موقع الكتابة الثقافي uncategorized 2
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

د.خالد عاشور

يُعد النظر فى مراحل الإبداع عند نجيب محفوظ من أهم ما واجه نقاده من إشكاليات، كما يعد قاسماً مشتركاً بين كل نقاد الكاتب على اختلاف اتجاهاتهم النقدية، ومناهجهم البحثية. فلا يوجد ناقد من نقاد الرجل لم يتحدث ولو عرضاً عن مراحل الإبداع، ولا يوجد ناقد لم يقدم رؤية ولو جزئية لتقسيم حياة الكاتب إلى مراحل إبداعية، ويدخل فى هؤلاء الرافضون أنفسهم لمبدأ التقسيم ذاته.

بل إن كثيراً من الكتابات النقدية التى دارت حول نجيب محفوظ قامت فى أصل منهجها على مبدأ التقسيم المرحلى لأدب الكاتب، نذكر منها على سبيل المثال: “الرؤية والأداة” لعبد المحسن طه بدر، “فن القصة القصيرة عند نجيب محفوظ” لحسن البندارى، “قضية الشكل الفنى عند نجيب محفوظ” لنبيل راغب، “الإسلامية والروحية فى أدب نجيب محفوظ” لمحمد حسن عبدالله، “الرمزية فى أدب نجيب محفوظ” لفاطمة الزهراء محمد سعيد، “الإستاتيكية والديناميكية فى أدب نجيب محفوظ” ليحيى حقى، وغير ذلك من دراسات.

وينبغى أن نلفت النظر إلى أن هذا التقسيم المرحلى يتعلق أكثر ما يتعلق بالإبداع الروائى للكاتب دون بقية مجالات إبداعه (قصة قصيرة، مسرحية، سيرة ذاتية)؛ فهو كاتب رواية فى المقام الأول، فضلاً عن أن “الرواية” كنوع أدبى تكشف أكثر من أى نوع أدبى آخر مدى التطور الذى طرأ على أدب نجيب محفوظ.

 ولقد ألمح بعض نقاد الكاتب فى سياق حديثهم عن هذه الإشكالية إلى صلة بعض القصص القصيرة ببعض روايات كل مرحلة، على نحو ما فعل محمود أمين العالم وغالى شكرى وغيرهما. غير أن رصْد الأنواع الأدبية الأخرى التى طرقها الكاتب وربْطها بمسار تطوره الأدبى أمر يحتاج إلى دراسة أخرى.

ويتوزع دراسة هذه الإشكالية جانبان: جانب يدخل فى دائرة تاريخ الأدب، لأنه يتعرض لتواريخ النشر وتواريخ الكتابة، وترتيب أعمال الكاتب، ومدى أسبقية عمل على آخر، وغير ذلك مما له صلة بالبحث فى تاريخ الأدب، وجانب آخر يدخل فى دائرة النقد الأدبى، لأنه يتعرض للتطور الذى طرأ على عملية الإبداع عند الكاتب من منظور نقدى، ينظر فى عناصر العمل الأدبى وطرائقه وشكله الفنى وأفكاره، كيف تطورت أو تغيرت.

وتتكون كل مرحلة من مراحل الإبداع عند الكاتب من مجموعة من العناصر، هى: أعمال المرحلة، وعنوانها، وحدودها الزمنية، وسماتها الفنية.

وفى هذه الدراسة أحاول أن أقدم عرضاً لجهود النقاد فى النظر إلى أدب الكاتب من خلال هذا المبدأ النقدى، موضحاً مواطن الاتفاق، ومواطن الاختلاف فيما يينهم، لأقدم بعد ذلك مدخلاً لقراءة جديدة مقترحة فى أدب الكاتب فى ضوء هذا المبدأ.

أولاً: مراحل الإبداع عند نقاد نجيب محفوظ:

ابتداءً ثمة تقسيم شائع لمراحل الإبداع عند نجيب محفوظ، يُعد بمثابة اللحن الأساسى لهذه الإشكالية، تنطلق منه وتصب فيه كل الآراء التى قيلت حول هذه المسألة، التى هى تنويعات مختلفة على هذا اللحن الأساسى.

 يقول هذا التقسيم بأن أعمال الكاتب الروائية تتوزع على ثلاث مراحل:

الأولى: تضم روايات: “رادوبيس”، و”عبث الأقدار”، و”كفاح طيبة”، وتسمى غالباً “المرحلة التاريخية”.

