منصورة عز الدين: القصة القصيرة تعاني من التجاهل لا الانحسار

(ضوء مهتز)، (نحو الجنون) مجموعتان قصصيتان أصدرتهما منصورة عز الدين، رسّخت عبرهما مسارا خاصا بها: عالم قصصي يضاهي الأحلام والهواجس، ينسج نفسه عبر تهويمات عجائبية، وفضاءات كابوسية، يتكئ على الضبابية ويقتات على الذكريات. عدا ذلك أصدرت الروائية والقاصة ثلاث روايات، أحدثها (جبل الزمرد)

*ما مدى صحة مقولة جابر عصفور (زمن الرواية)، في حينها والآن؟

ـ الرواية مزدهرة في العقدين الأخيرين، على الأقل على مستوى الكم والاهتمام الإعلامي، غير أن مقولة “زمن الرواية” تنطوي على مجازفة، كما أنها أقرب لأن تكون مقولة إعلامية أكثر منها نقدية. على مستوى الكيف والتجريب واقتراح فضاءات جمالية جديدة، لا أرى أبدا أن القصة القصيرة أقل ازدهارا من الرواية. المسألة فقط أن القصة مهملة إعلاميا ونقديا مقارنة بالرواية، كما أن كثيرا من الناشرين يترددون في نشر المجموعات القصصية ولا يرحبون بها حتى لو ادعوا العكس.

* يراوح مد القصة القصيرة بين انتعاش نسبي، وانحسار في كمية الإنتاج والاهتمام النقدي والإعلامي.. لماذا؟

أعتقد أن المشكلة تكمن في التلقي والاهتمام التالي على النشر؛ بمعنى أن القصة القصيرة منتعشة في مصر، بل حتى أجازف بقول إن عددا لا بأس به من الروائيين المصريين يكتب الروايات بحساسية ومزاج القصة القصيرة، وكمية الإنتاج معقولة، وأظن أن العامين الأخيرين شهدا زيادة ملحوظة لدرجة بدا معها الأمر كأنه موسم الهجرة للقصة القصيرة. بالنسبة للاهتمام النقدي والإعلامي، أتفق معك في أنه غير كافٍ، وربما يعود السبب إلى أن البعض يرى أن الرواية أكثر إغراءً وأجدر بالاهتمام، وهو اعتقاد هزلي من وجهة نظري، لا لأنني أنحاز للقصة في مواجهة الرواية أو العكس، إنما ببساطة لكوني لا أنظر للمسألة كصراع أو مباراة بين الأنواع الأدبية.

* هل لانحسار عدد الصفحات الثقافية في الجرائد دور في قلة الاهتمام بالقصة القصيرة؟

تاريخيا لعبت الصحف الورقية دورا كبيرا في ازدهار فن القصة وتطوره على مستوى العالم، نعاني بالفعل من انحسار الصفحات الثقافية، لكني لا أرى لهذا دورا، بمعنى أن حظ القصة القصيرة (والأقصوصة على وجه الخصوص) أفضل لجهة النشر في هذه الصفحات مقارنة بالرواية التي تحتاج إلى مساحة معينة لنشر فصل منها، وستجد أن معظمنا نشر قصصه أو الكثير منها مفردة قبل نشرها في كتاب. لا يمكنني الجزم بأسباب محددة لقلة الاهتمام بالقصة، وأعني بهذا الاهتمام النقدي التالي على النشر، لكن ما يلفتني هو ما يتراءى لي من نقص اهتمام القراء أنفسهم بالقصة القصيرة، لا أقول إن المقروئية معيار لجودة الأدب، لكن تململ القراء من نوع أدبي ما عادة ما يكون حجة من قِبل الناشرين للإحجام عن نشر هذا النوع.

* هل يمكن لوجود الإنترنت وسهولة النشر عليه، ووجود مواقع تحتفي بالكتابات القصيرة (تويتر وفيس بوك مثلا) أن يساهم في حدوث انتعاشة في حقل القصة القصيرة؟

علاقة الإنترنت بالأدب ككل مركبة ومتعددة الأوجه، لذا من الصعب التنبؤ بأثره المستقبلي على القصة القصيرة. النشر الإلكتروني غاية في السهولة ومثَّل للكثيرين متنفسا، لكن لسهولة النشر مساوئ تكاد تتساوى مع إيجابياته. أيضا لست متأكدة من المنحى الذي قد يتجه إليه تأثير مواقع مثل تويتر والفيسبوك على فن القصة خاصة على مستوى اللغة والبناء والتركيب.

* يقول القاص والروائي الأرجنتيني ريكاردو بيجاليا (القصة القصيرة هي حكاية تنطوي على حكاية سرية. والمسألة هنا لا تتعلق بمعنى خفي: إنما هي حكاية سرية نسجت في قلب حكاية أخرى، والحكاية السرية ليست سوى قصة مروية بطريقة مُشفرة ومضمرة، تُبنى مما لا يُقال، من الإيحاء المتضمن والإلماح)، وفقا لهذه المقولة، يبدو أن احتياج القصة لقارئ فطن وقادر على التقاط الخيوط الخفية، والتأويل، يبدو ذلك من أسباب محدودية التعاطي مع القصة القصيرة جماهيريا وإعلاميا.

مقولة ريكاردو بيجاليا لا تنطبق على القصة القصيرة في المجمل، إنما بالأساس على القصص الجيدة أو على الأقل القصص المفضلة لديّ ممثلة في كتابات خوليو كورتاثر، خورخي لويس بورخيس، كافكا وآخرين، حيث ثمة حكاية معلنة وأخرى مضمرة تتنوع وتتعدد العلاقة بينهما من كاتب لآخر ومن قصة لأخرى، لكن في ظني أن هذا ليس امتيازا للقصة القصيرة وحدها، إذ يمكن العثور على هذا، وربما بتركيب أعقد، في الرواية أيضا، أو بالأحرى في نوعية معينة من الروايات المنطوية على سر غالبا ما لا تبوح به وتتركه يخايل القارئ مقترحا قراءات وتأويلات أخرى.

* هل لقلة الجوائز المخصصة للقصة القصيرة مقارنة بالرواية دور في انحسار مد القصة القصيرة؟

لا أرى أن الجوائز المخصصة للقصة القصيرة في مصر قليلة، قد تكون كذلك على المستوى العربي عموما مقارنةً بجوائز الرواية، وأرى أن هذا حمى القصة القصيرة على مستوى الكيف، وإن كان قلل من حماس الناشرين لها. لكن ما يهمني هنا هو إعادة التأكيد على أن القصة القصيرة في مصر لا تعاني من الانحسار، بقدر ما تعاني من التجاهل.

* كيف ترين الإصدارات الحالية في مجال القصة القصيرة؟

أرى أن القصة المصرية تشهد انتعاشا في الفترة الحالية، كما أن السنوات القادمة سوف تشهد ظهور أسماء جديدة مميزة. شاركت مؤخرا في تحكيم مسابقة للقصة القصيرة نظمها معهد جوتة، وفوجئت بكم القصص المقدمة للمسابقة (119 قصة إن لم تخنّي الذاكرة)، وجدة وجودة عدد كبير منها، وفي ما يخص الأسماء المعروفة التي أصدرت مجموعات لافتة في العقد الأخير تعجبني قصص حسام فخر، وإيهاب عبد الحميد، ومحمد خير وهيثم الورداني، كما قرأت قصصا جيدة لكاتبات شابات منهن إيناس حليم، وأريج جمال.

 

عودة إلى الملف