كي لا تضيع بحّة الحلق

 (لا يعرف الإنسان قيمة ما يمتلكه إلا بعد فقدانه) .. قصة (المسجلة) للكاتب الإيطالي (دينو بوتزاتي) لا تريد إثبات ولاءها للعماء الخادع، الراسخ في تلك الحكمة التقليدية السمجة حتى لو بدا أنها تحاول ذلك.

(بوتزاتي) يغرز دبوساً من الدعابة في البالون الأسود المسمى بالقيمة، لا يريدك أن تتأمل دليلاً جديداً على ما يسمى بتناقضات النفس البشرية، أو النظر في مُعطى مكرر عن التبدّل الغريب للمشاعر مع تقلبّات الزمن، حتى أن الإحساس الدائم بالنقص وبعدم الرضى مهما تغيرت الأحوال يمثل انتقاصاً من قدر هذه القصة لو اُعتبر أن تلك هي الدلالة التي تريد التركيز عليها .. (بوتزاتي) يأخذك للتفكير في ذلك الاحتمال الذي يفترض أنه لا يوجد ما يُطلق عليه القيمة المستقلة والثابتة، وإنما يوجد وهم يدّعيها، هناك فقط مواد للاستغلال تتوقف (ضرورتها) على مدى صلاحية الاستخدام أو التوظيف، قابلية وجودها النفعي لتنفيذ مهمة أو تحقيق فائدة أياً يكن .. تكمن الدعابة إذن في الإحساس بالمساواة غير المقبولة بين (البشر) و(الأشياء) الناجمة عن خضوع ما نظنه (قيمة) لهذا المعيار الغرضي، كأن (بوتزاتي) يرسم مشهداً من القلق الكوميدي الخبيث، يفترض به أن يخلق نوعاً من عدم الاعتراف للتماثل الذي سينتهي إليه بين كافة الكائنات دون استثناء من حيث كونها قابلة للاستعمال .. مجرد كيانات لا يمكن قبولها في عالمنا إلا بقدر ما ستؤديه لنا من استفادة، وما ستصده عنا من أذى.

ما يزيد الأمر استفزازاً، وبالضرورة يساهم في توسيع حقل الجدل داخل هذه القصة هو أن (بوتزاتي) يمتد بالاستخدام نحو الفن وتحديداً الموسيقى رغم هيمنة اليقين بسموّها وانفصالها عن التوظيف النفعي .. هو يجعلها تشبه أي أداة أخرى تُستعمل لغرض؛ فالروعة الصافية لمعزوفات الأنقياء الإلهيين لا تمثل في لحظة ما سوى مهمة تُنفذ وفائدة تُحقق، لكنها في لحظة أخرى ستصير مجرد ناتج لمجموعة من البلهاء الرجيمين، الذين يثيرون الغثيان .. حتى (برسيل)، و(باخ)، و(موزار)، و(بالسترينا) لا يمكن قبولهم في عالمنا إلا بقدر استفادة وقتية، جمالية أو نفسية ربما، غير محمية بالخلود، وقد يجيء وقت يتحولون فيه إلى أذى ينبغي التخلص منه .. في المقابل قد لا تستمر الجيفة المزعجة اللامبالية كمصدر للعذاب بل يمكن أن تصبح سعادة بعيدة لا يمكن الوصول إليها .. يتحدد ما نحسبه (قيمة) إذن وفقاً للملائمة .. لقدرة عناصر متعادلة على مساعدتنا للفوز برهان أو دفعنا لخسارته.

لكن ربما يشير لنا (بوتزاتي) من مكان آخر .. كل شيء هو موسيقى تستحق أن تُمنح الخلود، ولكن هناك ما يقودنا لعدم الانتباه .. حتى الضجة العادية المقلقة لا فرق بينها وبين ما نتصوره أعظم المقطوعات في حالات معينة .. لذا علينا ألا نكتفي بالإنصات ـ لو كان الإنصات في حد ذاته باستطاعتنا حقاً ـ بل علينا نساعد كل ما هو عابر على البقاء أيضاً بأي شكل .. ألا نهمل الأصوات المألوفة لعالمنا حتى المملة والمؤلمة فربما تحمل عند استعادتها إمكانية للذة غير مسبوقة مثلما كانت تحمل حياتها وعداً بالفناء .. كأن الاسترجاع يُعيد بعث الأصوات في هيئة مغايرة، تستلزم الاكتشاف .. ربما (بوتزاتي) يدرك أن في ذلك النوع من التوثيق مشقة تجعله فعلاً نادراً واستثنائياً للغاية .. من هنا كان الامتنان للمسجلة التي حافظت على ما أصبح أكثر جمالاً وأهمية وأكثر تمنعاً بالطبع من معزوفات (برسيل)، و(باخ)، و(موزار)، و(بالسترينا) .. المقطوعات التي أصبحت تنويعات للحفر في الجرح المشتعل للذنب .. أحب التفكير في أن (دينو بوتزاتي) تعمّد زرع تحريض خفي في هذه القصة على أن نترك المسجلة (أي مسجلة) تعمل، ليس أثناء ما نعده أحداثاً هامة، بل بحرص أكبر بينما تدور وقائعنا اليومية البسيطة، التي نعرف تماماً أنها أكثر ما يقتلنا.

 

المسجلة

دينو بوتزاتي

 قال لها ( بصوت منخفض جدا ) , توسل إليها : أرجوك أن تصمتي , فالمسجلة تسجل من المذياع , لا تحدثي ضجة فأنت تعلمين أنى حريص على ذلك . كان يسجل مقطوعة الملك / آرتورو / لبرسيل الرائعة الصافية , لكنها كانت تغدو و تروح كجيفة مزعجة لا مبالية مطقطقة بكعبي حذائها القاسيين لتستمتع فقط بإخراجه عن طوره ومن ثم راحت ترفع صوتها ثم سعلت (عن عمد ) وبعدها صارت تضحك وحدها و تشعل عود ثقاب بشكل تحدث معه أكبر ضجة ممكنة . وبعدها أيضا صارت تروح و تجيء بخطا رنانة و أثناء ذلك كان برسيل و موزار و باخ و بالسترينا الأنقياء الالهيون يعزفون سدى , و كانت هي برغوثا بائسا , قملة , قلق الحياة ولم يكن بالإمكان الاستمرار على هذا النحو .

و الآن و بعد انقضاء زمن طويل ها هو يدير شريط التسجيل القديم المؤلم وها هو المعلم يعود , العظيم , يعود برسيل و باخ و مـــوزار و بالسترينا . أما هي فلم تعد هنا , لقد رحلت , تخلت عنه , آثرت أن تتركه وهو لا يعرف ولو بشكل غامض إلى أين انتهت .

وما زال برسيـــــل وبـــــــاخ وموزار و بالسترينا يعزفون و يعزفون , أولئك البلهاء الرجيمون الذين يثيرون الغثيان .

وتلك الطقطقة التي تــروح و تجــــيء و هذان الكعبان, و تلك الضحكـات القصيــــــرة( لا سيما الثانية ) و بحة الحلق تلك والسعال أجل إن كل هذا لهو موسيقى إلهية .

انه يصغي . جالسا تحت ضوء المصباح يصغي . متحجرا في مقعده القديم المحطم . انه يصغي دون أن يحرك أي طرف من أطرافه يجلس منصتا : إلى تلك الضجة ,

إلى إيقاعات تلك الخطى , و ذلك السعال و تلك الأصوات المعبودة , التي لا نظير لها , التي لم يعد لها وجود , ولن تكون هنا ثانية بعد الآن .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

*ترجمة: سمير القصير