الثانية: تضم روايات: “القاهرة الجديدة”، و”خان الخليلى”، و”السراب” و”زقاق المدق”، و”بداية ونهاية”، و”الثلاثية”، وتسمى غالباً “المرحلة الواقعية”. 

الثالثة: تضم روايات: “اللص والكلاب”، و”السمان والخريف”، و”الطريق”، و”الشحاذ”، و”ثرثرة فوق النيل”، و”ميرامار”، وتسمى غالباً “المرحلة الفكرية”

ذلك هو اللحن الأساسى أما تنويعاته المتآلفة والمتباينة فتتمثل فى الآراء التى سنعرض لها الآن:

فبالنسبة للمرحلة الأولى يقل الخلاف بين النقاد حول الأعمال المكونة لها وسماتها الفنية، بينما نجد خلافاً ـ وإن ظل محدوداً أيضاً ـ حول عنوانها. فنجدها تأخذ عنوان “المرحلة التاريخية” عند بعضهم([1])،  وعنوان “المرحلة الفرعونية” عند البعض الآخر([2])، و”المرحلة الرومانسية الاجتماعية” عند البعض الثالث([3])، ونجدها تأخذ عنواناً يمزج بين الصفتين السابقتين ليكون: “المرحلة التاريخية الفرعونية” عند البعض الرابع([4]).

وأحياناً يُلحق بعض النقاد بصفة “التاريخية” صفة أخرى لها دلالتها من واقع المنهج النقدى للناقد، وهى صفة “الرومانسية” فيصبح عنوان المرحلة عندهم: “المرحلة التاريخية الرومانسية” كما هى عند نبيل راغب ومحمد حسن عبدالله. وتتقارب حيثيات هذا العنوان عند كليهما، وإن اختلفت منطلقات التناول النقدى؛ فقد توفر في هذه المرحلة ـ حسب رأي الأول ـ خصائص الأدب الرومانسى من مثالية وطموح ونقاء وخلود وسمو، وهو ما سينعكس على روايات المرحلة فى بدائية التعبير النابعة من طبيعتها البعيدة عن الواقع([5]). وحسب رأى الثانى فهى مرحلة أخذت النزعة الروحية والشخصية الدينية مكانها فيها، ولذا فالناقد يعطيها عنواناً فرعياً هو: “حضارة الروح”([6]).

وتربط فاطمة موسى بين الصفتين التاريخية والرمانسية من منطلق ثالث هو أن الرواية التاريخية عند محفوظ تمثل مرحلة الرومانس والسير وقصص المغامرات فى تاريخ الرواية عموماً([7]). وفى هذا الإطار يطلق محمد زغلول سلام على هذه المرحلة عنوان “الاتجاه الواقعى المختلط بالرومانسية” وهو أول ناقد يلحق صفة “الواقعية” بهذه المرحلة؛ حيث يرى أن الواقعية غلبت على الكاتب وإن تكن غير خالصة تبعاً للمرحلة التى يكتب فيها، والجو العام الذى يتأثر به. ويرى الناقد أن استغلال التاريخ فى الهرب من الواقع والتعبير عنه، وبثّه الهموم والمواجد والمُثل؛ سمة رومانسية معروفة، وهو ما فعله نجيب محفوظ فى روايات هذه المرحلة، حيث كان يحس بوطأة واقعه الشديدة على نفسه ونفوس الناس من حوله، مما يفقد معه الأمل فى أى شىء، “فلا جرم أن يؤمن بسطوة القدر، والمكتوب، ولعبه بمصائر الناس، وأن ينظر إلى الخلق وكأنهم الدمى بين يدى مصيرهم المحتوم”([8]). وذلك بعض من السمات الفنية للمرحلة التاريخية عند الكاتب باتفاق بين النقاد.

وهو يُرجع رومانسية نجيب محفوظ التى تجلّت فى هذه المرحلة إلى نشأة الكاتب فى عصر غمرته الرومانسية فى الأدب، كما شجعت عليها الحياة السياسية والاجتماعية وفسادهما، وما يدعو إليه ذلك غالباً من سخط وتشاؤم مشوب بحزن دفين، كما يرجعها إلى نشأة الكاتب فى الطبقة المتوسطة التى ترعرعت فيها مفاهيم الرومانسية وازدهرت([9]).                              

