موقع الكتابة الثقافي uncategorized 34
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

منذ وطئت قدماه الأرض، مطرودا من الفردوس الأعلى، عاش الإنسان يحلم بفردوس بديل، سكنته أساطير اليوتوبيا كما سكنته أساطير الخلاص. وعبر تاريخه، اخترع صورًا عديدة للمدينة الفاضلة، وحتى عصر قريب، كانت مفاهيم الدولة الحديثة القائمة على الديموقراطية، والمواطنة، وحقوق الإنسان، تمثيلاً ليوتوبيا انتهت بسلسلة من الحروب الدموية.. ويبدو لي، أن السوشسيال ميديا، هى آخر صور اليوتوبيا التي تعدنا بها الرفاهة التكنولوجية،  حيث يتمكن الإنسان من التجوال في أرجاء العالم مجردا من ورقة التوت.  

 في هذا السياق، لم يعد الفيسبوك مجرد تطبيق اليكتروني، مثل مئات التطبيقات الأخرى، بل هو حياة بكامل تفاصيلها، أو بمعنى أدق هو النموذج الأعلي للوجود الافتراضي. لهذا، فإن فشل يوتوبيا الفيس بوك، لن يكون مجرد إخفاق لحلم فلسفي يخص أفلاطون، أو الفارابي، أو ابن طفيل، بل سيكون مأساة وجودية لملايين البشر، إنه يوم القيامة الافتراضي كما يسميه شريف صالح  في روايته الأخيرة (حارس الفيس بوك) عندما تنهار كل قيم الحضارة الإنسانية، وتسقط كل الأقنعة، وراء شاشة حاسب آلي عظيم، يشمل البشرية كلها برعايته الافتراضية.

في التاسعة تماما، من صباح أحد الأيام وقعت القيامة الافتراضية، واعترف موقع (فيروس) بعجزه عن فهم حالة الجنون التي أصابت مليارات من صفحات الفيس بوك، عندما ظهر فيروس (بوديكا) في صورة أيقونة تشبه امرأة عارية تجوب كل صفحات الفيس بوك في لحظة واحدة. فجأة، أصيب العالم بحالة من الإحباط والغضب والفوضى، كأن عربيدًا من آلهة الأولمب، قرر أن يعبث بكل شيء: يغلق صفحات، ينشر رسائل خاصة على الملأ، يبدل أيقونات فتذهب كل مدخلاتنا، ومحتويات صفحاتنا إلى الأماكن الخطأ، يحذف صورا ومعلومات غاية في الأهمية. هكذا: ترتبك كل حسابات العالم، تتعطل الشركات، وخطوط الطيران، وتمنى البورصات العالمية بخسائر فادحة.. إلخ.

هذا الحدث المثير الذي يضعه شريف صالح في صدر الرواية، تحت عنوان (تقرير موقع فيروس) مقصود لذاته، ليس فقط ليقوم بدور اللغز المثير لفضول القارئ، ولكنه في نفس الوقت يقوم بدو الحكاية الإطار، التي ينتقل السرد بعدها للمعنى الأهم؛ وهو أثر انهيار يوتوبيا الفيس بوك. عندئذ يبدأ سؤال الرواية، ماذا بعد انهيار وجودنا الافتراضي؟

 هذا سؤال افتراضي أيضا، لكنه يضعنا مباشرة في مواجهة أنفسنا، لنرى مظاهر الضعف الإنساني، والهزال القيمي، والانحطاط الأخلاقي الذي ألمَ بالبشرية، رغم رحلتها الطويلة في مضمار الحضارة. إنه سؤال وجودي، يضعنا بين عدد من المعاني: المعنى الفلسفي للذات والقلق الوجودي الذي تحدثه متغيرات العصر، المعنى التاريخي لكدح الإنسان نحو حياة أفضل، المعنى النفسي لتحلل الروحي في مواجهة طغيان المادي.

