مصطفى ذكري: أنا سفَّاح المخرجين

حاوره: موقع الكتابة

لا يشبه مصطفى ذكري أحداً. لا يشبه إلا نفسه. يبدو الصورة المثالية للكاتب كما يكون، الكاتب الذي اختار عزلته، وبرجه العاجي،  من أجل الكتابة، اختار أن يكون “كاتباً”، فتخلى عن كل ما عدا ذلك، حتى العلاقات الاجتماعية. لايشبه مصطفى ذكري أحداً، يبدو ذلك واضحاً من مجموعته القصصية الأولى مروراً بأفلامه ثم يومياته ثم أفلامه. هذه الجملة شديدة الإيجاز، الحادة كنصل سيف، الخالية من المشاعر، المبطنة بسخرية في بعض الأحيان لا تحس، ليست لأحد إلا لمصطفى ذكري. لا يشبه مصطفى ذكري أحداً. لا يشبه إلا كتابته. هنا حوار حول هذا التشابه.

1

بمناسبة صدور طبعة شعبية من “ما يعرفه أمين”، هل تسعدك أم تخيفك عبارة “طبعة شعبية”، خصوصاً أن كتابتك ليست شعبوية بالمعنى المتداول؟

هذه أول مرة تصدر لي طبعة شعبية، والسعادة أقرب لي من الخوف، وعلى الرغم من أن الخوف يُمثل هاجساً في كتاباتي، الخوف يأكل الروح اسم روايتي الثانية، إلا أنني لا أخاف على رصيدي لدى القارئ، ربما لأن طموحي في الشهرة لا يتعدى 100 نسخة، وهي كافية مع خيال مريض، لمُضاعفات كمية لا نهاية لها، فبمجرد وجود نسخة مُعْتَمَدة بحياد الطباعة، وعلامة دار النشر، حتى لو كان هذا الوجود المادي بعيداً عن القارئ، فهو وجود أكثر من كاف لي، أمَّا عن حدودي العقلية لتقدير فداحة طبعة شعبية، وتوزيعها الكبير، ودلالتها المعنوية، فأنا غير مسؤول عنها، وغير مؤهل لاستيعابها، لكنني أستطيع ملاحقة وجودها، وملاحقة هذا الوجود، ليس لمساندته في حياة صارخة أو موت بطيء، بل لأن هناك مسافة، لا يجب تعديها، بين شخصين منسوخين أمام مرآة، أحدهما حقيقي، والآخر مُتَوهَّم بحسب الواقع.

من الجميل أن يجد القارئ أعمالك في كتاب واحد، لكن ما الدافع بالنسبة لك وراء فكرة “الأعمال الكاملة”، هل هو انتهاء مرحلة في الكتابة وبدء مرحلة جديدة، أم الإشارة إلى أن هذه الأعمال ترتبط بخيط واحد، أم مجرد الإتاحة فقط؟

فعلياً لم يُكتب على الكتاب الأعمال الكاملة إلا أن إظهار اسم رواية ببنط كبير، وتحتها ببنط أصغر، تعبير وخمس روايات أخرى، يوحي مجازاً بأنها أعمال كاملة. تستطيع القول بأنني رضيتُ بالمعنى المجازي، واستثقلتُ كتابة الأعمال الكاملة حرفياً على الكتاب، الأمر أشبه بالاعتراض على درجة لون في غلاف الكتاب ثم تفضيل نفس اللون بدرجة أخف. أمَّا عن الانتهاء من مرحلة وبداية مرحلة جديدة، فيبدو هذا ما حدث. آخر تاريخ رواية كتبتها هي رواية الرسائل 2006، وبعدها بثلاث سنوات كتبتُ على أطراف الأصابع، وهو كتاب يوميات، وبعده أيضاً بثلاث سنوات 2012 كتبتُ كتاب يوميات آخر، وفي 2014 عدت برواية إسود وردي، وبحساب بسيط، بقيتُ ثماني سنوات منقطعاً عن الكتابة الروائية، وفضَّلتُ عليها خليطاً مشوشاً من كتابة انطباعات تجنح إلى أن تكون فلسفية، وتأملات في مَشَاهِد فيلم، وإعادة حكيها، وشذرات من السرد تصلح لبداية رواية أو قصة. كنتُ مشغولاً طوال السنوات الست بحرية الأدب القاصر.

