موقع الكتابة الثقافي art 1
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

سأبدأ بمحاولة الإجابة على التساؤل الذي أنهيتِ به رسالتِك السابقة: ربما أكتب عن الاحتمالات الغامضة لذاتي، الكامنة في حياة الآخر وموته.. عن الأشباح المختبئة في جسدي التي تحاول التلصص على الظلام الممتد خارج هذه الاحتمالات.. كأن ثمة مرآة تنطوي عليها ملامح هذا الآخر، يجدر التمعّن في ما تعكسه، أي ينبغي على الخيال أن يكوّنها، لاكتشاف ممر لم يكن مرئيًا يقود نحو إبهام مختلف لنفسي، وقد يؤدي بالضرورة إلى الصمت المحصّن الذي يتجاوزها .. ربما هذا ما يجعل الحياة، أو الكابوس المؤقت محكومًا بالكفاح العبثي لتجميع الأشلاء العدمية المتناثرة.. الدعابات الخرقاء، غير المصدّقة، التي يجاهد المرء لأن يخلق بواسطتها تلك الكينونة المجهولة خارج اللغة.. الكينونة المضادة، المنفلتة من هذه الأشلاء الموزّعة داخل الآخرين الذين يُشكّلون ذاكرتي.. ربما هي السر المحتجب في المرئيات والمسموعات التي لا تمت لأي لغة بصلة، لكنها في ثنايا اللغة وفجواتها بتعبير “جيل دولوز”، أو الروح الملغزة الأشبه بـ “مكان مهجور/ يمر من حوله الوجود/ ويمضي في طريقه” كما كتبتِ في إحدى قصائدِك.. كأن العدم يستعمل أوهامنا المتناسخة لإثبات خلوده، ولمحو حكاياتنا التي لم نسردها أبدًا.

صديقتي العزيزة:

في رسالتي السابقة حدثتك عن أنني لا أفتقد الموتى وحسب بل أفتقد أيضًا الذين يشاركونني اللحظات المتعاقبة يومًا بعد آخر، والآن أريد أن أكتب لكِ عن الموت باعتباره وضع حد لافتقاد ما لا أعرفه.. شخص يموت فأدرك حينئذ أن ذلك الشيء الغامض الذي قضيت زمنًا طويلًا في انتظار القدرة على انتزاعه خارج العمى لن أحصل عليه أبدًا.. العمى المتجسّد في كائن لم يكن  على حياته أن تنتهي في تلك اللحظة المبكرة.. تتحدد هوية الموت حينئذ بمدى احتياجي الخاص للوعد المبهم الذي لم يتحقق، المتمثل في وجود هذا الشخص، وبعد موته لم يعد لهذا الوعد فرصة أن يكون مصيرًا حقيقيًا.  

صديقتي العزيزة:

تلقيت منذ فترة قصيرة دعوة لتكريمي من صديقين عزيزين في احتفال ثقافي تُقيمه مدينتهما.. كنت حينئذ منغمسًا في كتابة غاضبة، لا يكاد يدفع فورانها العاصف أكثر من السخرية الانتقامية ضد الذين أغلقت أبواب ذكرياتي السيئة على وجوههم كي لا يستطيعون الخروج منها.. لكن الأمر يتجاوز حتمًا تصفية حساب شاملة طال تأجيلها، أو انتظرت وقتًا كبيرًا للغاية حتى تتم في موعدها المناسب، وبالكيفية وحدها التي تلائمني كبصمة أو ما أطمع أن تكون كذلك.. بعد عودتي من التكريم توقفت عن هذه الكتابة تلقائيًا بما يشبه بداهة جديرة بالتفحص.. يمكن لأمر مبهج وعابر ـ بما أنه ليس نمطًا للحياة ـ أن يضع سحابة رمادية مؤقتة فوق رغبة عدائية عمرها يمثل تقريبًا التاريخ الشخصي بأكمله .. يمكنه أن يُعطّل ـ ولو على نحو خافت ـ الاستجابة المحسومة لهذه الرغبة غير المهيّأة للتراجع أو الجدل كأنها نوع آخر أو أكثر أصالة للتنفس.. لا يعطي هذا بالنسبة لي نموذجًا واضحًا لتأثير الأشياء الإيجابية البسيطة على المزاج السوداوي كما يشيع في الوصايا الساذجة، وإنما يقدم مثالًا ساطعًا للمكر التافه للحياة، الذي يستعصي ربما في معظم الأحوال على الترويض، ولكن يُنظر إليه في الوقت نفسه كهدية تهكم يجب على الكتابة الغاضبة أن تقبلها.

