محفوظ ظاهرة مصرية.. (ثلاثون عاماً علي نوبل)

فرانسوا باسيلي 
استطاع المفكر السعودي الراحل عبد الله القصيمي أن يلخص العرب في جملة صارت شهيرة كانت عنوان أحد كتبه المثيرة للجدل والممنوعة في كل الدول العربية وهي “العرب ظاهرة صوتية”، وقد استعرت تركيبة جملته العبقرية لتكون، بعد تمصيرها، عنواناً مقارباً لمقالي هذا عن نجيب محفوظ، فقد توصلت إلي أن عبارة “ظاهرة مصرية” هي أصدق توصيف لعبقرية نجيب محفوظ، سواء كمبدع روائي فريد، أو كإنسان مصري صميم، وكونه ظاهرة مصرية هو ما جعله يصبح ظاهرة إبداعية عالمية تحصل علي نوبل، التقدير الأدبي الأعلي في العالم.

وكونه ظاهرة مصرية هو ما جعله أيضاً يتعرض للتكفير ثم محاولة الاغتيال من قبل المتطرفين الإسلاميين، وهو ما سأعود إليه بعد قليل، فقط لابد هنا من إستهلال احتجاجي علي حقارة الإتهام بالتكفير، فكيف يكون كافراً من يقول لنا علي لسان شخصياته الروائية عبارات هي مزيج من الفلسفة والشعر والصلوات، مثل ..

“على الأرض تطرح أسرار إلهية لا حصر لها لمن له عين وبصيرة”..

“إن الله لم يخلقنا للراحة ولا للطريق القصيرة”..

“بالحزن يتقدس الإنسان ويعد نفسه للفرح الإلهي”.

هذه هي بعض “صلوات” نجيب محفوظ، وسأتحدث أيضاً لاحقاً عن “مزامير نجيب محفوظ”، وكلها توضح الفرق الشاسع بين عطاء كاتب فذ مثله وبين عطاء الدعاة الذين حرضوا عليه انتهاء بمحاولة قتله، فينطبق علي محفوظ بهذا كلمة كافكا .. الكتابة هي أن تهجر معسكر القتلة. 

أما عن استخدامي عبارة “ظاهرة مصرية” فلن يكون منطقياً أن نصف كل مبدع ضمن الكوكبة الوفيرة من المبدعين المصريين، وهم بالمئات في كافة المجالات الأدبية والفنية، بأنه، أو أنها، “ظاهرة مصرية”، فالصفتان لا يجوز لهما أن يجتمعا إلا إذا كان المبدع في مستوي يسمح لنا أن نعتبره “ظاهرة” أولاً – وليس كل مبدع كذلك – ثم أن يكون قادراً أن يجمع في خصاله الشخصية والإبداعية معاً كافة الخصال المميزة والمتضاربة التي تمثل الشخصية المصرية بكل حميميتها وتفردها عن أية شخصية أخري سواء عربية أو أعجمية، ولن يمكنك بسهولة أن تجد مثل هذا الإجتماع ماثلاً في مبدع مصري آخر. 

ظاهرة إبداعية

كون أن نجيب محفوظ “ظاهرة” لا يحتاج إلي جهد كبير لإثباته، فهو المصري والعربي الوحيد الذي حاز علي جائزة نوبل في الآداب، فتفرد عن المبدعين بالعربية في فوزه بهذا التقدير العالمي المستحق، وهو بهذا ظاهرة إبداعية عالمية تنتمي إلي دائرةٍ بالغة الخصوصية والتفرد في مجال الأدب الإنساني.

 وهناك أسباب أخري لتفرد محفوظ وإستحقاقيته لصفة “الظاهرة”، ومنها الغزارة الشديدة في الإنتاج، وأنك لتدهش إذ تعرف أن له خمسة وثلاتين رواية، وعشرين مجموعة قصصية ربما تحتوي علي ثلاثمئة قصة قصيرة أو أكثر، وله عشرات السيناريوهات للأفلام والمسلسلات، وسيرة ذاتية  – ولمجرد المقارنة فللروائي الكولومبي الشهير جابريل جارسيا ماركيز الحاصل علي نوبل أيضاً ويعتبر أهم كاتب بالإسبانية  ست روايات طويلة وخمس روايات قصيرة وخمس مجموعات  قصصية. 

