موقع الكتابة الثقافي uncategorized 15
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

د. رضا صالح

 كنت صغيرا عندما دلفت إلى محل جزارة مع والدى ، وكان بمنطقة شبرا البلد ، ووجدت هذه العبارة مكتوبة بخط كبير ؛ ومعلقة فى مواجهة الداخل؛  وراء الجزار مباشرة  :

(بفلوسك أنا خدامك ؛ من غير فلوسك وفّر كلامك ).

  رأيت اللحم المعلق وقطرات الدم تنز من الذبائح على الأرض ، والسكين الهائلة تلمع – بانعكاس أشعة الشمس عليها – مع حركة اليد  بين لحظة وأخرى ، والزبائن قد وقفوا بأدب جم،  منهم من يستسمح الجزار أن يقضى له حاجته بسرعة ، ومنهم من يسأل عن ماسورة مع طلبه، والبعض يسأل عن كبدة طازجة,  ولكن الكل كان يقبض على فلوسه  استعدادا للدفع ؛ و إلا!!!

                                                          —***—

  أخبرنى أحد الزملاء – يعمل طبيبا- أنه تعرض لموقف محرج ، فأحببت أن أستجلى حقيقة ما حدث ؛ سألته : وما هو هذا الموقف ؟

قال : ” أصيب أحد أقربائى- وكان شابا-  بهبوط شديد  وضعف عام وهزال ، ولاحظنا عليه ضيقا فى التنفس  ، فأحضرنا له أحد الأطباء ، نصح بعمل رسم قلب، وفحص بالموجات فوق الصوتية على القلب  ، وبعض تحاليل الدم وفحوصات أخرى ؛ وقال انه يلزم تحويله إلى المستشفى لمتابعة حالته , فأذعنا جميعا لنصيحة الطبيب  ، وتم تحويل المريض إلى إحدى المستشفيات الخاصة .

                                                            —***—

عند اقترابنا من سور المستشفى وجدنا حرسا شديدا من رجال الأمن ، المبنى يبدو أثريا؛ ولكنه – والحق يقال – يلق اهتماما ملحوظا  . رأيته محاطا من الخارج بحديقة غناء بها صنوف متنوعة من الأزهار, وأنواع أخرى من النباتات المتسلقة ؛ عندما رفعت عينى وجدت بعضها وقد وصل إلى الفراندات الدائرية  الواسعة الملحقة بحجرات المرضى وتطل على الحديقة ، وعلى باب المستشفى الرئيسى مباشرة .

حمدنا الله على وصولنا إلى تلك المستشفى التى يعمل بها نخبة من أساتذة الطب ، وتفاءلنا خيرا . طلبت أن ندخل إلى قسم الأمراض الباطنية فرع أمراض القلب حتى يعالج مريضنا تحت إشراف طبيب بعبنه .

ولكن موظف الاستقبال قال :

–  لابد أن يكون محولا من العيادة الخارجية

قلت :

– تم فحصه من قبل ، ولا نبغى فحصا بالعيادة الخارجية

أطرق الموظف قائلا :

– هى تعليمات المستشفى

قال والد المريض بحماس معهود :

– لا مانع .   وضع يده على جيبه قائلا : كم الكشف ؟

رد الموظف ، بعد أن نظر الى لوحة أمامه على المكتب:

–  اليوم الدكتور سامح 300 جنيها

دفع المبلغ ، وأخذ إيصالا، وأشار لنا  الموظف إلى حجرة الانتظار .

                                                              —***—

بعد انتهاء الكشف، قدمت نفسى للدكتور سامح ، بصفتى زميلا فى المهنة ، فأشاح بوجهه – بطريقة سريعة بعد ابتسامة شاحبة- مندمجا فى الرد على والد المريض، توزعت  نظرات  الطبيب  بين  عينى المريض وأبيه  ، سأل الأب متلهفا :

–  خير يا دكتور ؟

–  خير خير ان شاء الله

–  ماذا عنده ؟

–  ارتجاع بالصمام الميترالى،  وهبوط بعضلة القلب مع أنيميا حادة

–  وماذا نفعل ؟

–  يحتاج إلى الإقامة بالمستشفى بضعة أيام ؛ لكى نقوم بعمل بعض الفحوصات وقد يحتاج إلى نقل دم وقسطرة تشخيصية ، مع احتمال تغيير الصمام إن لزم الأمر .

–  وما المطلوب ؟

–  اذهبوا إلى موظف  الحسابات .

                                                            —***—

ذهبنا سويا إلى موظف الحسابات الذى قابلنا بابتسامة واسعة وهو يمسك أوراقا فى يديه ويميل برأسه كى لا يقع  التليفون المعلق بين رأسه والكتف الأيمن

بعد أن أنهى مكالمته نظر إلينا قائلا :

–  حالة القلب تبع حضراتكم ؟

قلت :نعم

–  مطلوب عشرين ألف حنبه تحت حساب المستشفى

رد الوالد متعجبا وحائرا:

–  كم؟

–  عشرين ألف جنيه …

وضع الرجل يديه على جيوبه وقال متلعثما :

–  لا يوجد معنا سوى ألفين!

رد الموظف بجمود:

–  استكملوا المبلغ وأنا تحت أمركم !

نظر لى الرجل والدنيا تكاد تدور به، لحق نفسه وقال لى:

–   هيا بنا… هيا بنا نأخذ التاكسى ونرجع بلدنا أحسن …أقول لك على حاجة ؟

قلت :

–  ماذا؟

رد  وقد رسم على وجهه ابتسامة مغتصبة :

–  الأعمار بيد الله “.

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:213. Generation time:3.328 sec. Memory consumption:44.27 mb