أفكر دائمًا في أن أكثر الأوضاع مثالية لمخاطبة الآخر هو أن يكون ميتًا.. لا يتعلق بالأمر فحسب بقدرة المرء غير المسبوقة على الخطو داخل ظلام ما، وإنما على التحرّك أيضًا داخل أكثر الخرافات اللغوية اعتيادًا.. لم يكن بوسعي أن أخاطب أمي وهي تبدو على قيد الحياة كما فعل دوستويفسكي مثلا حين وصف أمه بالحنون، بينما كان يحدثها عن الملل والأحزان والشوق، قبل أن يقبّل يديها كابن بار.. لكن الموت لم يمنحني الحرية اللغوية للقيام بتلك الطقوس المبتذلة التي لم أشعر أبدًا بالرغبة في أدائها، بل يمكن القول أنه أعطاني الفرصة كي أحاول بطرق سردية مختلفة أن أشرح لأمي وهي في قبرها لماذا لم يكن ليتغيّر أي شيء بيننا لو عادت إلى الحياة.. في قصتي القصيرة “ستاند أب كوميدي” والمنشورة ضمن مجموعة “يوم واحد من العزلة” الصادرة عن دار فراديس البحرينية، وتضم قصصًا قصيرة جدًا لكتّاب من الوطن العربي؛ في تلك القصة كان هذا الأمر واضحًا تمامًا، وربما يمكن لعنوانها أن يضيء ذلك الشعور المتحسّر والساخر الذي كان يتملّكني وقت كتابتها.. كأن “الحياة” هي العائق الوحيد ـ غير الهيّن بالطبع ـ أمام “الوجود”، وبالتالي فإن المرء يبدأ حضوره الفعلي بعد انتهائها وفقًا لكل الكلمات التي لم يكن يستطيع الذين كانوا يشاركونه العتمة أن يعثروا عليها، أو يتحدثوا بها إليه قبل أن يتحوّل إلى جثة من الذكريات.. على جانب آخر ـ وهو ما يندرج قطعًا ضمن الهزل الكلي ـ قد تكون هذه الكلمات هي أكثر البدائل سوءًا للأثر الشخصي الذي لم يكتبه العابر بنفسه قبل أن يغادر.

امتناني لكِ دائمًا

ممدوح رزق

 *****

صديقي العزيز

أحسّ أحياناً أن الكاتب هو أكثر البشر حباً وتعلقاً بالحياة، سواء كان يعي ذلك أو يحسّ بنقيضه، وأن الحياة تمنحه  مقابل هذا الحب والتمسّك حياة متعددة ومتفرعة وغزيرة.
قلتَ لي في رسالتك إن حفل تكريمك قاطع كتابة غاضبة  كنت تكتبها، وأنك بعد حفل التكريم لم تعد إلى تلك الكتابة، لم تكن سعيداً بعدم العودة، ربما لأنّ الكتابة  هي أطول عمراً وديمومة من لحظة امتنان عابرة!

ربما كنا نكتب لنعيش الوجود على نحو أفضل، أو ربما لنضاعف الساعات التي ننهبها تباعاً، ونضاعف الأفعال، والأحاسيس، النشوة، الفخر والأثر مهما كان حجمه ومهما كانت الهيئة التي يتخذها، ليست المضاعفة هنا بمعنى خلق حجم مساو لذلك العيش، وإنما إعادة ابتكار الكلمات التي نجدها في ذاكرتنا بالصدفة لترسم  بها الكثير من الظلال حول عيشنا ومن خلاله حتى يبدو دون إطار، أو دون حد، كل محاولة لتفسير تلك الجمل والمفردات التي تقفز إلى وعينا دون غيرها  أثناء الكتابة هي محاولة لـ “الخطو في الظلام “.