إذا كان مدخل الرواية بمثابة أيقونة على سطح المكتب، فإن الدخول إليها بمثابة الدخول إلى عالم الفيس بوك بكل تشابكاته؛ إذ أن البنية الكلية للرواية تنهض على ملفات متجاورة، كل ملف يبدو مستقلاً، ليحكي لنا عن كائنات الفيس بوك، بأسمائها وصورها الافتراضية أو الحقيقية. وقد تحمل بعض الملفات عناوين فيسبوكية مثل: ماوس يتدلى من السماء – تدوينة من على نجيب إلى اللاعلى نجيب – طلب إضافة – بروفايل الحاجة الطاهرة – أكاونت مضروب.. إلخ.

إن هذه البنية التجاورية التي تبدو أقرب إلى بنية المتتالية القصصية تعزز طبيعة السرد الروائي المتنامية، لكن هذا التنامي لا ينتج عن تطور حركة السرد في اتجاه بعينه، بقدر ما ينتج عن حركة تفاعلية بين عدد كبير من الحكايات المستقلة، لتكون أشبه بالشبكة العنكبوتية نفسها.أي أن بنية الرواية تحاكي موضوعها، فهي في نفس الوقت الذي تكشف لنا عن عالم يتشطى ويتوزع على مسارات متعددة ومجهولة، تكشف عن روابط سرية بين مفردات الواقع الافتراضي تمثل عالم القرية الواحدة والفضاءات المفتوحة، وتعكس حالة من السيولة التي تميز عصرنا الفضائي المفتوح. إذ أن الطبيعة المتشظية للواقع الافتراضي التي توهمنا بالخصوصية، يمكنها أن تضع مليارات البيانات عن كل شيء وأي شيء في قبضة واحدة، وفقا لآلية عمل الخوارزميات.

 تلك هي الحقيقة الغائبة التي اكتشفها رواد الفيس بوك بعد أن استولت (بوديكا) عليه. هكذا يشعرنا بناء الرواية بمحاكاة الواقع الافتراضي، لتدخل بنا من خلاله إلى الواقع الحقيقي، الذي يتساقط أمامنا كأوراق الشجر، ورقة بعد أخرى. إنها رواية تتنبأ بهزبمة الواقع المعيش وقضاياه، التي طالما استهلكها أدب الواقعية بروافده الاجتماعية والسياسية، عندما تصبح عضة الواقع الافتراضي هي المأزق الوجودي للإنسان الحديث، بدلا من عضة الواقع المعيش كما يقول غبريال مارسيل.

كما يمكننا ملاحظة أن اللغة التي ينتجها النص تتشكل في مستويات عدة، فمرة تتناسب مع سرد الواقع المعيش، وأخرى تقارب لغة التقارير التي تناسب البوستات والتعليقات، وثالثة بلا هوية كلغة الأحلام والهلاوس السمعية والبصرية على نحو ما نجد في حكايتي (ماوس يتدلى من السماء، وصياد البوشمن).

 وثم ظلال سخرية شفيفة تطوف بمستويات اللغة كافة، لتعبر عن نزعة تفكيكية لأكثر أساطير عصر التكنولوجيا هيمنة. كما أن بنية الرواية المتشطية، التي لا تتمسك بمفهوم الوحدة العضوية، تسمح للكاتب أن يتنقل بين مستويات متعددة من الروي، فبعض الشخصيات تتكلم عن نفسها، وإدارة الفيس بوك تتكلم بلغتها، والراوي العليم له حضور مبرر ليوقفنا على الحقيقي وراء كل هذا، والمؤلف الضمني يحضر بنفسه معلقًا، أو ساخرا، أو شارحا لمناطق الالتباس والسيولة بين الواقعين الحقيقي والافتراضي.

