مختارات من ديوان “قبلة الماء”

عائشة بلحاج

قُبلة الماء

وُلدتُ لِأُرطّب
جفافَ ريقي
بقُبلة الماءِ،
من الذي يتنفّس
التّراب باسمي؟

بخفّةِ سمكة
اكتشفَت أصلَها المائيّ
أُنزِلُ الخُطوةَ
خلفَ أُخرى
أطفو على الكُؤوس
ولا تفيض بي.
مثل الماءِ تتسرّبُ الحياةُ من أصابعي
وكلُّ شيءٍ يجري.
مثل الماءِ يتلوَّنُ النّاسُ
حولي، ومن وجهي تنسحبُ زرقةُ السّماء.
مثل الماءِ تطفو فيّ الأشياءُ
وأُخفي أحجاري.
مثل الماءِ أَغرقُ في طوفاني
وأنسى.
مثل الماءِ أجيدُ إخفاءَ الأثر،
أَروي عطشَ غيري
وبي يباسُ صحراءٍ
مثل الماءِ تؤذي الأحجارُ يدي
وتغوصُ في قلبي.

جارتي المقبرة

من المقبرة التي خلفَ بيتي
يمشي الموتى
تجاه نوافذي،
يقفون تحتها
ويغنّون.
تحت الضّوء الشّاحب لعمود الكهرباء
تُضيء أجسادهم الطّيفية.
يفتحون الباب،
يصعدون الأدراج
ويجلسون في الصّالون.
في غُرفتي أُغلق عليّ
أدسُّ المناشفَ تحت الباب،
وأجلسُ خلفه
أتصنّت:
شايٌ يُسكب
قرقشةُ حلوى بين أسنان هرمة
وصوتُ نحيب:
أحدهم يبكي نِسيان أبناءه.
يسمعُ نصائح رفاقه
كيف يجعل القبر مرئيًا،
وكيف يزورهم في المنام.
في الصّباح
صينيةُ الشّاي في المطبخ
بكؤوسٍ مستعملة وبقايا شاي في البرّاد.
فتاتُ حلوى في الأطباق
ومناديل مبلّلة
تعني أنّ كلّ ذلك لم يكن حلمًا،
أنه سيحدث كثيرًا
ويومًا ما سأفتح الباب
وأقول للرّجل الباكي: لا أبناء لك
الزّائران القديمان كانا أبواك
وأنت لم تولد.

ميراث

ورثتُ عينَي أمّي
وحُزن أبي.
رعشةُ يدي في يدِ الحياة،
عادةُ جدةٍ
انعكاسها هوسٌ لم تهَبِ المرآة
منه إلا نتوء أنفٍ.
***
ورثتُ عينَي أمي
ومن أبي عُمقهما الذي
بضباب رمادي
خفَّفتُ ما لمع من رغباتٍ
تشتعلُ في قاعهما.
***
ورثتُ وجه أمّي العفيّ،
وقلبها المجروح
بالحياة.
مرهقٌ أنّني أمّي
التي امتزجت بأبي
ولم أكُن
ما أرادا.

على ساقٍ واحدة

لم يقطُر بي سقفٌ
قلتُ لامرأةٍ رأتني وردة،
ولنفسي قلت إنّها تُدرك
كُلفةَ العطر،
ومثلي جربّتِ الوقوف على ساقٍ واحدة
بعدما تعرّت يد الرّجل الذي لا يكفُّ
عن تحسّسِ ما بين فخِذيهِ، تمنَّت مثلي بدل العِطر فأسًا.
لستُ ابنةَ أحدٍ.
لستُ أحدًا.
أنا طيفُ نساءٍ قُطّر دمُهنّ.
وهذه اليدُ التي تتحدّثُ بدلًا في الهواءِ منّي،
ملوّحة بكلماتٍ مُقتضبة كأحجار،
لم تكن لي.
إنّها يدُ نساءٍ، مُتن وعُدن إلى الحياة في جسدٍ ضالّ تقاسمناه فشقيَ بنا.
ناعمًا، يراهُ أعمى يتحسّسُ طريقهُ
بعصاه.
شائكٌ، كغابةِ أحراش، كحقلِ صبّار، أمام مرآته.
أحرّكُ قِدرًا
وضعتُ فيها ما عصَرتُه
من دمٍ ببطءٍ كأنّي أطبخُ لجيشٍ بدأَ للتّوّ معركته
أضعُ قمصاني في الشّمس، والشّمس على شعري الطّويل
بدونه أنفق ومنه تُشنَق أشعّتي.
أُحرّكُ القِدر،
ما وفّرتهُ، ما تبقّى في برّادِ الأيام، أدفعه يذوب.
قدماي قربَ الموقدِ
ولم تمنعا القِدر من الاحتراق.
خريطةُ الحريق مرتبكة كقارَّة
غمرها الماء
لم يبق من حدودٍ للبرّ إلّا ما يلجُ الماءَ.
كأنّهُ سمكٌ تحجّر.
هذه ليست يدي
أعودُ لأقول لأظافرٍ تنكسرُ بهشاشة قلب:
لا تفعلي لتقنعيني
بمدّها لشبهِ يد تلحُّ باللَّمس.
عميقًا، في القدرِ غَطسَتِ اليد
التي لم تكُن لي
داخلَ الأشياء الذّائبة شعرتُ بها تحرّكُ المزيج،
رائحةُ احتراقِها
تشبهُ رائحة جلدي وأنا أذيبُ سعراتٍ
ظنتُها زائدة.