 هذا الكم الهائل لأعمال نجيب محفوظ تصاحبه قيمة فنية لم تخنه يوماً، ولهذا فمحفوظ ظاهرة فذة في الأدب العربي علي مدي تاريخه، وهو رائد الرواية العربية وأهم مبدعيها حتي اليوم، وتتجلي في أعماله القدرة علي الغوص في أعماق النوازع الانسانية وتعرية النفس البشرية بشكل فذ، ولهذا  يقارنه البعض بالروائي الروسي دستوفسكي، كما تجد فيها أيضاً الحيرة الفلسفية الوجودية المتلاطمة، والتي ترجع من ناحية لحاسته السادسة في لمس الروح الانسانية من الداخل، ومن ناحية إلي دراسته الأكاديمية للفسلفة في الجامعة وتعرفه علي الأسئلة الفلسفية الكبري التي صارعها المفكرون عبر العصور. 

وكتابات نجيب محفوظ متخمة حتى الثمالة بعصارة الحياة نفسها وكلها.. عصارة هي مزيج من الشهد والمرّ والخمر والعلقم والفاكهة وماء الورد وأمطار الجبال وأنهار السفوح وينابيع الشباب السحرية التي تحدثنا عنها الأساطير دون ان نجدها في مكان.. كل هذا في أسلوب يجمع بين الفلسفة والشعر.. ففي حواراته ووصفه حكمة عالية هي حكمة الفلاسفة، وشاعرية مرهفة كاشفة مثل وحي أبلغ الشعراء.

نقيض التدين السطحي  

وفي اعتراف بقيمة وتأثير أعمال نجيب محفوظ، ورعبٍ منها، كانت محاولة إغتياله إثر إتهامه بالكفر بسبب أعماله الروائية وخاصة رواية “أولاد حارتنا” التي حصل بها علي النوبل، فقد حاول المتطرفون من التيار الاسلامي إغتيال نجيب محفوظ جسديا في 1994 وفشلوا،  ثم  حاولوا في 2011، عام مئويته وبعد استحواذهم علي مجلس الشعب المصري في غزوة الصناديق ، إغتياله معنويا حين قال عبد المنعم الشحات، القيادى السلفى، عن أدب نجيب محفوظ  أنه “يحض على الرذيلة ويدور حول الدعارة وأوكار المخدرات، وأن بعض رواياته تحمل فلسفة إلحادية”، فالسلفيون والاخوان يحملون كراهية عامة لكل أنواع الإبداع مع كراهية خاصة لمحفوظ بالذات، فهو من حصل علي التقدير العالمي لرواية تراها العين المتدينة تديناً سطحياً أنها مجاهرةٌ بالكفر، فقد أدرك المتطرفون الاسلاميون أن نجيب محفوظ في كل أعماله الروائية المضيئة بالروح الانسانية المعذبة الحرة المارقة المتشوقة للعشق والفرح والحياة يمثل النقيض التام لكل ما يمثلونه هم من فكرٍ ضيق بائس كاره للآخر وللفرح وللحياة. 

كره المتشددون الاسلاميون نجيب محفوظ لأنه دون أن يقصد قدم بديلاً للتدين السطحي حين استطاع أن يسبر غور المشاعر الإنسانية المتلاطمة ويعبّر عنها على لسان شخصياته في رواياته وقصصه ليهدي البشرية هدية كشف وإضاءة جوانب الذات المظلمة، هدية معرفة النفس ومعرفة الآخر ومعرفة الوجود، والسعي الدائم لمعرفة خالق هذا الوجود. وقد فعل ذلك ليس بأسلوب الوعظ المباشر المعنّف الذي لا يلمس قلب الإنسان وبالتالي لا يؤثر ولا يجدي، وإنما فعله بأسلوب الطبيب المتمكن المتعاطف الذي يبحث عن أصل الداء، ويضع يده على الجزء المريض المتعب من الجسد. 