قبل أسابيع صدرت روايتك الجديدة “إسود وردي” والرواية بقدر ما هي ممتعة، إلا أنها ملغزة أيضاً إن جاز التعبير، وهو ما يثير التساؤل حول فكرة الكتابة للمتعة، بعيداً عن أية تأويلات يقدمها النص؟

منذ كتاباتي الأولى أحببتُ شكل الروايات البوليسية، شكل البحث والتقصي في أجواء جريمة، داشيل هاميت، ريمون شاندلر، آرثر كونان دويل، لكن لسبب ما دخل خط التأثير الأول خط دوستويفسكي وكافكا وبورخيس، وهم عباقرة أيضاً في البحث والتقصي والجريمة، وأقل اهتماماً بالأهداف النهائية. كان هذا البحث يتطلب في أحيان كثيرة اللغز الذي هو ضمانة جمالية أو أنك مع اللغز فأنت أقرب ما تكون إلى العقل، ولهذا فإن متعة الكتابة هنا، هي متعة عقلانية، لا تقيم جسراً مع المتعة الحسية المُثَارة مثلاً بالحشيش على طريقة بودلير وبول بولز، وإن كانت ناجعة للعملاقين, أتصور أنني قبل الكتابة أقوم بهدم جسر تنهدات المتع الحسية إلا أن فنجان قهوة وسيجارة لا يُحسبان كعرْقين من عروق خشب الجسر. أتصور متعة الكتابة أنها متعة عقلية، متعة تركيب وفك، متعة أسلوبية، وإذا كانت تلك المتعة هي الأساس، واختلط بها أثناء العمل شيء من رومانس إدجار بو، وشيء من غرابة ديفيد لينش، فهي على الأقل محمية من السقوط.  

في الرواية نحن أمام  دائرة غير مكتملة، ثم نكتشف أنها تكتمل من الطرفين، ثم نكتشف أن هناك مجموعة من الدوائر المتلازمة، ثم نفاجأ بنهاية غير متوقعة على الإطلاق، لا أسأل هنا عن “منطُقة” الأحداث، لكن أسأل عن الرواية التي تبدو أشبه بمكعب روبيك، هل الكتابة هكذا أيضاً بالنسبة لك؟

أثناء الدراسة كنتُ أقرأ النكتة المستحيلة لعذابات الفلاسفة التي يُعبَّر عنها بأن هذا الفيلسوف يُحاول تربيع الدائرة، وكأنّ لزاماً على الفيلسوف أن يعمل عجين الفلاحة، ونوم العازب، كي نعرف أن مهمته مستحيلة. ربما ستبقى الدائرة من أكثر الأشكال الرياضية التي تنفي عن الدراما تطورها أو تقدمها للأمام أو رجوعها للخلف، وبما أنني لم أستطع بناء الدراما الأرسطية، فقد كانت الدائرة أو الدوائر الدرامية مناسبة لي في سرد حكاية، عود الدوائر الأبدية، وهي أيضاً شبيهة بمربع روبيك الذي يُشكِّل في كل مرة لوناً جديداً للحقيقة، فالحقيقة الحمراء لا تنفي أنها كانت مرة زرقاء أو صفراء، لكنها أيضاً لا تذكر تاريخها، والنسيان يجعلها متجددة دائماً.   

تواطؤ القارئ مع الكاتب في حكاية السجل، والرجل الذي تم قطع ساقه، إلى أي مدى تتوقع من القارئ أن يتواطأ مع الكاتب، أو إلى أي مدى تريد أن توصل القارئ؟ مشهد دفن الساق، ووضعها في السيارة الشيروكي ذكرني بمشهد جثة طبل في السيارة أيضاً، مع الفارق، هل قصدت هذا، وهل يمكننا أن نعتبر هذا المشهد احتفاء بالموت، الموت الذي يسير ويتجول في السيارة؟

للقارئ أن يستدعي أعمالاً من نفس النوع أو أن يعتبر العمل الذي يقرأه الأول في نوعه، له أن ينتقد  الكاتب أو يتواطأ معه، فإذا كان التواطؤ يعني أن يسبق القارئ في القراءة أحياناً ما سيفعله الكاتب في الصفحات القادمة، فإن مكافأته تعني أنه قد يكون كاتباً في وقت لاحق. أعتقد أن التواطؤ بهذا المعنى هو ما تقصده، ولن أستطيع الدفاع عن أنني أقصد بكتاباتي قارئاً غير متواطئ، قارئاً يُكمل الانقطاعات والفراغات في الكتابة، وربما وإذا جاءت له الفرصة، التي ستأتي في الغالب، لأكمل الانقطاعات والفراغات أفضل من الكاتب نفسه. هناك تشابه بالفعل بين رحلة جثة طبل في فيلم جنة الشياطين وبين رحلة دفن ساق سعد الدين عمران في رواية إسود وردي، وإن كانت رحلة دفن الساق أشد تركيباً، على اعتبار أن سعد الدين عمران لم يمت بعد إلا أن جزءاً من جسده ينفصل عنه ويُعَامَل مُعَامَلة الموت، وكأنَّ إجراءات الدفن لا تكون إلا بموت كامل للجسد. هناك معنى مُشابه في فيلم المومياء لشادي عبد السلام، وهو أن دراما الفيلم كله تمهيد لمأتم المومياوات، المشهد الختامي المهيب لخروج التوابيت من جوف الأرض، وإنقاذها على يد الأفندية، وكأنَّ شادي عبد السلام أقام مأتمه الخاص.  

