مصطفى ذكري، راهب بنيديكتي يكتب “الرسائل”

هاني درويش

كنا أمام فرصة أخيرة لفتح تلك النوافذ في علاقتنا، كي نكتسب بعضاً من اليقين تجاه تواطؤ فكري طالما أدهشنا، كلما حل وقت التناطح بوجهات النظر. سعيداً تلك السعادة المتأخرة بقرب الجلسة التي طالما تمنيتها مع صديق، آن له أن يخرج توصيفه من خانة المبالغة اللفظية (كصديق)، إلى خانة من يستحق اللقب أخيراً. هكذا كان الموعد مع مصطفى ذكري، للحديث عن آخر أعماله “الرسائل”، مناسبة لتعميق ما هو أكثر من مجرد حوار بين صحافي عليه أن يحتاط في مثل تلك الحالات بشيء من البرودة تجاه قطعة عملة (عفواً للتوصيف المادي الوقح، لكني أعتقد أن المهنة تقتل فينا شيئاً فشيئاً جزءاً من التعاطف). بينما على المحُاَوَر أن يكتفي بألق مواطن فاجأته الكاميرا، فكان عليه أن يقول كل شيء عن أي شيء، وينتهي بتوجيه التحية لرئيس الجمهورية ومدير الأمن. هكذا وبرغبة جارفة في اختيار تقنية جديدة، أو في البحث فيما يفعله المحاور عن شيء حميمي، كانت دعوتي التي وجهتها إليه، علّنا هذه المرة نستطيع أن نصوغ شيئاً من شطحات ذهنينا. عملاً إيجابياً ما ـ وكثيراً ما كانت الكتابة ذلك العمل ـ لذا كان من الطبيعي أن نكسر رسمية اللقاء حين بدأنا النقاش في شوارع وسط البلد، وبين التفاتة ومحاولة لدفعه الى التجرؤ بتربية على الكتف، كي يعبر سريعاً، قطعنا هذا الصباح هذه المسافة حتى المطعم السويسري، مختلفين حول أورهان باموق وعمله الأخير “ثلج”.