 كما فعله بأسلوب المحبّ لكل البشر، فعندما تقرأ شخصيات رواياته، حتى الشخصيات الإجرامية مثل « سعيد مهران» في رواية «اللص والكلاب» لا تملك إلا ان تشعر بالعطف والحزن والمشاركة الإنسانية لشقاء هذه الشخصيات الإجرامية، وتلمس فيما يكتبه نجيب محفوظ أن طاقته على محبة الجميع تشمل حتى المجرمين الذين يصورهم ببراعة وإنسانية بالغة، فمن الطبيعي أن يري المتجهمون المتشددون في فكر نجيب محفوظ تهديداً لهم، لأن جمال وبهاء الإنسانية التي في إبداعاته تفضح قبح ودمامة مشاعر الكراهية والعدوانية التي يمثلونها هم بفكرٍ عدواني قاتمٍ كارهٍ للحياة.  

لا يعني هذا أن نجيب محفوظ كان رجلا شديد التدين بالمعني التقليدي للكلمة.. فكتاباته تنضح بقدر عظيم من عنفوان الحياة وشهواتها وتقلباتها.. فهو من ناحية له جانب صوفي روحي ينشد الحقيقة ويبحث عن المطلق، ومن ناحية أخرى لا يمنعه هذا من اجتراع عصارة الحياة حتى الثمالة، دون أن يعني هذا انغماسه في أي نوع من الابتذال في حياته الشخصية، بل بالعكس فحياته الشخصية كانت كتابا مفتوحا للجميع فهو زوج وأب محبّ محافظ ليس له نزوات ولا عادات اجتماعية سيئة، ولاشك أن هذا ما مكنه من إنتاج ذلك الكم الهائل من الأعمال بما تتطلبه من جدية وإنضباط وتفان. 

ظاهرة مصرية 

أما كون نجيب محفوظ ظاهرة مصرية فليس مرده فقط لكونه مصرياً بالميلاد والأصل، فقد يولد الانسان مصرياً من والدين مصريين دون أن يحمل بالضرورة الخصال الكاملة للشخصية المصرية الحميمة ربما لأسباب وراثية أو بيئية أو تربوية متداخلة، ولكن نجيب محفوظ الذي نشأ في حي الجمالية بالقاهرة، أحد الأحياء الشعبية الأصيلة، وتربي وتعلم تربية وتعليماً تشرب منهما خلاصة الروح المصرية الضاربة في القدم المضمخة بعبق التراث المصري المتراكم الحضارات من فرعونية إلي إغريقية إلي رومانية إلي مسيحية قبطية إلي إسلامية مصرية إلي عقلانية عصرية، إستطاع بنهم وجدانه المرهف وعقله الشره للمعرفة أن يهضم هذا التراث الحضاري الكثيف الزخم ويحوله بداخله إلي روحٍ وحلمٍ ولحمٍ وشحمٍ، ثم إلي إفرازٍ إبداعي فسيفسائي بالغ العمق والثراء والرهافة. 

ستجد الخصال المصرية الحميمة الخالصة ممثلة في إبداع نجيب محفوظ وفي شخصيته نفسها، فهو وإبداعه معاً مزيجٌ عبقريٌ من التدين الفطري والمروق الفكري، وزواجٌ فريد بين عشق المرح المصري ومقدرة الإنضباط الذي يميز المتفردين من المصريين وحدهم، فالغالبية العظمي من المصريين يقودهم عشقهم للمرح والاستمتاع بالطرفة والرفقة ودفء العلاقة الانسانية إلي عدم الإنضباط في العمل وأخذ الأمور بتسيب وتساهل كثيراً ما يصل إلي حد الهزل، هي رغبة في الهزل والمسخرة تكاد أن تكون مدمرة، وهي مصرية خالصة، ربما لهذا كان لدي قدماء المصريين وحدهم إله لللهو والمرح هو “بس”.  

حب النكتة والسخرية و”القافية” – وهي مبارزة كلامية ضاحكة يتناوب فيها شخصان التنكيت والتعليقات والقفشات – هي خصال موجودة بوضوح في شخصية محفوظ الإنسان، وكمثال فبعد فوزه بنوبل قال له أحد المهنئين ولم يكن قد رآه من قبل، “كنت فاكرك أكبر من كدا”، فسارع محفوظ قائلاً وهو يضحك، “وأكبر من كدا إيه بقي؟”.
ويمكننا أن نتعرف علي الشخصية المصرية المتجسدة في محفوظ الإنسان نفسه، والمتمثلة بالتلازم في رؤيته للمصريين وفهمه لهم ولخصالهم المميزة، مما قاله عنهم سواء علي لسانه في مقابلات صحفية أو علي لسان شخصياته في أعماله الروائية، وهنا سنحصل علي صورة بالغة الثراء وحدة الرؤية والتعاطف والسخط في نفس الوقت.