لكن هناك موت في الرواية يتم التعامل معه بعادية شديدة، كأنه غير مؤثر، مثل موت جمالات ووضعها في الثلاجة، أو موت كريمة التي تم التعامل معه بحياد شديد كأنه خبر في صحيفة؟ هذا الحياد موجود أيضاً في مواقف تبدو شديدة السخرية، لكنك تتعامل معها وكأنها أحداث عادية، فتبدو أشبه بالكوميديا السوداء “مثل أن تكون زوجة  حفار القبور اسمها فرحة أو اختباء الرجلين تحت السرير هرباً” هذا المشهد الأخير مكتوب وكأنه سخرية من المؤسسة، التي تسخر منها في شخصية المرأة العجوز؟

كنتٌ أتصور الثلاجة التي حوت ساق سعد الدين عمران المبتورة لا بد وأن تحوي جثة أحد شخوص الرواية، وأفضل أن يكون من مستعملي الثلاجة طوال الوقت، وبما أن جمالات التي تقوم بأعمال البيت عند سعد الدين عمران من أكثر الشخصيات استعمالاً للثلاجة، فوقع اختياري عليها. كان هذا تفكيري النظري قبل كتابة الرواية. كنتُ أفكر أن الثلاجة مكان هام درامياً في غرفة سعد الدين عمران، مكان هام لدرجة العمل لحسابه، وليس لحساب الشخصيات الدرامية، أو تأتي الثلاجة في مقدمة التفكير الدرامي بحيث تدور الشخصيات في فلكها، ولا مُبالغة لو قلت لك: إنني قطعتُ ساق سعد الدين عمران حتى أجد لها مكاناً داخل الثلاجة بجوار الآيس كريم.

بمناسبة المؤسسة، أنت تطرح فكرة المؤسسة أو الهيئة، أو الشركة أو التنظيم، ستكون هناك تأويلات كثيرة حتماً لها، لكن كيف فكر فيها  ذكري؟

فكرتٌ في المؤسسة أو الهيئة أو التنظيم من منطق كافكاوي. كثيرون ممن فسروا مؤسسة كافكا القانونية البيروقراطية، ذهبوا إلى التفسير السياسي المباشر إلا أن التفسيرات الماورائية والعبثية هي التي كنتُ أفكر فيها أثناء كتابة الرواية. أقصد أن تعقيد الإجراءات والأوامر والبروتوكولات التي تصدر عن العجوزين في إسود وردي دون أن يعرفها القارئ بشكل مباشر، لكنه يُدرك أثرها في حركة الدراما، هي التي تقوم بتعويم الأهداف النهائية التقليدية لرواية بوليسية كتبها مثلاً موريس لوبلان. إن أعظم المبادئ في روايات الجريمة هو أن النهايات لا بد أن تكون ناصعة درامياً، أي أن إذا كان القارئ تعرَّض في فصول الرواية إلى غرابات أو ألغاز فإن النهاية لن تكون هكذا، بل إن وضوح النهاية سيجعل الغريب المُلْغز أثناء القراءة معقولاً في النهاية. في إسود وردي نزعتُ هذا المبدأ العريق عن الرواية، ولهذا فإن نهاية العمل لا تبرر الغريب والمُلغز، هي نهاية لا تبرر الجريمة. إن الأهداف النهائية لمؤسسة أو هيئة أو تنظيم واقعي لو نُزع عنها بتقنيات الكتابة الروائية تلك الأهداف لقفزتْ في التو واللحظة إلى مصاف العمل الفلسفي، ولك أن تقول حينئذ بأن هذا العمل قام بتربيع الدائرة.

