لوك فيري يحكي حكاية الفلسفة في ساندوتش لذيذ: (تعلم الموت أم تعلم الحياة؟)
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

محمد عبد النبي

لأعترف بدايةً أنني لم أعد أطيق كتب الفلسفة، منذ سنوات، وبعد محاولات كثيرة ومتكررة في المعافرة معها، حتى يئست (تقريباً) ووجدتُ ملاذي في الفكر الشرقي القديم، البوذية غالباً، وبوذية الزن تحديداً. لكن الكتاب الذي أقدمه لك في عجالة قد تكون مخلّة استطاع أخيراً أن يعيدني إلى تلك الغابة المتشعبة والعتيقة والمظلمة التي تسمى الفلسفة.

كتاب صغير القطع أنيق الطباعة (وغالي الثمن بكل أسف) عنوانه: تعلّم الحياة – سأوري لك تاريخ الفلسفة – وكاتبه هو لوك فيري، وهو مفكر وفيلسوف فرنسي ووزير سابق للتربية والشباب والبحث العلمي في حكومتين مختلفتين، وله مؤلفات عديدة كما ترجمت أعماله إلى أكثر من 25 لغة. وقد أخذ على عاتقه – في كتابنا هذا – مهمة أن يبسّط تاريخ الفلسفة، أو بالأحرى مفاصلها الرئيسية، بلغةٍ بسيطة وأسلوب سلس، دون أي ابتذال أو تسطيح للأفكار العميقة الأساسية. بالطبع لم يلخّص كل تاريخ الفلسفة الغربية، ولا الفكر الإنساني على العموم، فتلك مهمة لا أظنها قابلة للتحقيق ولو بموسوعة لا أول لها ولا آخر. لكنه استطاع بانتقاءه النماذج المناسبة من كل مرحلة فكرية أن يقدم للقارئ فكرة عنها أساسية، قد تعين هذا القارئ فيما بعد – إذا شاء – على مزيدٍ من الإبحار في هذا المحيط الشاسع المفعم بكل مذهل وعجيب.

صدر الكتاب قبل نحو عام عن مشروع كلمة بالإمارات، بترجمة سلسة أغلب الوقت للدكتور سعيد الوالي، أستاذ اللغة الفرنسية في الجامعة اللبنانية، الذي يكتب الشعر باللغة الفرنسية وله مقالات عديدة في النقد الموسيقي والسينمائي، وقد كان واضحاً إلمامه بمادة الكتاب والعوالم الفسلفية التي يتحرّك فيها، وإن جنح أحياناً إلى بعض التعبيرات والمصطلحات الغريبة وغير الشائعة، ربما مراعاة للدقة من وجهة نظره. خرج الكتاب عموما في صورة جيدة، وفي حوالي 400 صفحة من القطع الصغير، ما إن بدأ الواحد في قراءتها حتى لم يعد يستطع صبراً على إنهائه.

إذا كان من بين التعريفات القديمة للفسلفة هو “تعلّم الموت”، فإن لوك فيري ارتأى أن يضع عنواناً أساسياً لكتابه هو “تعلّم الحياة”، وبالفعل مع انتهائك من الكتاب وإبحارك سريعاً عبر قرون من تطور الفكر الإنساني، ومحاولاته المتكررة لبلوغ الخلاص، ستشعر أنك عرفت أكثر عن الحياة وعن ذاتك، وأن أفكاراً كثيرة مما خطرت لك في بعض الأحيان هي في حقيقة الأمر كانت بذور فسلفات سابقة وبنيت عليها كيانات معرفية كاملة.