 
 رؤيته للمصريين 

له في وصف المصريين، ووصف نفسه معهم، كلمات تنضح بالصدق وقوة التشخيص قالها في مقابلة مع الكاتب المسرحي ألفريد فرج..

«المصريون لطاف وأهل مودة، يحبون الحياة ويعشقون مسراتها، وبخاصة المسرّات الحسية، وفيهم من طبيعة النمل، ذلك هو دأب الواحد منهم.. وحتى لو لم تكن همته عالية، إلا أنها همة متصلة باستمرار.. تثمر في النهاية عملا ضخماً، ومن صفات المصريين العجيبة أنهم تمرسوا بالاستبداد.. وهم من أقوى الناس على كراهيته وعلى الصبر عليه، إنهم يحتملونه كما يحتمل الشخص مرضاً مزمناً لا يحبه ولكنه يصبر عليه.. يخيّل لي أنهم من أكثر شعوب العالم إحساساً بالحاكم، وسبب ذلك أن الحاكم كان له دائماً وفي كل العصور أثر في كل تفاصيل حياتهم اليومية.. وهم من الشعوب المتدينة جداً.. ويغلب عليهم التعلق بالطقوس والمراسم والعادات الدينية.. وإن أي نقائص في الشخصية المصرية – كالقدريّة وندرة الروح العلمية والسلبية في كثير من الأحيان – إنما ترجع إلى ما ورثته من عهود الظلام التي شملتها آلاف السنين». 

ولنجيب محفوظ كلمات أخرى بها نقد عميق للشخصية المصرية وللمصريين – على قدر حبه العظيم الواضح لهم – نقرأها على لسان شخصياته الروائية. ومنها: «كان كالثور المصري عظيم الخوار عديم الأذى».

وتمنحه الروايات فرصة استخدام كلمات قد لا تكون لائقة لا يقولها هو ولكن تقولها شخصياته الروائية بشكل معبر قوي.. فنقرأ في «السكرية»: «الحق إن الاستبداد هو مرضهم (المصريين) المتوطن.. كل ابن كلب غرّته قوته يزعم لنا أنه الوصي المختار وأن الشعب قاصر..

وعن أخلاق المصريين يقول علي لسان احدي شخصيته.. نحن شعب قليل الأدب!.. لا أعرف شعباً كالشعب المصري ولعاً بالخوض في أعراض الأمهات.!.. إن الزمن أدّبنا أكثر مما ينبغي، والشئ إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضده، ولذلك فنحن غير مؤدبين! ولكن تغلب علينا الطيبة رغم ذلك.. 

أما في «ميرامار» فيصرخ «عامر وجدي» في غضب: «أيها الأنذال، أيها اللوطيون، ألا كرامة لإنسان عندكم إن لم يكن لاعب كرة؟».. ويقول عامر وجدي ايضا في نفس الرواية: «لقد سلبت (الثورة) البعض أموالهم وسلبت الجميع حرياتهم». أما حسني علام، شخصية أخرى من شخصيات ميرامار فيخاطب المصريين قائلا: «إني أتبرأ منكم!.. أتبرأ منكم يا فتات العصور البالية»! 

وفي «المرايا» نقرأ على لسان شخصية تدعى «عبدالرحمن شعبان» هذه السخرية اللاذعة: «هكذا أنتم أيها المصريون، لن تزالوا غارقين في أوهام الكلمات حتى تموتوا.. لو لم أكن مصرياً لتمنيت أن أكون مصرياً! ولِمَ لا تتمنى أن تكون حماراً فيكون لك نفع على الأقل؟!.. وفي موضع آخر من «المرايا» أيضا يقول عبدالرحمن شعبان: «أتعرف ما هي أكبر نعمة أغدقت علينا؟ هي الاستعمار  الأوروبي، وسوف تحتفل الأجيال القادمة بذكراه كما تحتفلون بمولد النبي». 

ولكننا نعرف من كل هذا النقد القاسي أن الذين يحملون للوطن حباً حقيقياً هم الذين ينتقدونه أشد النقد، بينما لا يقدم المنافقون سوى الطبل والزمر في الزفة.