2

لماذا لم تلجأ للسينما الديجيتال، هل لديك موقف من السينما المستقلة؟

طيب خليني أدام سألتني عن الديجيتال أتكلم بلسان عامي شوية عشان شكلي ها تزنق في شتيمة. أولاً نقول من نقطة أبعد إن الرأسمالية عدوها اللدود الوقت. المخروبة الديجيتال هي الضربة القاضية للمصور السينمائي، المصور صاحب التقنيات الحساسة في ظلال الصورة. دلوقتي بمعونة خدَّامة الرأسمالية إللي اسمها التكنولوجيا يقدر أي بهيم يمسك الكاميرا الديجيتال ويصور بيها. أممية الفن. الرأسمالية مش عاوزة ندرة حتى في الفن. أي واحد يمسك كاميرا ويصور. تسهيل تقنيات الفيلم لصالح دماره. مع الديجيتال لن تكون هناك أسماء مثل ستيفن نيكفيست الذي صوَّر أفلام بيرجمان وبعض أفلام تاركوفيسكي. وتنسحب تلك السهولة على عناصر الفيلم كله السيناريو والإخراج بميلهما إلى التسجيلية المناسبة للديجيتال. الاعتداء الشديد على زمن الفيلم يا صاحبي بقى في أفلام خمس دقايق ودقيقة ونص وتعالى بص وكدة يعني. أكبر إنجازات الديجيتال التكنولوجي إن واحد مخرج ما يستهالش إني أعرف اسمه عمل فيلم قسم فيه الشاشة لأربع حتت، وكل حتة قال إيه داير فيها فيلم بذاته، يعني فعلياً إنت بتشوف أربع أفلام في وقت واحد. طيب يا عمي ده خارج قدرات الإنسان. يقول لك لأ ما هو الفن الحديث بيفرَّخ الوقت، فبدل ما تشوف في ساعتين أو ساعة ونص فيلم واحد، تشوف أربعة، استثمار الوقت.

شهدت مصر قبل أعوام مجموعة أفلام عن العشوائيات ظهرت بعد تفاقم المشكلة،  أشهرها تلك التي أخرجها خالد يوسف، لكن بالعودة إلى فيلميك، هل يمكن القول إنك التفت إلى هذه العوالم مبكراً، كنت أريد أيضاً أن أسألك عن كيفية الطرح بينك وبين الأفلام اللاحقة.

في عفاريت الأسفلت وجنة الشياطين لم تكن ظاهرة العشوائيات بهذا التوحش وهذا الصعود. كان عزائي في كتابة الفيلمين هو البناء، إذ لا يكفي أن تكون العشوائيات مغرية فنياً وإلا خرجتْ في القيمة النهائية مثل الأفلام التي أخرجها خالد يوسف. البطولة في أفلام العشوائيات مثل “كلمني شكراً” للواقع العشوائي على حساب الكتابة والإخراج. كان البناء الرياضي للعلاقات في عفاريت الأسفلت يحد من تسجيلية الواقع، وأيضاً رافد الحكي المُستلهم من ألف ليلة وليلة. وفي فيلم جنة الشياطين اعتمدت على تكثيف الزمن في ليلة واحدة أو أكثر قليلاً، وهذا يُقلل من إحساس الواقع، وينفي المدد الزمنية التي بسببها مثلاً تشتعل رؤوس الممثلين بالبياض. العشوائيات مادة للفيلم كما كان الفقر في إيطاليا في زمن الحرب العالمية الثانية إلا أن الأفلام الإيطالية لم تكن كلها بعظمة وجمال فيلم سارقو الدرَّجات لدي سيكا. أقصد أن لا شفاعة للظاهرة الواقعية على صناعة الفيلم. قد تكون المآسي الإنسانية التي تستدعي صناعة فيلم عظيمة إلا أنها لا تصنع فيلماً عظيماً.

في  1/1/1999 نشرت صحيفة الحياة اللندنية خبراً يقول إن الكاتب مصطفى ذكري انتهى من إنجاز فيلمه الجديد وعنوانه “مهمة” الذي يخرجه محمد خان، وتدور أحداثه في إطار فانتازي حول مؤلف فوق الخمسين يؤلف كتابه الاول ويظل يبحث عن كاتب شهير ليكتب مقدمة الكتاب لكي يجد طريقه للنشر. أين ذهب هذا الفيلم ـ هذا رابط الخبر

