نبض الشارع المصري … “بدون ذكر أسماء”

 في المسلسل خيوط درامية تتقاطع وتتباعد بحرفة سيناريست مخضرم، ولا تكاد حلقة واحدة تخلو من عقدتين أو ثلاث عقد، فإذا أضفنا إلى ذلك الرهافة الفنية التي تناول بها المخرج تامر محسن العمل، وتمكنه من تقديم مزيج وثائقي- درامي ينتج جماليات على المستوى البصري والقصصي، نجد أنفسنا أمام أحد أقوى الأعمال الدرامية التي قدمها التلفزيون المصري أخيراً.

تبدأ الحبكة باللواء «مجدي» (محمد حسيب)، رجل الشرطة الفاسد الذي يصدّر صفقة حمير إلى المجاهدين في أفغانستان، ويقع اختياره على «سعيد القصاص»، ابن حلاق الحمير، لإدارة الصفقة، وهنا تحدث قفزة كبرى في حياة الشاب الريفي (علاء حسني) ليثرى بعدها ويتمرد على ولي نعمته ومن ثم يهرب إلى كندا.

في المقابل يقدم المسلسل أسرة الحلواني البسيطة، والتي تتفرع من خيوط عدة، فـ «عاطف» (يجسد الدور أحمد الفيشاوي الذي يقدم دور عمره) شاب طموح وذكي لكنه ناقم على حياته، ولذا يقوم بكل الأعمال الدنيئة مقابل المال، ويجيد التلون وفقاً لحالة الشخصية بين الفقر والسذاجة مرة، والخسة والجشع مرات، لينتهي به الحال رئيس تحرير مجلة صفراء تتاجر بفضائح علية القوم. أما شقيقة «عاطف» الكبرى «نوارة» (حورية فرغلي) فتتزوج من «معتمد» (وليد فواز) المنتسب إلى جمعية إسلامية، والذي يسافر إلى بلد عربي، ثم يعود بثروة طائلة ولحية وعريس للشقيقة الصغرى لزوجته.

هنا يأتي المجال للحديث عن الأخت الصغرى «تغريد» (سهر الصايغ) وهي الاكتشاف الأبرز في المسلسل، فالممثلة اليافعة تقدم دور الفتاة العذبة النقية ذات الجمال الداخلي والظاهر على السواء، وتنجح في تصدير هذا الانطباع للمتابع، لتضمن لنفسها موقعاً بارزاً في الساحة الفنية المصرية.

خيط آخر يقدمه المسلسل يتمثل في مملكة المتسولين، بقيادة «النعجة أصيلة أبو القمصان»، وكان لافتاً اكتشاف أن تلك المرأة الشديدة البدانة هي الممثلة فريدة سيف النصر التي أعادت تقديم نفسها في دور فريد ومميز. تجمع «النعجة» حولها مجموعة من المتسولين لتشكل إمبراطوريتها في منطقة وسط البلد، تتحد مع الحكومة تارة وتغير على الممالك المجاورة تارة أخرى، حتى تصير من أباطرة الهامش في قاهرة الثمانينات والتسعينات.

وعدا عن امتياز السيناريو قصة وحواراً، وتميز الإخراج، جاء اختيار الممثلين وتألقهم ليكون العامل الحاسم في جودة العمل الدرامي، فحتى روبي التي عهدناها مغنية متوسطة المستوى تقدم نفسها كممثلة قديرة في دور فتاة شوارع يحالفها الحظ حتى تصير أشهر راقصة في مصر، كذلك يقدم وليد فواز شخصية الرجل المقيت غير السوي ببراعة، وهو الأمر الذي يسري أيضاً على الفنان الشاب محمد فرّاج الذي جسد شخصية «رجب الفرخ» الهارب من فضيحة أسرية، والذراع اليمنى لـ «النعجة» إمبراطورة التسول. كل هذا من دون أن ننسى الأسماء المخضرمة مثل أحمد راتب وعبد العزيز مخيون وشيرين رضا الذين قدموا أداء مميزاً في تجسيد أدوارهم.

ومع هذا، لا يخلو المسلسل من بعض العيوب، سواء الدرامية أو الإخراجية، إذ جاءت أحياناً جمل في الحوار محملة بكليشيهات (الخير والشر) في شكل مباشر، كما ظهرت شخصية رجل الجيش المتقاعد التي جسدها أحمد راتب، مبتورة، فبدت كشخصية رمزية: الرجل العسكري المتقاعد والكفيف الذي يتحسر على أحوال البلاد، ما جعله يبدو كـ «ضمير رمزي» للأمة والحصن الحقيقي لمصر متمثلاً في الجيش ورجاله بخاصة أن شخصية اللواء لا تقدم أي تأثير درامي ويجوز حذف كل مشاهدها من دون أن تختل البنية الدرامية، ولا يشفع له سوى الإتقان الذي يؤدي به الفنان البارع أحمد راتب.

أما على مستوى الإخراج، فتبدو كل المشاهد التي تمثل ازدحام شوارع العاصمة متشابهة، سواء صباحاً أو ليلاً، بترتيب السيارات ومن دون تغيير مواقعها سواء في الحلقة الأولى أو العاشرة أو العشرين. وكأن ثمة استسهالاً لتنفيذ كل تلك اللقطات دفعة واحدة. لكنّ هذه الهنات والهفوات العابرة لا تنتقص من المجهود الذي قدمه فريق العمل في المسلسل الذي قدم المجتمع المصري بكواليسه وأزقته الخلفية وفضائحه وتفاصيله اليومية، وربما مع تشابهات واضحة بالواقع والتاريخ المصري، من دون التورط في ذكر أسماء أبطال تلك الأحداث.