من خلال أبعاد ثلاثة للفلسفة يلقي الكاتب الضوء على محطات أساسية في تاريخها وتاريخ الإنسانية ضمناً، تلك الأبعاد هي النظرية (كيف نرى العالم ونفسره)، وعلم الأخلاق (ما الذي سنتفق عليه فيما بيننا كجماعة إنسانية)، وقبلهما وبعدهما الخلاص (كيف نجابه كبشر معرفتنا بزوالنا وشبح الموت والفناء الذي نعيه منذ أن نعي الوجود)… ومن خلال تناوله ودراسته لتلك الأبعاد الثلاثة في أكثر من محطة فسلفية، يتتبع القارئ كيف تطوّر الوعي الإنساني ببطء أو بقفزات عنيفة أحياناً، وكيف ظلّت أسئلته الوجودية الأكثر عمقا مفتوحة على عدد لا نهائي من الإجابات، منذ الرواقيين الذين رأوا في النظام الكوني (الطبيعي) المعنى والمآل، ونصحيتهم بالعيش في الحاضر دون التأسي على ما مضى أو ما هو آت، ومنهم إلى الخلاص بالروح والجسد لدى المسيحيين وكيف انتصرت المسيحية على الفلسفة وجعلت منها مجرد خادم للإيمان وكيف صار الإيمان والمحبة في الله هو مناط الخلاص الإنساني ومجابهته للفناء. ومن المسيحية إلى الأنسية الجديدة حين صار الإنسان هو مركز العالم ومناط التحكيم والمنبع والمصب لكل التجربة والحكمة، حين صار العلم والعقل والتجربة والمنطق هم الشاهد والدليل، بداية من روسو وكانط وكوجيتو ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود) …

ومع كل مرحلة من تلك قد يشعر القارئ إنه ما كان على الإنسانية أن تمعن في الإبحار والبحث، فقد وجدت بالفعل إجاباتها الضرورية واستقرت أمورها، لكن ما هي إلا بعض مئات السنوات – ومضات خاطفة في تاريخ الأرض والإنسان – حتى يكتشف العقل الإنساني أن الأسئلة القديمة مازالت صالحة لإثارة الدهشة ومازالت تتطلّب المزيد من الإجابات.

ولتقديم أوضح نماذج فكر ما بعد الحداثة يقدم لوك فيري نظرة سريعة على المبادئ الأساسية لفكر نيتشه، وهو من أمتع أجزاء الكتاب، حيث تنقلب الفلسفة على تاريخها وعلى كل ماضيها، ممسكة بمطرقة هائلة لتضرب وتضرب بغير هوادة. لكن الكاتب يستطيع رغم ذلك كله أن يستخلص بعض النظرات والمبادئ التي يمكن الارتكان عليها لدى نيشته رغم ما يبدو في هذا من مهمة شبه مستحيلة لأول وهلة.

ويختم الكتاب بمرحلة هي أقرب المراحل لحاضرنا الراهن وهي ما بعد التفكيك، وأفكار هايدجر حول عالم التقنية وكيف يمكن تحرير الإنسية (الإيمان بالإنسان كمركز ومنبع ومصب ومناط لكل فكر وتجربة) من المعبودات الحديثة كالقومية والاشتراكية وغيرها. في هذا الجزء تلتقي العديد من الخيوط لتتضح – أخيراً – رؤية لوك فيري نفسه، التي قد لا نتفق معها بنسبة مئة في المئة، ولكن يكفي أنه خلال 400 صفحة صغيرة الحجم يوقظ وعي قارئه إلى العالم المحيط به، ويأخذ بيده في أناة وهدوء وسط تلك الغابة المعتمة المخيفة، هاديه إلى أن يتأمل بنفسه وأن يقرأ بنفسه، فيما بعد.

لن أبالغ إذا قلت إن هذا الكتاب الصغير صالحني على الفلسفة من جديد، وإن لم ينل من إعجابي وتقديري بالبوذية ولو بأهون قدر، فعلى العكس، وجدت لدى الرواقيين وعند نيتشه ذاته ما يطمأنني من هذه الناحية تماماً، على الأقل فيما يخص مبدأ معانقة الحاضر كما هو والعيش في اللحظة بكامل الحضور والحواس والانغماس التام، حين تصير كل لحظة عابرة هي نموذج مصغر للخلود، حيث ينتفي الموت الذي يظل دائماً هناك لأن الحياة دائماً هي هنا والآن.

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:195. Generation time:7.023 sec. Memory consumption:43.98 mb