ماذا يعني صوته المبلل بالنبيذ؟

ليلتها كنت أبيت في الشقة التي كان يسكنها الكاتب أشرف عبد الشافي مع شقيقه خلال دراسته الجامعية، وأظن أن هذه الشقة كانت العنوان العريض لأيامنا الجامعية كلها.

نترك فيها الأشياء التي نحبها من كتب وأشرطة أغانٍ ومخطوطات لقصائد وقصص كنا نكتبها آنذاك لحبيبات تعذبن لفهم ما نكتب لأجل إرضائهن،

قصائدنا لم تشبه أبداً القصائد التي كان يكتبها فاروق جويدة أو يقرأها فاروق شوشة في الإذاعة كل مساء، إذ كانت مشدودة لعالم متوتر لا يقين فيه، عالم جذبنا إليه أمل دنقل، وتركنا نلهث خلف صورته كمتمرد أبدي لكنه وثيق الصلة بعالم جاء بعده وتمرد عليه شعراء السبعينيات الذين انشغلوا بقضايا كانت جديدة علينا، فقد كان الحديث عن الحداثة ينطوي على مغامرة شك أكبر وعلى نحو يعطي لهؤلاء الشعراء هالة مجيدة لم نفكر في خدشها إلا بعد ذلك بسنوات، علمنا فيها حلمي سالم أن نسخر منه ومنهم لنحبه أكثر في كل لقاء .  

آنذاك كنا قد تعرفنا على حسن طلب وحلمي سالم  وجمال القصاص ورفعت سلام ومحمد سليمان وقرأنا شعرنا إلى جوارهم في أمسيات جامعية دافئة ترسخ فيها حضور فاطمة قنديل وإيمان مرسال في أرواحنا، وكانتا مقبلتين من فضاء مختلف تمكنتا  فيه من العبور من السبعينيات إلى زماننا برشاقة عارضات الأزياء، وعبر نصوص ساطعة رأينا فيها مرايا لأرواحنا وفي حين حضر كل شعراء السبعينيات إلينا، إما في الجامعة أو إلى المقهى،

كانت مسافتنا إلى أحمد طه تتسع  إلى أن  ظهر ذات ليلة ممسكاً بـ” أنور كامل” ويمر معه في زهرة البستان ويعاونه في توزيع “الفسائل” التي كان كامل يوزعها كل ثلاثاء على رواد المقهى وينتخب فيها نصوصاً يرى أنها جديرة بحيازة اسمه والارتباط به.

حين مات “أنور كامل ” شعرنا بيتم استثنائي لأن رجلاً طيباً غادرنا وكنا نجهل تاريخه النضالي، لكننا نحب رغبته في تأدية دوره للنهاية وهو دور فهمنا ملامحه ونحن نقرأ في أحد أعداد مجلة القاهرة قصيدة ترثيه كتبها  أحمد طه اسمها “شارع شبرا” وظلت معنا في بيت أشرف عبد الشافي كأيقونة على جدار وتناوبنا جميعاًعلى قراءتها كنشيد لم تفارقنا فيه نبرة الشجن.

وحين صدر ديوانه “امبراطورية الحوائط” اشتريته من مكتبة مدبولي وظل في حقيبتي لشهور طويلة كصديق مقيم، أسند روحي على نبرة الأسى التي تغلفه وأطارد الأشباح التي تسكنه كأنه بيتي القديم، وكثيراً ما تخيلت حوارات يمكن أن تدور بيني وبين صاحبه الذي قرأت مرة مساجلة بينه وبين الصديقة الكبيرة عبلة الرويني، فرأيت فيه وحده صورة الشاعر المفكر، أو المفكر الذي يكتب رؤاه بتقنية شعرية يمكن للمجاز اليومي  فيها أن يضع للفكرة الذهنية رصيداً ساطعاً وتنعدم في جملته الشعرية  فوائض البلاغة، إذ تنهض جمله على الإزاحة والتقطير وتعرف جيداً فضيلة المحو استناداً لقيمة مستمدة من وعي مصقول في أتون الخبرة الحياتية. قصيدة تأخذ من السرد ديمومته ومن الشعر روحه المعادية للطمأنينة.  وهكذا آثرت  النظر إليه في مقام الاولياء، هؤلاء الذين يمنحون أرواحنا طرقاً للخروج والانعتاق ووضعت أعماله في مكتبتي إلى جوار من أسميهم (أخصائيو صيانة الأرواح) تركته إلى جوار كفافيس وريلكه وأودن وريتسوس وشيركو بيكه س وأنسي الحاج، محفوفاً بلعنة يحرسها صوت محمد عبد الوهاب وحتى في الليلة الوحيدة التي جلس فيها إلى جواري وكنا في “روف النادي اليوناني” ظل أحمد طه يكلم كلبه النائم في بهو المبنى ويصرخ فيه من الطابق الأعلى، يكلمه بحنو بالغ، وكان صوته المبلل  بالنبيذ يعطي لهذا الحوار الفانتازي سمة تعكس فقداً دام معه وتشغلني أسبابه دون أن اجرؤ في أي مرة ألقاه بأن أتقدم إليه  وأسأله، أو حتى لأقول له اسمي، وبعده عبارة إعجاب عمرها الآن خمسة وعشرين عاماً بدأت من “شارع شبرا”.                  

عودة إلى الملف