ولقد تمثل أول خروج حقيقى على مواضعات هذه المرحلة سواء من حيث عنوانها أم أعمالها أم حدودها الزمنية، فى رأى عبدالمحسن طه بدر، الذى فصل فيه بين الروايات الثلاث الأولى، واضعاً “عبث الأقدار”، و”رادوبيس” فى مرحلة واحدة عنوانها “الرؤية الوهمية”، وواضعاً “كفاح طيبة” مع “القاهرة الجديدة” وما بعدها فى مرحلة تالية عنوانها “الصلة بالواقع”، وإن لم ينزع صفة “التاريخية” عن الروايات الثلاث.

وقد تقدم فيما سبق من البحث حيثيات هذا الرأى لطه بدر الذى يرى فيه أن الرؤية الوهمية تتجلى فى الروايتين من خلال الفعل البشرى فيهما الذى لا يخضع للمنطق البشرى ولا لقوانين السببية الخاضعة لإمكانيات الفعل الإنسانى وطبيعته، فهو أشبه بالمآسى اليونانية التى تنزع عن البشر أى إرادة فعلية، وتقدم تصوراً شعبياً للقدر ينفصل فيه العالمان: عالم القدر وعالم الإنسان([10]). وهو التصور الذى سيتغير فى “كفاح طيبة” إلى نضج فى تقديم الفعل البشرى، فضلاً عن رؤية أكثر وعياً بالتاريخ من خلال تفسيره وتوجيهه، وهو فى هذه الرواية توجيه رسالة من مصر القديمة إلى مصر المعاصرة([11]).

وبينما يخرج طه بدر رواية “كفاح طيبة” من المرحلة الأولى للكاتب، يضم إليها طه وادى رواية رابعة كُتبت عام 1985 وهى رواية “العائش فى الحقيقة” لمجرد أن موضوعها مستوحى من التاريخ الفرعونى. لتكون أعمال المرحلة الأولى (التاريخية) عند طه وادى هى: “عبث الأقدار”، “رادوبيس”، “كفاح طيبة”، “العائش فى الحقيقة”، على الرغم من بقاء الحدود الزمنية للمرحلة فى رأيه كما هى من عام 1939- 1944! وذلك هو

 الرأى الذى أثبته فى كتابه “نجيب محفوظ أمير الرواية العربية”([12]) ،خلافاً لرأيه الأول الذى أثبته فى كتاب “صورة المرأة فى الرواية لعربية” والذى حدد فيه أعمال المرحلة بالروايات الثلاث الأولى فقط.

أما حمدى السكوت فيخرج خروجاً من نوع آخر؛ حيث يرى ـ فى معرض حديثه عن القصة القصيرة عند نجيب محفوظ ـ أن القصص الأولى فى حياة الكاتب  (أكثر من سبعين قصة جُمع منها ثمانٍ وعشرون فقط فى مجموعة “همس الجنون” ) التى نشرت من أوائل الثلاثينيات حتى بعد نشر أولى رواياته “عبث الأقدار” عام 1939؛ يرى أن هذه القصص لو جُمعت لخرجت فى ثلاث أو أربع مجموعات قصصية، وقد غطت موضوعات مختلفة كان معظمها معاصراً، مما كان سيغير نظرة النقاد للمرحلة الأولى من إبداع الكاتب التى درجوا على نعتها بالتاريخية([13]). وهو رأى عضّده عبدالمحسن طه بدر ببحث مستفيض، رصد فيه لإنتاج الكاتب من القصة القصيرة فى المرحلة الأولى من حياته، وهى القصص التى شكّل بعضها مجموعته الأولى “همس الجنون”. ويتبين من رصد الكاتب لتلك القصص أن موضوعاتها كلها موضوعات اجتماعية فلسفية معاصرة باستثناء قصتين هما: “عفو الملك أسركاف” 1938، “عودة سنوحى” 1941، لجأ فيهما إلى التاريخ الفرعونى([14])(·).

وفى ضوء ما سبق فإن المرحلة التاريخية ـ بتصنيفها الشائع ـ يمكن أن تتعرض للاهتزاز إذا أخذنا فى الحسبان الإبداع القصصى للكاتب ـ وليس الروائى فقط ـ وكذا بقية أعماله التاريخية التى كتبها فى مراحل لاحقة. وهو أمر سيرجحه الباحث فى  موضعه من الدراسة.

……………….

