث العلمي، فالموسوعة تضم الشعر العربي من بدايته المدونة وحتي خمسينيات القرن الماضي ، وتضم  2439589مليونين  وأربعمائة وتسعا وثلاثين ألف وخمسمائة وتسعا وثمانين بيتا موزعة علي دواوين 2300 شاعرا بالإضافة إلي 265مرجعا تراثيا كاملا (منها الأغاني في 19564 صفحة)، وعشرة معاجم عربية كاملة، يمكن للمتلقي التحرك بسهولة بين قوائمها التي تتيح العمل بدقة كبيرة، ومن هذه القوائم:

1- قائمة الشعراء مرتبة  زمنيا وأبجديا،وتتيح معرفة النتاج الشعري بدلالة صاحبه.

2- القصائد، ويمكن البحث فيها عبر المطالع أو القوافي.

3- البحث، وهي أهم عنصر في القائمة علي الإطلاق، إذ يكفي معرفة المتلقي  لكلمة واحدة من البيت أو القصيدة ليمكنه  الحصول عليها في ثوان معدودة، فيجد نفسه إزاء مرات تكرار الكلمة في الشعر العربي منسوبة للقصيدة التي وردت فيها ولصاحبها.

4- قائمة العروض وتضم تعريفا ببحور الشعر العربي، ومصطلحات العروض ثم خاصية تقطيع بيت شعري عروضيا إذا كتب بتشكيله الصحيح.

5- قائمة المعلومات عن الشعراء وتضم معلومات وافية عن الشعراء العرب ومنجزاتهم الشعرية.

6- الاستماع ويضم الإصدار الثالث  عشر معلقات ومختارات من الشعر العربي ومختارات من شعر المتنبي مسجلة صوتيا مع خلفية موسيقية مناسبة.

7- الملاحظات: حيث يمكن للمتلقي  أن يسجل ملاحظاته تباعا.

8- المراجع وتحدد مجموعة المصادر والمراجع العربية التي استمدت الموسوعة منها مادتها العلمية.

9- المعاجم: وتضم عشرة معاجم كبري منها: تاج العروس، لسان العرب، والعين.

يمكنك مطالعة الموسوعة عبر موقعها علي الشبكة:

www.cultural.org.ae

36 – نعني عمليات النسخ غير المحافظة علي حقوق المؤلف، والتي تحاول الجهات المعنية الحد منها والتي تتم علي الأقراص المدمجة، مستفيدة من برامج كسر الحماية للتخلص من أية عوائق، يضاف لذلك ظهور فكرة الهارد المتنقل (الموبايل راك) التي انتشرت بصورة تمنح تعددية النسخ مساحة أكبر مما تتصور.

37 – نعني تقنية(IDSL)  بتقنياتها المختلفة وسرعاتها المتعددة الفائقة.

38 – يمكن للمتابع أن يكتشف بسهولة المنافسة الساخنة بين شركات تصنيع الأجهزة (الهاردوير) من ناحية والشركات المماثلة أو بين شركات إنتاج  البرمجيات (السوفت وير) أو بين النوعيتين معا وصولا للأرخص سعرا والأفضل مميزات والأسهل استخداما.

 

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:199. Generation time:2.873 sec. Memory consumption:44.38 mb