الكلمات التي ظلت هامدة لأن الموتى لم يقولوها، والأفعال التي تجزأت وتفرقت مكوناتها لأن الموتى الذين نحب لم يفعلوها ربما نفعلها نحن ونقولها في تلك المسافة الفاصلة بين التذكر والنسيان، أو ربما ننظر نحوها من بعيد كأننا نعتذر للموت وللموتى عن حياتنا من بعدهم..
ألا ترى أننا نظلم الحياة وندل الوجود على ألوانه القاتمة كأنما ليضعها في طريقنا ونحن ننظر باستسلام وهدوء كأننا لا نريد أن نفارق المكان الذي نبتت فيه تلك الظلال الحزينة؟

حين يأخذ منا الموت من نحب، نكتشف فعلاًـ وكما قلت في رسالتك ـ أن حياتهم كانت عائقاً أو على الأقل ستاراً يحجب عنا رؤية صورهم الكاملة ومعايشة تفاصيلها الدقيقة، الموت يتيح  لنا تلك الصورة الحافلة بالتفاصيل ويتيح لتلك التفاصيل أن تكثر وتبدو أكثر جاذبية ودائماً كما تشاء  الذاكرة الحزينة وكما يتسع الخيال المحب والمشفق.

صديقي العزيز

قبل أن أبدأ في الكتابة إليك عدت إلى قراءة قصتك القصيرة (الموت العجيب لطائر)، وهي من قصصك الجميلة التي تشبه قراءتها قراءة قصيدة جميلة ذات نهاية لا تنتهي؛

لقد ظلّ بطلك يراقب الطائر الميت والثابت مثل تمثال حتى أنه كان يلاحظ أحياناً رفيفاً خافتاً لجناحيه، قبل ذلك كانت المراقبة تلك قد تحوّلت إلى حياة كاملة يعيشها بطلك بمعزل عن حياته المعتادة وعن حياة الآخرين كل ذلك وهو يبحث عن جواب لسؤال وحيد كيف مات الطائر؟ من التعب في السعي نحو الخلاص من الكيس الذي مات فيه، أم من الاختناق أم مات متعمداً أن يلاقي الموت ..
ربما لا تعرف يا صديقي أنك حشرت القارئ مع بطلك في تلك العزلة الرهيبة وتحت سقف وحيد من المجهول المتجسّد في تلك التساؤلات الحزينة والمكلفة، ربما قمت دون قصد بوضع  القارئ أمام طائره الخاص، الذي آل إلى نفس المآل (شكلاً ماثلاً أمام النظر مثل تمثال) مهما كان اسم ذلك (الطائر) أو شكله، مهما كان اسم خلوده داخل الوعي موتا أو حياة  أو سؤالاً لن يكون له جواب خارج الذات المعزولة في صَلاتها الشاخصة نحو المجهول أبداً، تلك الصلاة المتأملة والحزينة التي أسميتَها”الحياة الجديدة” والتي دخلها بطلك بإيمان مطلق دون أدنى شعور بأنه كان يهدر أيامه: “على العكس؛ لا تزال ثقتي تتزايد في أنني كرّست هذه السنوات لأكثر الأمور صوابًا، بل لن أكون مخطئًا لو قلت أن هذا الانشغال المهيمن بالطبيعة الملغزة لموت الطائر كان بمثابة الختام الوحيد اللائق بحياتي التي نجحت في تعزيز انفصالها عن الخرافات الأخرى”.

هكذا إذن لم يكن الموت هو بطل القصة ولا الطائر، بل تلك الحياة التي تحوّلت إلى لحظات طويلة من النظر والتأمل والإخلاص لتفسير المجهول..

تحياتي وتقديري

مريم شريف