  1. ([1]) من هؤلاء على سبيل المثال محمود أمين العالم: “تأملات فى عالم نجيب محفوظ”. الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر. القاهرة 1970 ص27، يوسف نوفل: الفن القصصى بين جيلى طه حسين ونجيب محفوظ. الفن القصصى بين جيلى طه حسين ونجيب محفوظ. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 1984ص228، فاطمة الزهراء محمد سعيد: الرمزية فى أدب نجيب محفوظ. الطبعة الأولى. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت 1981 ص11، طه وادى: صورة المرأة فى الرواية العربية. دار المعارف. القاهرة 1994  ص221

 ([2])غالى شكرى: المنتمى ـ دراسة فى أدب نجيب محفوظ. الطبعة الرابعة. دار أخبار اليوم. القاهرة 1988 ص 82

 ([3]) صبرى حافظ : الاتجاه الروائى الجديد عند نجيب محفوظ. مجلة الآداب. نوفمبر 1963

 ([4]) يوسف الشارونى: الروائيون الثلاثة: الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 1981ص 15

 ([5]):نبيل راغب: قضية الشكل الفنى عند نجيب محفوظ ـ دراسة تحليلية لأصولها الفكرية والجمالية. الطبعة الثالثة. الهيثة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 1988. ص8

 ([6])محمد حسن عبد الله: الإسلامية والروحية فى أدب نجيب محفوظ. دار قباء. القاهرة 2001ص 15

([7])فاطمة موسى: في الرواية العربية المعاصرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 1997 ص 55

 ([8]) محمد زغلول سلام: دراسات فى القصة العربية الحديثة: أصولها – اتجاهاتها – أعلامها. منشأة المعارف بالإسكندرية د.ت ص 295

 ([9]السابق نفس الصفحة.

 ([10])عبد المحسن طه بدر: نجيب محفوظ ـ الرؤية والأداة. دار المعارف. القاهرة د.ت ص126 وانظر “الواقع والتجربة”من فصل النقد الأيديولوجى من كتاب خالد عاشور : البحث عن زعبلاوي الحركة النقدية حول نجيب محفوظ – الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2008

 ([11]) السابق ص193 وانظر “الواقع والتجربة” من فصل النقد الأيديولجى فى “البحث عن زعبلاوي”. ويرى حمدى السكوت الرأى نفسه من اتصال “كفاح طيبة” بما بعدها من روايات أكثر من الروايتين السابقتين عليها. انظر ص 89 من كتابه :دراسات فى الأدب والنقد.

(12)   طبعة دار المعارف. القاهرة 2006 وهو مجموعة من الدراسات السابقة للناقد عن نجيب محفوظ.

 (13حمدى السكوت: دراسات فى الأدب والنقد. مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة 1990 ص99 وانظر أيضاً لحمدى السكوت: The Egyptian Novel and its main trends 1913- 1952 (Cairo: American university Press, 1971) p137

 (14) الرؤية والأداة ص73 وما بعدها.

(·)  من الأخطاء الشائعة فيما يتصل بمراحل الإبداع عند نجيب محفوظ ما يتعلق بمجموعة “همس الجنون” حيث تشير كل البيبليوجرافيا الموضوعة حول أعمال الكاتب إلى تاريخ نشر واحد هو 1938، باعتبارها أول أعمال الكاتب المنشورة. وهو أمر ينفيه تاريخ نشر قصص المجموعة، وبقية القصص المنشورة فى تلك الفترة(من 1932حتى 1946) مما لم تجمع فى مجموعات قصصية. وهو ما يرجح انقطاع الصلة بين المجموعة وتاريخ نشرها الشائع. كما ينفى ذلك أيضاً نجيب محفوظ نفسه حيث ينقل عنه طه بدر أن هذا التاريخ المنسوب لـ”همس الجنون” هو نوع من التحديد لمستواها الفنى بالمقارنة بإنتاجه، ولكنه لا يمثل تاريخ نشرها الحقيقى.(انظر ص74) ويثبت حمدى السكوت شيئاً قريباً من هذا، حيث يذكر نقلاً عن الكاتب أيضاً أن هذه المجموعة لم تنشر إطلاقاً فى سنة 1938، وإنما نشرت لأول مرة فى سنة 1947، وأن حكاية ظهورها فى سنة 1938إنما هى تصرف شخصى للناشر.(انظر دراسات فى الأدب والنقد ص103)  كذلك يثبت على شلش أن المتابعات النقدية والتنويهات الصحفية حول المجموعة تعود إلى عام 01948(انظر على شلش مرجع سابق ص 166). وقد قال نجيب محفوظ نفسه إن المجموعة صدرت بعد ظهور “زقاق المدق” أى بعد 1947 (انظر نجيب محفوظ يتذكر ص 77) وبذلك يصبح أول عمل إبداعى منشور لنجيب محفوظ هو “عبث الأقدار” 1939.