مساحات ورقية للحياة ..البشر لا يسطون عليها

يسعى الفخراني نحو أمنية دائمة لدى المبدعين بأن يعيدوا تشكيل العالم وفقًا لرؤيتهم.. يقتحموا بذواتهم الكون كله ليبدو كونهم المريح الشخصي والجماعي جدًا والمرن بدرجة ترضيهم. تحقيق تلك الأمنية هو فعل أناني وطفولي، كما يسعى للاستحواذ على الأشياء جميعها، في الوقت الذي يمنح القارئ السلطة لتغير مسلمات أو للانتقال كليًا لعالم له قوانينه الأخرى تمامًا.. لكن هل ينجح في توريط القارئ لطرح أسئلة على أنفسه حيال ما يقرأ… هل تنجح مجموعة مثل “قصص تلعب مع العالم” في منح القارئ فرصة جديدة ليحب الحزن، ويفكر في رفقة الظلام والنور له والموسيقى التي تتحرك من الشخوص حوله.. أم تمنحنا المجموعة عالم آخر يلعب فحسب.. تعيد بحكاياتها الأساطير اليونانية القديمة.

ربما الطمع الجميل الذي نمارسه في الكتابة هو الدافع وراء كثير من الأعمال.. الطمع وراء الاستمتاع بأكثر من حياة.. وأن نتقمص أكثر من كائن واحد.. تمتد مشاعر الفخراني ليكون أشياء كثيرة محيطة.. يكتب عن أشياء معنوية غير ملموسة ويجسدها.. ويعترف الفخراني عن الأمنية: “ربما أن تكون في كل الأشياء الموجودة في العالم وأن تأخذها في الوقت نفسه بداخلك.. وأتصور أن الأمنية الأجمل لكل البشر هي إعادة صنع العالم، حتى لو كان عالمهم الصغير، قصتهم الصغيرة، وكل مشاعرنا تدور حول هذه الفكرة، عندما يفكر شخص ما في أنه لو أمكن له أن يعود قليلاً في الزمن لعدة سنوات ليصحح شيئًا ما فذلك إعادة لتشكيل العالم”.

يتحول الفخرانى من رواية عن المهمشين صنعت أصداءه الأولى إلى عالم رحب بالمشاعر المرهفة.. تبحث في جماليات الحزن وفي رقة أفعى تقوم بتحويل جسدها إلى عش للعصافير. إذ يبدأ محمد الفخراني في مجموعاته القصصية مشوارًا آخر لصناعة عالم ورقي مغاير للعالم الفعلي الذي نحياه.. عالم يقوم على الأسطورة في المقام الأول. يبدأ الفخراني ذلك المشوار بمجموعته السابقة “عندما يعرف البحر اسمه”، والذي يتحدث فيها عن العنصر الأول للكون وهو المادة أو الأشياء المادية الملموسة… عن البحر والسماء والشجر، ويقدم رؤية أسطورية لبداية ولحياة تلك الأشياء. القسم الثاني أو العنصر المعنوي للعالم هو عنصر الحكي في مجموعته “قصص تلعب مع العالم”، والتي حصلت مؤخرًا على جائزة الدولة التشجيعية، يتحدث فيها عن النور والظلام والأمومة والبرد والحب والموسيقى.. هؤلاء هم أبطال مجموعته، يجسدهم ويطرح رؤى جديدة غير التي نألفها عنهم… فالزلزال يدخل المدن يلعب مع الأمهات والأطفال والتماثيل، وليس هو الزلزال الذي نعرفه. والحزن ليس كآبة متوقعة بل هو كائن يسكن عين البنت ويجعلها أجمل، ويخفى الحزن عنها أن أجمل مكان رآه في العالم هو عيناها، في الوقت الذي يُسمعها موسيقى شجية.

يبدو عنصر المكان هو عنصر جوهري لأنه محيط العالم الورقي الذي يشيده الفخراني، لأنه يبحث عن الأماكن الأنسب لكل تلك العناصر التى تتحرك في الكون.. و”الفارق يحدث عندما يجد أحدهم المكان المناسب له، بينما لا يجد الآخر هذا المكان”.

يبدو العمل مثل رواية أبطالها يتحركون طوال الوقت، يظهر بعضهم في قصص بينما يختفي الآخر، ثم يعود الكاتب لذكر النور والظلام كأصدقاء لأبطال قصة أخرى. حكاية العالم هي رواية طويلة وليست مجموعة قصص قصيرة فحسب.

الحب هو أحد الأبطال الرئيسيين، فالأمهات هم الكائنات الأكثر دفئًا والأكثر قدرة على مقاومة البرد برائحة طعامهم، والخناجر تعشق جسد الفتاة التي يصوب أبوها نحوها وهي مثبتة على اللوح الخشبي يوميًا ضرباته في العروض الجماهيرية. واللوح الخشبي يحب المساحة التي تلتصق به من جسد الفتاة. والبيت يبحث عن طفلة لم تسكنه أبدًا لكنه يعرف أنها هناك وتفعل شيئًا لأجله. يحضر أيضًا في العمل الحس الشعري.

بالإضافة لاتخاذ الفخراني العناصر المعنوية بطلاً مباشرًا لقصصه، فإنه في قصص أخرى بحث عن المسكوت عنه لدى الجماد أو الحيوان، سألهم عن مشاعرهم، وترك الأفعى والخنجر واللوح الخشبي يتحدثون… وفي أحيان أخرى كان الجماد يسيطر على الأشخاص.. يغير الفخراني المعايير في عالمه الورقي، تصبح السطوة الأكبر للداخل على الخارج أو للجماد أو للمعاني التي نحبها، فلا تصبح المرأة مجرد امرأة، لأنها المرأة السيرك، والرجل هو الرجل الموسيقى يلتقيان من بعيد لكنهما لم يتصافحا أبدًا. ويطغى الجماد أكثر ليتحول الشاب البيانو وأمه إلى داخل اللوحة تسمع الفتاة موسيقاهم بعد أن أختفوا من كوخهم تقريبًا.

بعض الأشياء الأخرى لا تروقنى في عمل محمد الفخراني “قصص تلعب مع العالم” مثل إلصاق أفعال بالنور والظلام وأصدقائهم لا أحبها.. كأن يكذب أحدهم مثلاً.وهذا من حقي كقارئ طالما فتح الفخراني الباب للحكي عن العالم الأسطورة.. فلدى المساحة لإعادة صياغة العالم الورقي الذي يسعني. كما أن الحديث عن السماء وهي تقذف نجومها والبحر وهو يرشهم بمائه يبدو لعبًا طفوليًا بعناصر مرئية وثابتة.. بينما اللعب في عالم المشاعر وتجسيد الأشياء غير المرئية أقوى وأفضل.. وليدع الكاتب السماء بنجومها. رغم سحر عالم الفخراني، لكنني سأنتمي في النهاية إلى العالم الحقيقي القائم والمحيط والذي يصنع حدودك طوال الوقت.. لذا لن أحب وصفه بكلمات مثل العالم اللعوب، رغم أن الفخراني قدمه عالمًا دافئًا ومليئًا بالفرح في مساحات أخرى كثيرة.

“هكذا تفعل الطفلة مع جدها الأعمى، تمشي به العالم، تصفه له بطريقتها” إننا كذلك كائنات تسعى في العالم تبحث عن بصيرتها، وعن معنى الأشياء، ونحن نمضي طوال الطريق ونعيد تفسير المحيط، نتوجس في أنفسنا القدرة على إعادة تأويل العالم.

 

عودة إلى الملف