نتيجة لكل هذا يحظى القارئ بسرد شديد الحيوية، لكن الطريقة الحرة والمفتوحة للسرد، تسهم في كسر الإيهام –بحسب بريخت – الذي تتمسك به الرواية ذات الوحدة العضوية، والتي تفترض أن الحياة على هذا النحو من التماسك والترتيب. لهذا فرواية حارس الفيس بوك، تفكك أيضا بعض الأوهام، والتصورات المثالية التي عشناها في الماضي، بدعوى الواقعية، وتسخر منها، عندما تعري بعض الشخصيات القابعة وراء شاشات الكمبيوتر وصفحات الفيس بوك.

 زيزو (هاكر) يمتلك حدسا مدهشا، يمكنه من معرفة حقيقة الشخصيات مهما كان اسمها المختلق، أو بروفايلها المستعار، أو ما تكتبه من بوستات مصطنعة. زيزو لاعب ماريونت خفي، ينسج تفاصيل الحقائق ويعرى كثيرا من شخصيات الرواية، فيعرف أن مهلبية، هي نفسها الحاجة الطاهرة، وهي أيضا شخصيات متعددة، تمارس من ورائها علاقات جنسية مبتذلة.          

كل شخصية في الرواية تعاني مأزقها الخاص، لكنها تتشارك في سياق واحد موزع بين واقعين، واقع تعيشه بين الناس في الحياة اليومية بكل معطياتها ومسئولياتها وطقوسها الطبيعية، وواقع افتراضي، يقدم صورا مزيفة، وربما مستنسخة من صور أخرى، ومستعارة من أسماء وسمات ولغات مصطنعة لتحظى بالاهتمام واللايكات، ومحادثات الشات التي تزعم السرية، وطلبات الصداقة التي نتقدم بها للآخرين، وكأننا نهتم بهم، فيما هي لا تعني أكثر من رغبتنا في أن يرانا الآخرون على صورة نتمناها، ونعجز عن الوصول إليها لدواعي الواقع المعيش وقيوده.

 الأستاذة: شخصية تظهر الوقار والجدية، تناسب طبيعة عملها كأستاذة قانون، لكن (زيزو) الهاكر الخبير، يتوصل إلى العلاقة السرية بينها وبين مهلبية رغم الفارق الكبير في الثقافة والمركز الاجتماعي، ليكتشف أن الواقع النفسي لكل منهما على درجة واحدة من الجوع الجنسي، ومع ذلك فهي حتى في لحظة انسحاقها تحت رجل لا تكف عن ممارسة أستاذيتها. صحيح أن الرواية لا تستهدف الأبعاد النفسية لشخصياتها، لكن ممارسات الشخصية المتباينة بين الواقعين المعيش والافتراضي، تكشف البعد النفسي لكثير من الشخصيات.

إن أحد أهم وأخطر هذه الأبعاد النفسية، احتياجنا لأن يرانا الآخرون. على نجيب شاعر كهل، يعيش نوستالجيا شعورية تتجلى في عشق الفتيات، نوع من الحنين إلى زمن الشباب، وتجسيد لفكرة الخلود. الشابات ملهمات قادرات على منحه الشعور الدائم بالحيوية والألق الشعري. يقع على نجيب في غرام (ابنة البحر) إنه اسم افتراضي لوجود لفتاة تحتاج إلى عطايا الأكبر سنا ورعايتهم لها لتحقق ذاتها كشاعرة. كان على نجيب، يرعاها، يمنحها أسرار الشعر، في مقابل ما تمنحه لهُ من إثارة حسية، ووهج الخلود. وفي سياق الواقع الافتراضي يظل كل شيء آمنا، ومحدودا بعيدا عن اختبار الواقع، لكن ابنة البحر نجحت في احتلال حياته، وبيته، وفي النهاية احتلت شعرة، فيما وقف هو عاجزا عن مجاراة فتوتها وعنفوانها الجسدي، وطموحها المتوقد.