وحين جلسنا كاثنين من الرهبان البنيديكتيين في آخر مناضد المطعم المقاوم لعوامل التدهرر، افتتحنا الجلسة بإسبرسو دوبل وبقطعتين من “الباتيه” على عادة الفرنسيين، وهي العادة التي خفت كثيراً مشاركة أحد بها خشية الاتهام المقلق ببرجزة السلوك. هو ابن الضاحية البعيدة مثلي يتعامل بأريحية مواطن مصر الجديدة المرفّه مع نادلات المطعم ذوات الجيب القصير الكلاسيكي. اضطربت يدي حين كان عليّ تدشين المسافة الفاصلة بتشغيل جهاز الكاسيت، واعتدال جسدي كعلامة على الندية، أمام جسده الرياضي وصلعته الذكورية. بعد تجاوز تلك اللحظات القصيرة، كان لابد من إشهار قائمة الأسئلة في وجهه لضبط المشهد قبل التراشق بالعبارات. كان هو، كعادته، يمسك سلك التليفون الليلي ـ الذي طالما ربطه بالعالم وكان علامة تواصله الوحيدة ـ الممتد من تحت المنضدة. اثنان يجلسان ليتحدثا في سماعتي الهاتف، بينما كل منهما ينظر في جسد الآخر الأثيري الشفاف. سألته عن أسئلة الكتابة التي يوغل كعادته دائماً في طرحها داخل العمل، فيما هو يحوّلها إلى محاججة عقلية. فكان رده يدور حول موت الدراما الروائية. سألني ماذا تستطيع أن تفعل كروائي بعدما أنهك آلاف الروائيين الحدث الدرامي التقليدي منذ القرن التاسع عشر حتى الآن. هو يحاول أن يدفع، بتلك الأسئلة، جسد الدراما الروائية الميت إلى التفتّح، مشترطاً أن لا يتحول استدعاء التقنية إلى حكم قيمة، ومشيراً إلى أن الكثيرين ممن يتلاعبون بتلك الأسئلة الآن يجيبون عليها بنصوص ضعيفة ورديئة، بينما تظل قيمة الكتابة خارج التقنية واللغة. وعندما أُلح عليه بأن عمله الأخير هو الأقرب إلى سيرة ذاتية، التي طالما كان منزهاً عنها بألعاب التخييل الطازجة. يرفض في البداية الاعتراف، لكن مع تقديمي للأدلة التي تتقاطع فيها سيرة النص مع سيرته، يؤكد أن هذا النص هو أكثرنصوصه تعرياً، أكثر نصوصه التي كتبها دون خوف، وإن كانت ألعاب التخييل ستظل منطقته الأثيرة. فهو لا يطمئن إلا للخيال المنزه عن الواقع. يؤكد هو من جهة أخرى أن إغلاق النص راداً اتهامي له بديكتاتورية المؤلف هو موقف أصيل. هو لا يعترف بديمقراطية التلقي، لذلك اختار تراث الرسالة ذا الاتجاه الواحد فيما المرسل إليه “سلمه” إلى ذاته لا أكثر. الآخر المظلم هو إمعان في إبعاد شبح السيرة الذاتية المشبوه. وعندما اتهمته باستعباد القارئ وقتل الخيال، لم يرَ في ذلك تهمة، فالكاتب، بحسبه، لا يستطيع شيء أن يوقف مسيرته. أشار إلى أن التنويع في استخدام التقنيات ومستويات اللغة، هو ما يبعد عنه ذلك الشبح. تحدثت معه عن عالم الأحلام الذي يعد من خصائص أسلوبه، وما هي مبرراته النصية، فأكد أن الحلم بتشوه لغته البصرية ولا منطقية دراميته هو أحد أساليبه في علاج السرد الميت. فالحلم، كما يرى، خطاب فوق عادي، يشكك فيما هو واقعي، ويعيد تأويله. هو اتكاء تقني له علاقة بالزمن وضد تأريخية الرواية، الحلم قفزة بالرواية إلى فراغ زمني يحبه. أما اللغة والتي تبدو في علمه الأخير أقرب إلى التنوع الساخر بين المتفاصحة والعامية ولغة الإعلان المبتذلة، ممزوجة داخل حكاية أسطورية عن باحث لغوي يجننه الحرف السابع.. يسرح قليلاً فيما هو يجمع فتات ما تبقى من سكر وباتيه على المنضدة الخضراء، ليتحدث عن اللغة التي ما هي إلا شفرة للتواصل، وقد تحولت إلى هاجس لديه. فحين يبقى وحيداً في غرفته غالباً ما ينسى بعض الكلمات عند أول الكتابة. وهو الذي، من ناحية أخرى، يعشق صوتيات النحاة القدامى، يُخضع أي لغة (فصحى أو عامية) إلى قيمة الاستخدام دون رهبة أو خوف زائد، عبر عجنها، ليتساوى قول لعلي بن أبي طالب في “نهج البلاغة” مع قول عامي ركيك. هو يحب اللغة دون حشمة أو اعتبار لقدسية ما، ويرى اللغة نفسها انعكاساً لفن الرواية الهجين الأصيل. فتاريخ الرواية هو مزيج لفنون متنوعة، دون أن تصل الرواية نفسها لتعريف جامع مانع. أحكي معه انطباعي عن حكاية الخطأ الدرامي لسربانتس في رائعته “دون كيخوته” وكيف جاءت في روايته كمقدمة فلسفية اثقلت النص. لا يخالفني الرأي وإن كان نقل “الرسائل” يعود في معظمه إلى هاجس التشكيك السردي والذي تعد حكاية “دون كيخوته” نفسها إحدى وسائله، فالسرد الروائي تاريخياً يحمل ذلك الخطأ الدرامي الشائع من سربانتس إلى دوستوفسكي، بل وحتى لدى كونديرا، وكأنها خاصية لا تستطيع الرواية الخلاص منها. فمجرد تطور خط درامي سردي يحمل في طياته خطأ درامياً ما، وعظمة الروائيين العظام هي في أنهم يعالجون الخطأ الدرامي داخل العمل نفسه كما فعل سربانتس.

يحكي مصطفى بعد أن يطلب دور إسبرسو، عن المواصفات القياسية التي وضعها على لسان بطله لمعادلة كتابية أبهرت النقاد، كأمر عريض على مقاس كونديراً، سمكة من الجنب على طراز بورخيس، تقفيل محلي لماركة عالمية اسمها الرواية، وهي المواصفات الساخرة التي تميز كتابته، وكأنه يحمل نقداً ذاتياً. يلفت نظري إلى أنه حين كتبها بهذا الشكل كان أسيراً لاسلوبية الوصف لا أكثر. وفيما أنا أعدد له تلك المواصفات في كتابته، يضحك، مؤكداً أن الصنعة الكتابية ليست سبّة. حدثته عن سخرية الذات التي تضمنها العمل، فأجابني بأن السخرية من الذات هي السبيل لقتل تلك الأنانية، السخرية من نقاد الأدب الذين حاولوا كثيراً سحبه على أرضية السينما لمجرد أنه عمل بالسينما، فيما قيّم نقاد السينما عمله بتعابير أدبية.