حكاية الخبر إني اتفقت مع خان على كتابة الفيلم ولم يكتمل لأسباب الكسل والعَوَجَان. استحملني يا صديقي شوية عشان الكلام إللي ها أقوله هنا ضرب نار، لكنه لا يحمل ضغينة. خان من المخرجين المؤثرين في حياتي فترة الثمانينات وبداية التسعينات، بعد ذلك كما يحدث مع كل الأفلام، وأكيد حدث مع عفاريت الأسفلت وجنة الشياطين، قَلِّتْ قيمة الأفلام بفعل الزمن، وهو هازم لنا جميعاً. وقتها كان سيناريو عفاريت الأسفلت قد زلزل عقول المخرجين، وأنا قلت بيني وبين نفسي موضة وها تعدي، صَرْعة وهاتزول، ومع ذلك استمتعت بطوابير المخرجين على بابي. قلت في نفسي يا ديشة ما تتبطَّرش على النعمة، لكنني كسلان. كانت طبعاً سمعة المخرج الكبير محمد خان إنه سفَّاح مع كُتَّاب السيناريو، ويعرف أهل المهنة ماذا تعني هذه الكلمات، لكن ولسوء حظ خان قابل الوحش المقابل. أنا سفَّاح المخرجين. يعني الكلمة إللي بكتبها في السيناريو هيه أول وآخر كتابة. المهم إن خان رضي مؤقتاً بالهم والهم ما رضيش. عِطلت عن الكتابة في تلت الفيلم لأسباب فنية هذه المرة. خد بالك العَوَجَان مش هز كتاف بس. العَطَلة المرة ديه كانت حقيقية عشان القصة بتاعة كونديرا إللي كانت أساس السيناريو مكتملة جداً أدبياً، القصة اسمها لن يضحك أحد. طبعاً خان استحمل عَوَجَاني وأكيد قال في سره: يكمِّل بس ابن الرفضي السيناريو، وبعدين نشوف. الخازوق جه لخان منين. إني ما كملتش. وفِضل تلت فيلم على الورق.

3

لك صور قليلة جدا ونادرة جداً، وكلها تقريبا في مكان واحد، الحديقة اليابانية، أريد أن أسألك عن علاقتك بها؟

الحديقة اليابانية مكان الزوغان الأعظم في زمن الدراسة الإعدادية والثانوية، ورأيت فيها نماذج من البشر ما زالت محفورة في رأسي. أنا لا أحب الكاميرا، ولا أحب الوقوف أمامها، واضطرارياً بسبب صورة فوتوغرافية لطبعة هراء متاهة قوطية للألماني ذهبتُ مع الصديق الراحل هاني الجويلي لأخذ كام صورة، وكان احتراف هاني الجويلي للتصوير الفوتوغرافي إلى جانب موهبته، عاملاً مطمئناً لي، وبالصدفة الحديقة اليابانية بجوار البيت.

عملت فترة مدرب سباحة، ماذا تركت هذه الفترة بداخلك؟

السعادة أول كلمة تخطر على بالي عند التفكير في تلك الفترة. كان عملي بالتدريب على حس أنني جلست لسنتين منقذاً على حوض سباحة في الكابيرتاج. تمثل لي تلك الفترة الصداقات البعيدة عن الأدب. السباحة أعطتني نظرة غريبة للأدب. اعتبرتُ ببساطة أن الكتابة تحتاج إلى تمرين ذهني، لا يختلف عن تمرينات حوض السباحة. مثلاً التصقتْ سباحة الفراشة باستعراض اللغة التراثية أو المهجورة في بعض ما كتبته، مثلاً ما تحويه حقيقبة ورد تاج في هراء متاهة قوطية. كنتُ أستطيع قطع عرض حوض السباحة بالفراشة، وهي تتطلب مجهوداً خارقاً، وتعتمد جمالياً على أقصى خروج ممكن من الماء بالكتفين والذراعين، وكما لم أكن أستطع بسبب السجائر على إكمال فردة العودة في الحوض، تماماً بسبب قلة القراءة لم أستطع استعراضاً أطول في هراء متاهة قوطية. السباحة الكورل هي الباشا لا يأتي عليها الزمان أو يذهب. هي شبيهة في بساطتها وكلاسيكيتها بفقرات من كناب مرآة 202 واليوميات، وعلى وجه الخصوص الفقرات التي تُعالج الزوغان من المدرسة.

4

لماذا تغفر لديستوفيسكي زلاته، ترهله، ولا تغفرها لناس آخرين؟

لأن أحداً لم يصنع من الترهل عذوبة سرد مثل ديستوفيسكي. إن رغبته في السرد لا يقف أمامها شيء، طوفان البراءة والمرض واللا معقول. فبعد أن تتعب من نفسه الطويل في مائة صفحة، يأتي مشهد خارق في عشر صفحات، فتغفر له، وإذا حاولت القفز على الترهلات، مَنْ يضمن لك حلاوة الوصول مجهداً للصفحات العشر.

عودة إلى الملف