 ابنة البحر تصبح بفضله شاعرة تتقدم المنصات، وتدعى إلى كل الموائد، فيما هو يزوى في ظلال النسيان.هكذا تحول الواقع الافتراضي إلى واقع حقيقي فيما يتراجع الحقيقي. إن مأساة على نجيب أشبه بمأساة بجماليون الذي حول تمثال امرأة إلى امرأة حقيقية، ثم راح يعاني عشقها الذي يذكره بعاره الفني. كان أمام (على نجيب) عدة طرق لتصحيح خطأه التراجيدي: أن يتخلص من وجوده القديم ليبدأ وجودا جديدا وافتراضيا كابنة البحر، أن يحذف صفحته، وينشئ صفحة جديدة بسم (ابن ماركس).. لكن هذا لا يخلصه من عاره الذي تنامي في لاوعيه، وهو يرى فتاة صغيرة تطيح بكل تاريخه المجيد وتفضح جوعه النفسي.

 كما أن عالما على هذا القدر من السيولة، لابد سيلاحقه بعاره، فمن يضمن أن ابنة البحر لا تتقدم له بطلب إضافة جديد وبسم مختلف؟ ومن يضمن أنه لن يكرر المأساة ويقبلها؟ ثم يقع في غرامها من جديد، فالشعراء في كل واد يهيمون، ويتبعهم الغاوون.

 هكذا يدرك على نجيب أن مأزقة الوجودي يتمثل في كونه شاعرًا في عصر على هذا القدر من السيولة والزيف.

تبدو حكاية على نجيب وابنة البحر مأساوية، ولكنها مترعة بالمفارقة الساخرة، على طريقة ( تيجي تصيده يصيدك) فأنت في عالم على هذا النحو من الزيف والإيهام بالحقيقة، لا يمكنك أن تعرف من الفريسة ومن الصياد إلا بعد أن تقع في الشبكة، أو بمعنى آخر أن تتورط في لعبة المطاردات الوهمية. يتساءل على نجيب ” ما الفائدة إذا أعاد إضافة نفس الأشخاص تقريبا؟ هذه المرة كأصدقاء لابن ماركس؟؟ طالما تورطت هنا، عليك أن تتقبل قواعد اللعبة كاملة”. هكذا يبدو الفيس بوك بديلا للقدر الذي لا مفر منه، إنه وجود متكامل.

من المهم الالتفات إلى النماذج الإنسانية التي التقطها شريف صالح لتشكل شخصيات الرواية، إنها مختارة بعناية: شعراء، وغانيات، وزوجات محرومات، وكهول مأزومة جنسيا، وأساتذة جامعيين، وقوادون، وصيادو نساء، ومثقفون، وسياسيون يثرثرون ليل نهار ليلفتوا الأنظار إليهم..

شخصيات يبدو أن بعضها متشابه مع البعض الآخر، لكن هذا التشابة فرضه السياق الافتراضي لطبيعة السوشيال ميديا: قوانينها، وطقوسها، ومساحات التنكر والتزييف، والكذب، والادعاء التي تمنحها لنا تجعلنا متشابهين، ما دمنا قد قبلنا اللعبة، فلنلعبها بكل قواعدها.

 هكذا يتجلى البعد الأعمق في الطبيعة الإنسانية، نزوعها إلى التعري البدائي، التحلل من كل أقنعة الحضارة والأخلاق والتدين، عندئذ لا يمكننا أن نعرف من نحن بالضبط، هل نحن تلك الشخصيات الملتزمة اجتماعيا وأخلاقيا ومهنيا، أم تلك المنحرفة التي تستسلم لرغباتها وهواجسها عندما تظن أنها بعيدة عن رقابة الآخرين، لكن.. لا يقين في هذا العالم، ولا شيء يضمن لنا أننا غير مرئيين ومكشوفين وعرايا أمام الآخرين، فمتى؟ وكيف؟ يمكننا أن نكون نحن أنفسنا، طالما (بوديكا) تجوب صفحاتنا الشخصية؟.         

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:766. Generation time:16.911 sec. Memory consumption:291.43 mb