لا شيء يشبه كتابتي سوى أحلامي

شهادة: أحمد عبد اللطيف

في أي لحظة تحديداً قررتُ أن أكون كاتباً؟ الأمر لا يرتبط بقرار ما بقدار ما يرتبط بمصير. ألملم الآن ذاكرتي لأسترجع سنوات كنت أهرب فيها من الكتابة، أسير في كل الطرق التي لا تؤدي بي إليها، لأجدني في نهاية المطاف هناك، أمام هواجسي وحيرتي. في سنوات أبعد من تلك بكثير، أمسك ببداية الخيط: عودتني أمي أن أروي لها أحلامي بشكل منتظم، كنتُ في الرابعة أو الخامسة حينها، وكنت غزير الأحلام بشكل مدهش.

مع ذلك، لم يكن بوسعي تذكر كل أحلامي، بنفس الطريقة التي بها لم أكن أستطيع أن أرى في عينيها خيبة أمل. من هنا، في هذه السن التي أراها بعيدة الآن، ما يقرب من ثلاثين سنة تقريباً، بدأت في تأليف الحكايات كأنها حلمي المنامي، وبعد ذلك بسنوات طويلة أدركتُ ابتسامة أمي التي كانت بالطبع تعرف الفارق بين الحلم والحكاية. أدركتُ أن الحلم ملتبس، ضبابي، بلا بداية، ولا نهاية منطقية له، بينما الحكاية أقرب للمعقول، مرتبة، تفاصيلها واضحة. لم تخبرني أمي أبداً أنني أكذب، أو أتخيل، كانت تسمع بشغف، لتقول في النهاية “خير إن شاء الله” فأظن أنها صدقت حكايتي المؤلَّفة. وهكذا مرتْ سنواتي الأولى في إطار حكائي، يقوم الحلم فيها بدور البطولة، ومن خلاله تعرفت على التناقض بينه وبين الواقع، في مرات اختبرتُ فيها مدى مصداقيته. من هذه المرات أنني حكيت لأمي أنني رأيت في المنام سيارة تصدمني، ووقعتُ على الأرض غارقاً في دمائي( حكيت ذلك على أنه حلم لأتغيب يوم سبت من المدرسة) فابتسمت أمي على عكس ما توقعتُ وأخبرتني أن الدم يفسد الحلم. أفكر الآن أن الدم يفسد الواقع أيضاً، وبشكل أكبر.

حكاية الحلم استمرتْ لسنوات بعدها، حتى انتبه أخي الأكبر لما يدور بيني وبين أمي من حكايات. (أنا الأخ الصغير بعد ولدين وبنتين، جئتُ خطأ بعد أن قرر أبواي التوقف عن الإنجاب). فاقترح عليّ أن أكتب أحلامي. كنت في الثانية عشرة وقتها، فراقت لي الفكرة، وخلال عام ونصف تقريباً كتبتُ مائتي حلم مرقّماً، لا يمكنني الآن أن أفصل بين الحقيقي فيه والمتخيل. وفكّرتُ، بعد أن قرأت الدكتور جيكل ومستر هايد وآنا كارنينا، أن أجمعها في كتاب، وقرأت في تلك الفترة “أولاد حارتنا” وفكّرتُ أن ما أكتبه لا يعني أحداً غيري. غير أن الصدفة أرادت أن تخبرني بشيء آخر، أن محفوظ كتب “أحلام فترة النقاهة” فقرأتها، واستمتعتُ بها، وشعرتُ أن ما أكتبه، رغم أنه شخصي تماماً، إلا أنه ليس خرافات، كما أنه لا يخلو من التسلية والغرابة. احتفظتُ بالأوراق التي خطتها بيدي بشعور أنني سأحتاجها ذات يوم، وهذا ما حدث بالفعل، بعد سنوات طوال من كتابتها.

منذ ما يزيد عن عشرين سنة كتبتُ وشطبتُ ومزقتُ أوراقاً ونصوصاً بلا حصر، توقفتُ عن الكتابة وهجرتها وقررتُ أن أتجنبها لأنها تجلب لي التعاسة بشكل مستمر، ثم أفاجأ بالحكايات تدور في رأسي، تتكوّن وتؤرقني، فأنشغل بأعمال وأربح أموالاً، وأترجم كتباً لكُتّاب آخرين، حتى أجدني، دون أدنى مقاومة، جالساً لأتخلص من كل تلك الحكايات والهواجس والأسئلة بكتابتها وإعادة كتابتها. وجاء الوقت الذي قررتُ فيه أن أنشر، في لحظة شعرتُ فيها بأن هذه الأوراق تستحق أن تُقرأ. هنا تحسنت علاقتي بالكتابة، وأصبحت أسئلتي حول العالم، الله، الوجود، الإنسان، مشروعة ويمكن صياغتها في شكل فني عظيم، هو الرواية، التي أقدم من خلالها تصورات ممكنة.

كتابتي تشبهني، وعوالمها تقترب من عوالمي، رغم أنها كتابة فانتازية لا تخلو من واقعية سحرية. الحلم أصدق أحياناً من الواقع، والزمن سؤالي الحائر، وضبابية المكان ليست بمعزل عن غموض مدينتي وغموض الأحلام بالطبع. العزلة التي يعانيها أبطالي جزء أصيل بداخلي، إحدى معاناتي المستمرة، والتحول الذي يصيب الشخوص والأماكن في كتابتي صورة مصغرة لعدم إيماني بالمستقر والثابت. ربما من أجل كل ذلك، لا أقدم تصويراً للعالم، بل تصوراً، وتغويني الأساطير فأصنعها لأهدم بها أساطير أخرى، بأبطال بشريين، متمردين، حتى لو توافرت فيهم صفات إلوهية أو نبوة.

يقولون إن الرواية تطمح أن تكون شعراً أو موسيقى، هذا جيد. لكن الرواية التي أكتبها، والتي أطمح أن أكتبها، هي رواية الحلم، أو الأحلام المتقاطعة. الحلم بالتباساته وغموضه، ببساطته وتعقيده، بسيولته وغربته، بكشفه للعالم ومناوشته للواقع. أريد، في النهاية، أن أكتب حلماً طويلاً تصدقه أمي وتنصت إليه بشغف، دون أن تبتسم من سذاجتي.  

 

عودة إلى الملف