مزامير نجيب محفوظ 

ربما ما يسحر في روايات نجيب محفوظ، ورغم أن معظمها يأخذ المنحي الواقعي، وبعضها خاصة في أعماله الأحدث يذهب للواقعية السحرية والفنتازيا والأحلام، ما يسحر حقاً هو أسلوب الكتابة لديه سواء في وصفه للشخصية الروائية أو في حواراتها مع النفس والغير، فهو في كل هذا يستخدم لغة مجللةً بالشاعرية الشاهقة، وبمستوي لا أعرف له مثيلاً لدي أي روائي آخر، ولهذا من الصعب جداً أن يصل روائي آخر إلي منزلة محفوظ، فالزمان لا يجود كثيراً بمثل هذا التزاوج بين جنسي الشعر والرواية في مبدع واحد.

ولأن الشخصية المصرية هي تعايشٌ مدهش بين التدين الفطري والمسرة الحسية، فستجد هذا التعايش بكل ألوانه وصراعاته الفكرية والوجدانية في شخصيات محفوظ الروائية، وكذلك في رؤيته للحياة، ونجده أيضاً في فكرة قالها نجيب محفوظ في مقابلة مع محمد بركات، وبها تلخيص فريد لرؤية فلسفية عميقة:

«أعتقد ان كل إنسان يبحث عن السعادة وعن الحقيقة.. ورغبة بعض الناس الشديدة في السعادة ربما سقطت بهم إلي تحقيقها على حساب الحقيقة.. كما أن رغبة البعض الآخر في نشدان الحقيقة والبحث عنها ربما كانت على حساب ما يحققونه من سعادة.. ويبلغ الإنسان مرتبة الكمال عندما يتضح له في لحظة ان الحقيقة كل الحقيقة هي السعادة كل السعادة».

وفي مقطع جميل من كتاب «في حب نجيب محفوظ» يصف الناقد الراحل رجاء النقاش النفحات الشعرية الخلابة في كلمات محفوظ هكذا: «نحس أن الكلمات مليئة بندى الشعر الجميل، كما نتذكر ونحن نقرأ هذه المقاطع «مزامير داود» التي جاءت بالعهد القديم والتي تعتبر – بعيداً عن قيمتها الدينية – مجموعة من أجمل الأغاني التي عرفتها الإنسانية في تعبيرها عن همومها وجروحها وآلامها ومناجاتها الصوفية للكون والحياة.. ويمكننا ان نسمي هذه المقاطع «مزامير نجيب محفوظ» ولعل نجيب محفوظ قد تأثر بهذه المزامير وليس عندي من دليل إلا تشابه الروح التي تتأمل وتغني وتفكر وتصوغ خواطرها صياغة شعرية جميلة.”

وليس أجمل من هذه «المزامير» الشعرية الشفافة والفلسفية الصوفية الصافية أختم بها، اخترتها من عدد من أعمال نجيب محفوظ: 

– في ظل العدالة الحنون تطوي آلام كثيرة في زوايا النسيان.. ولكن هل يتوارى الضياء والسماء صافية؟

– عاد إلى دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق. قبض على أهداب الرؤية، وانتفض ناهضاً ثملاً بالإلهام والقدرة، فقال له قلبه لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة.

– إنه فقير ولكنه غنّي بحمل هموم البشر.

– ما أكثر العفة المتولدة عن العجز.

– إننا نأبى التسليم بالمثل العليا من طول انغماسنا في الماء الآسن.

–        مأساة الآدمية انها تبدأ من الطين، وأن عليها بعد ذلك أن تحتل مكانتها بين النجوم.

– الدينا بلا أخلاق ككون بلا جاذبية.

– لماذا لا يسود النقاء؟ ما الذي حال دون ذلك طوال القرون؟

وهل يوجد في مكان ما من الأرض إنسان يعيش بلا خوف ولا رذائل.

– تساءل ألا يمكن أن يؤكد إنتسابه إلى الإنسان ويتناسي إنتسابه الجبري إلى هذا الوطن؟

– ثمة آلام أعنف من ترف الضمير!

– الإنسان إما أن يكون الإنسانية جمعاء وإما أن يكون لا شئ.

 ……………….

وقد استطاع هذا الإنسان الجميل نجيب محفوظ أن يكون أقرب ما يكون إلى الإنسانية جمعاء.