يرى أن الجميع زائفون، فلمجرد قدومه من عالمين متضادين، خاف الجميع أن يقيّموا أعماله في السينما والأدب، باعتبار أن أياً منهم لن يفهم اللغة الأخرى. يحكي وهو يضحك عن الروائية والناقدة رضوى عاشور إحدى صديقاته المقربات التي يعلم جيداً أن كتابته لا تعجبها، ورغم ذلك تخاف أن تعترف بذلك مخافة أن تتهم بالجهل، فيما الفن نفسه قائم على مجهولية أسباب الحب والكره. أعلم مدى كراهية مصطفى ذكري للوثائقية الروائية فأنكش دبابيره متحدثاً عن علاقة التاريخ بالرواية، يصرخ، بأن المآسي والحروب والمجازر لا شرعية لها في الأدب. الديكتاتور الشقي داخله يتحدث بحزم قائلاً إن التاريخ الواقعي مشبوه، ومن يستدعيه (يصرخ شاتماً صنع الله إبراهيم) لاعب غشاش لأنه يتكئ على الفن بقيمة مضافة قادمة من خارجه. أتحدث معه عن “بلوم” جويس كنموذج لمأساة شخص تافه، فيؤكد أن قيمة الرواية تكمن في صناعة معجزة من تاريخ الأوباش. يحكي لي عن خياره بكتابة نص دون فاصلة أو تبويب، مستشهداً بقراءة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد للسور حين يقرأها مرة متصلة ومرة منفصلة، مؤكداً أن القارئ وحده هو القادر على وضع الفاصلة والنقطة تبعاً لإيقاعه، ومشيراً إلى أن اللغة العربية لا تحمل جزماً نهائياً نحو فواصل الجملة وانقطاعاتها. لذا كتب بإيقاعه الخاص. وعندما كان يحتاج إلى وضع نقطة كان يضعها.

أسأله عن حكمة الأدب العاري من الألعاب التي وردت على لسان بطله، وتناقضها مع ألعابه المتعددة داخل الكتابة، فيشير إلى أن اللعب الروائي الخالي من الهم والجدية هو الذي يخلق قانونه الخاص، فيتحول اللعب إلى جد، تحتك اللعبة بكل ما هو وجودي ومعرفي بامتياز. أعود معه للحديث عن أورهان باموق، وتحديداً عن ألعابه الأسلوبية في “إسمي أحمر”، حين تحول أسلوب الرسامين الأربعة إلى تقنية للحديث عن الأسلوب والحرفة. يرد مصطفى الأقرب إلى الحرفي الذي لا يقبل بأقل من صنعة روائية خالصة، بأن أورهان حين تحرك في حكايته كان يحمل هم الحكي عن أزمة الثقافة الإسلامية في صدامها مع الثقافة الأوروبية، يحمل فكرة من الخارج، وربما وضعها في إطار حرفي بارع، لكنه أتكأ على ما له قيمة مضافة داخل عمل إدعى الأدب. وعندما حاولت الدفاع عن أورهان باموق، مؤكداً أن المأزق الوجودي الشخصي يعد مبرراً كافياً لتحريك عمله نحو مأساة مجتمعية، سألني هو أليست الوجودية، طوال تاريخها، فردية؟ أليس سارتر في حالته الشخصية ومأزقه الخاص أهم من كل رواد وكتاب الوجودية؟

سألني من الأكثر فناً، بورخيس الذي كتب في الأربعينات عشر ورقات عن مكتبة بابل، أم امبرتو إيكو؟ يبقى بورخيس هو الذي أنبت زهرة بدون ثمرة، ويظل أمبرتو إيكو مجرد باحث جيد. الفن، كما يرى مصطفى ذكري، هو استنبات زهرة من بذرة بلا قيمة. قيمة التراكم في “اسمي أحمر” حسمها التاريخ منذ 200 سنة بين أوروبا وتركيا، وكل الألعاب حول القيمة المضافة لا تنفي أن الثمرة (الرواية) نتاج هذه البذرة المشبوهة.

أرد عليه قائلاً، لماذا إذاً لا تخرج جان جينيه المهووس بالمآسي في أمريكا وفلسطين من قائمتك للعظام (بروست، جويس، كافكا)، فهو ابن مآسٍ إنسانية كبرى. فيرد أن جينيه أخذ تلك المآسي عبر فلاتر شخصية جداً وتأمل “أسير عاشق”، القضية الفلسطينية كلها خلفية لمأساة ذلك الشخص الحاذق، وكأنه يحاول نفي تلك القيمة المأساوية الكبرى بشكل لا واعٍ. النص الحقيقي لا يخلق قيمته المضافة من الوطن أو التاريخ أو الجماعة البشرية كلها، لابد أن تدخل العمل بخردة حديد لتخرج به حديداً مشكلاً. ممنوع أن تأخذ حاجة مصنعة وجاهزة، فمآسي العالم لا تهز شعرة من رأس مبدع حقيقي. الأزمة أن المبدعين غالباً يخافون من عدم وجود صدى لأعمالهم لدى الجمهور، لذلك يبتذلون باسم الله أو باسم التاريخي أو السياسي أو المجتمعي أو الأخلاقي. الإبداع يقع خارج كل هذا. يبدو أن صوتنا المرتفع وانفصالنا عن المحيط قد علق أبصار الجميع من حولنا. دفعنا الحساب بخجل وخرجنا لنكمل الحوار على الأرصفة المفتوحة.

ــــــــــــــــــــــــ

نشر في صحيفة المستقبل اللبنانية

عودة إلى الملف